فيصل علي
(مسرحية رمزية من فصل واحد - 5 مشاهد)
الشخصيات:
Ø إياد – مبتعث يمني، مثقف، وطني، يؤمن بالجمهورية والدولة
Ø منى – رسامة يمنية، تؤمن بقوة الريشة والكلمة والثقافة. تحمل معها تابلت دوما ترسم به لوحاتها الفنية.
Ø أمل – طالبة مهاجرة سافرت للدراسة، غاضبة، مترددة، تائهة بين الانكسار والأمل
Ø شرف الدين – رمز السلالة، الاستعلاء، الطائفية
Ø علوي – زعيم "تنكا بلاد النامس"، رمز الجهوية القروية
Ø الراوي – ضمير اليمن، صوت الثورة والمقاومة اليمنية الشاملة
صوت من المنفى
مقدمة بصوت الراوي – قبل المشهد الأول (تُقال بصوت منخفض مع إضاءة باهتة):
Ø الراوي (بصوت داخلي، نبرة ثابتة):
لسنا هنا لأننا اخترنا المنفى، نحن هنا لما حلّ باليمن، وهذا صوتها فينا... من المنفى.
المشهد الأول: رصيف المنافي
إِنْتِ وَيْن؟ تَعِبَتْ مِنِّي المَطَارَاتُ، تَعِبَتْ مِنِّي المَسَافَاتُ
أَنَا بِكُلِّ المُدُنِ مَرَّيْتُ، وَأَنَا مِنْ غُرْبَتِي مَلَّيْتْ
(يفتتح المشهد بموسيقى أغنية أنت وين لأبو بكر سالم)
(إضاءة خفيفة. يجلس إياد على كرسي يقرأ كتابًا. منى ترسم خريطة اليمن. أمل تمشي بعصبية).
أمل (تتحدث بنبرة غاضبة وحزينة):
قالوا أنتم الأمل… ثم رمونا للمنفى! صرفوا علينا، نسونا، تركوا اليمن للسلالة والميليشيات القروية والجهوية. تحولنا إلى لاجئين ومشردين وتائهين… نبحث عن معنى بين مطارات لا تعرفنا وجوازات سفر لا تعطي انطباعا مرحا لموظفي المطارات وهوية ضائعة.
منى (تتوقف عن الرسم):
نحن لاجئون بالواقع، لا بالانتماء. كل من يحمل اليمن في ضميره… ليس منفيًا. نحن يمنيو الشتات، لا نعيد تعريف أنفسنا… بل نعيد تعريف اليمن للعالم.
إياد (ينهض، بوضوح وقوة):
نحن أبناء الجمهورية، لاجئوها، نعم… لكن أيضًا حراسها. نُقيم في الخارج، لكننا نقف مع أهلنا وشعبنا: مع الدولة، مع الوحدة مع الهوية والثورة. وهذا، وحده، يكفينا لنكون حاضرين.
(خروج تدريجي من المشهد مع صوت الراوي الخافت وهو يُعيد جملة أمل الأخيرة: " نبحث عن معنى بين مطارات لا تعرفنا وجوازات سفر لا تعطي انطباعا مرحا لموظفي المطارات وهوية ضائعة ")
المشهد الثاني: الكهنوت
والحُكْمُ بالغَصْبِ رَجْعِيٌّ نُقَاوِمُهُ
حَتَّى وَلَوْ لَبِسَ الحُكَّامُ مَا لَبِسُوا
(يفتتح المشهد بموسيقى أغنية جمهورية من قرح يقرح)
(يدخل "شرف الدين" مرتديًا عباءة خضراء أو شال أخضر، يتكلم بصوت رخيم، يحمل كتاب قديم عنوانه "الجفر").
Ø شرف الدين (بتفاخر):
أنا الحاكم باسم العائلة المقدسة، أنا ابن بنت رسول الله، أنا علم الهدى، من تبعني فقد اهتدى ونجا!
نحن سفينة الآل، لا أحد يعلو علينا. ولدتُ لأُحكمكم، وأنتم وُجدتم لتكونوا تبعي، لتسمعوا وتطيعوا.
Ø منى (بغضب):
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ نحن وُلدنا أحرارًا، ثوارًا مقاومين، حملة للمبادئ والقيم.
لا نؤمن بنسب، ولا بجينات مقدسة، بل نؤمن بالنظام، بالدستور، بالقانون، وبأعرافنا وهويتنا الوطنية الجامعة.
Ø إياد (صارمًا):
جمهوريتنا لا تعترف بمن يدّعي الحق الإلهي! أنت دخيل على وطن اسمه اليمن، عمر الدولة فيه أربعة آلاف عام. مشكلتكم أنكم تعتبرون الوطن إرثًا بيولوجيًا، بينما نحن نراه عقدًا وطنيًا.
Ø منى:
حن لا نُعرّف أنفسنا من شجرة نسب، بل من موقف. أن تكون يمنيًا يعني أن تنتمي إلى كل من قاوم الإمامة، لا إلى من تاجر بها. كل كيان لا يعترف بالهوية اليمنية الجامعة، هو مشروع تمزيق لا مشروع حكم.
Ø أمل (باحتقار):
شلوك الجن! غثيتنا يا ابن مدري مَن. أنت الماضي المعفّن الذي يجب أن يُدفن. أنا غاضبة من الحاضر، فكيف بماضيك الموبوء بالكتن والقملان! لن نكون عبيدًا لسلالتك، إنسي الأمر يا خُضَعي!
أنا عمري ما شفت سلالة قامت ببناء مدرسة ولا شقت طريق. لكن أنا شفت اليمنيين يدفعوا دمهم عشان مدرسة وطريق ومستوصف ونادي رياضي.
المشهد الثالث: تَنْگا بلاد النامس
جَنَّحْتُ وأجناحي حديدٌ لا ريش
فارقتُ أرضي حيث أحبُّ وأعيش
لا أين، لا أيَّ البلادِ، ما أدريش
(بداية المشهد يتم فتح مقدمة أغنية أيوب طارش جنحت)
يدخل الزعيم علوي مفتخرا بهويته غير المعروفة
Ø علوي (بصوت أجوف):
أنا الزعيم علوي! زعيم تنكا بلاد النامس! دولتنا مستقلة، تطيع الله والشيوخ، البندقية رمزنا، وإقامة الجدار واجبنا!.
Ø شرف الدين (مبتسمًا):
حياك الله، عز الطلب، جيت في وقتك! يا صاحب تنكا بلاد النامس... لازم نتحالف بدل ما يتحالفوا ضدنا.
Ø إياد (ساخراً منهما):
الدولة ليست منحة سماوية لسلالة، ولا امتيازًا لقرية. الدولة عقدٌ عام بين الشعب والحاكم، لا يَمنحه سيدٌ ولا يحتكره زعيم ميليشيا.
Ø (منى تتحرك وبيدها التابلت، تتقدم إلى منتصف المسرح، تتحدث بثقة عالية).
Ø منى (بهدوء):
لم يبدأ تاريخنا من حدود رسمها الاحتلال، ولا من سجون أقامها الإمام، تاريخ هذه الامة بدأ مع معين وسبأ وأوسان وحضرموت وحمير.
نحن أبناء المقاومة والثورة والأمة اليمنية، لا أبناء الرجعية والاستعمار. فرض علينا الاستعمار البريطاني والإمامة السلالية فصلاً عنصريًا بين يمنيين شماليين وجنوبيين، بين من يُحكم بالحديد والنار، ومن يُدار بالعُقد الدينية الكهنوتية.
لكن إرادة شعبنا لم تعترف بهذا الفصل!. لم نكن مع الإمامة، ولم نكن مع الاستعمار، كنا وسنبقى مع اليمن الكبير، لا مع ما جنته أيدي الطغاة والغزاة!
منى تلتفت نحوهما (تواجههما):
واحد باسم النسب والسلالة يريد أن يحكمنا، والآخر باسم تنكا بلاد النامس، دولة لا رأس لها ولا رجل! لا مرحبًا بكما، ولا مسهلا بالسل والجرب.
أنتم لا تمثلون إلا الموت، نحن نمثل الحياة: الجمهورية، المواطنة، الدولة.
Ø أمل:
أنا من كنت تائهةًً... والآن عرفت الحقيقة: عدو اليمن من يرفض وحدته، ويحلم بتمزيقه إلى طوائف وجمهوريات وهمية وأحقاد.
المشهد الرابع: يقظة الشتات
ما في فُؤادِي لِطُوفَانِ الحُزْنِ مِنْ مَزِيدِ
قَلْبِي بِوَادِي بَنَا وَأَبْيَنٍ وَوَادِي زَبِيدِ
هَائِمٌ وَجِسْمِي أَسِيرُ الغُرْبَةِ القَاسِيَةِ
(يرتفع صوت لحن أغنية البالة)
(العدسة تركز على إياد ومنى وأمل)
Ø منى (بحماس): نحن الأجيال المهاجرة، حان وقت رد الجميل للوطن. نحن في الخارج لا نملك سلطة، لكن نملك موقف. وموقفنا واضح: مع الدولة، ضد الميليشيا، ومع وحدة الأرض والإنسان.
Ø إياد:
نحن يمنيو الشتات، حلم الدولة لم يمت، نحن شهوده، ونحن صنّاعه.
Ø أمل:
لن نكون صدى للخراب، بل صوتًا للبناء، للحياة، للوحدة. إن الغربة الحقيقية هي أن تتكلم بلهجة اليمن… وتدافع عن مشروع غير يمني.
المشهد الخامس: السقوط والبعث
حُبِّي لَهَا، رَغْمَ الظُّرُوفِ القَاسِيَةِ، رَغْمَ المِحَنِ
حُبِّي لَهَا، أُمِّي سَقَتْنِي إِيَّاهُ فِي وَسَطِ اللَّبَنِ
(يرتفع صوت لحن أغنية حبي لها)
شرف الدين وعلوي ترتفع أصواتهما، يتشاجران حول من يسيطر أكثر على أجزاء من اليمن، علوي يقول البيضاء حقنا، وشرف الدين يقول الضالع لنا. يسقطان معًا في ظلمة المسرح.
تظهر خريطة اليمن مضيئة، يبدأ عزف النشيد الوطني "رددي أيتها الدنيا نشيدي".
Ø الراوي (بصوت جهوري):
حين تتصارع الطائفية مع الجهوية، يسقط الحمقى غير مأسوف عليهم. لكن اليمن لا يسقط، لأنه أكبر من كل مشاريعهم الصغيرة. اليمن ليست عاطفة، ولا صرخة على فيسبوك. اليمن مسؤولية من يعرف قيمتها، ويحملها في الفعل لا في الهتاف.
Ø منى وأمل وإياد (بصوت واحد):
نحن يمنيو الشتات، سنحرس الجمهورية بالوعي، ونحيي اليمن هوية وثقافة جمهورية ودولة ومواطنة، لتسقط السلالة ولتسقط تنكا بلاد النامس، وليَبقَ اليمن الكبير!.
Ø الراوي:
كل من في الشتات أمامه خياران: أن يمدّ يده لبناء الدولة… أو أن يصمت بينما تنهشها المشاريع الصغيرة.
تم