يوم مشمس في كوالالمبور 4

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
صباح ماطر يأخذ الكاتب من مرديكا إلى مقهى VCR، حيث تمتزج ذاكرة الغربة مع إيقاع المدينة ورائحة القهوة في قلب كوالالمبور.

يوم مشمس في كوالالمبور 4

اليمنيون -كوالالمبور
22 نوفمبر 2025

ذات صباح ماطر في شارع جالن غالوي Jalan Galloway بالقرب من ساحة وبرج ومحطة مرديكا في كوالالمبور، هناك حيث أعلن تنكو عبد الرحمن الاستقلال وردّد “مرديكا” سبع مرات، وحصلت يومها ماليزيا على استقلالها. حملتني أقدامي وأنا خارج من محطة المترو إلى مقهى VCR، والذي تم تصميمه في مبنى قديم يوحي بشيء من تاريخ هذه المدينة التي تقع على ملتقى نهرَي جومباك Gombak وكلنج Klang، ولذا سميت بـ “كوالا”. في المقهى تأسرُك رائحة القهوة المختصة، وطعم الكافي لاتيه بحليب “القش” (الشوفان).

داخل مقهى VCR في جالن غالوي – كوالالمبور – تصوير فيصل علي
الركن الداخلي لمقهى VCR في جالن غالوي كما بدا مساء 22 نوفمبر 2025.

مرتادو المقهى من الماليزيين ذوي الأعراق المختلفة ومن السياح يألفون المكان كأنه جزء من ذاكرتهم اليومية، وكأن المقهى نفسه يحتفظ بشيء من ذاكرة المدينة التي يعيشون فيها.

المشي في طقسٍ صباحي ماطر في هذه المدينة يشبه السير بين السحاب، حيث تختلط قطرات الرهيم (رذاذ المطر) بأشعة الشمس لتصنع لوحة فاتنة في مدينة هي الفتنة ذاتها.

كنت منذ زمن قد بدأت كتابة هذه السلسلة من نصوص يوم مشمس في كوالالمبور كعابر سبيل، لكني اليوم أكتب هذا النص كمقيم في قلبها، أراها من داخلها لا من أطرافها. ومع نسمات الصباح الأولى يخرج الناس من أزقتها معلنين بدء يوم جديد من العمل والنشاط. تتحول هذه المدينة المكتظة بالأبراج والمباني الشاهقة إلى ورشة عمل في شوارعها الخلفية التي لا يلاحظها القادمون عبر الطرق السريعة أو عبر شبكات قطاراتها المتعددة: LRT وMRT وMonorail وKTM Komuter وKLIA Ekspres وKLIA Transit.

العلو في المباني والجمال الظاهر للصورة الكلية لا يلغي بساطة هذه المدينة ولا إنسانيتها. فالمطاعم الشعبية تعزف مقاليها وطناجرها مع بزوغ خيوط الشمس لحنًا ليوم يبدأ في أزقتها. والأحياء القديمة ما تزال تصارع لأجل البقاء إلى جوار الأبراج العملاقة في صراع طبيعي بين جديد المدينة وقديمها؛ فلا الجديد اكتمل ولا القديم انتهى، ويجب ألا يفعلا، حتى تظل الحياة الاجتماعية مستمرة؛ فهي أساس المدن والعمران في كل الدنيا.

وفي وسط هذا الاتزان الهشّ يظهر جشع الشركات العملاقة التي تلتهم الأخضر واليابس لصالح أفراد على حساب المجموع. ويتحوّل المشهد إلى صراع يومي بين الـ coins (العملات المعدنية) والـ ringgit الرنجت الورقي من جهة، والـ barcode والـ cashless من جهة أخرى؛ صراع بين راتب الموظف ومكافآت المديرين الذين أحسنوا تثبيت سلطة المال على حساب سلطة المجتمع.

ماذا يعني مقهى قديم بسقفه الخشبي وأرضيته التي لا تغطيها ألواح الرخام الفاخر، وفوانيسه الكهربائية المتدلية كنجوم حكايات المساء؟ مكان كهذا يظل ثابتًا رغم تغيّر كل ما حوله، كأنه يستعيد شكل المدينة الأول قبل أن يغمرها ضجيج الحداثة. إنه مزيج رائحة القهوة ورائحة الأرض والمطر؛ مزيج ثلاثي يصعب استيعابه في عصر إنترنت الأشياء (Internet of Things)، وفي الخارج يمضي عالم منشغل بصناعة الريلز Reels التي لا تقول شيئًا ويُسمّي يومياته “محتوى”، ويحتفل بفتح علبة جديدة في مشهد أمبوكسنغ (Unboxing) لا يهتم به أحد سوى الخوارزميات.

جلسة داخل مقهى VCR بجالن غالوي في كوالالمبور – منظر من الداخل مع طاولة القهوة
زاوية من الجلوس داخل مقهى VCR في جالن غالوي – كوالالمبور، 22 نوفمبر 2025.

ليس مهمًا كتابة ما يجول في خاطري بقدر ما أحاول أن أدوّنه كملحوظات عابرة، لا تنتظر الوصول إلى أحد. فالمدن لا تُبنى في المخططات وحدها، بل في الأيام التي يعيشها الناس، وفي الذاكرة التي يتركها الزمن في المكان. ورفاهية المجتمع تبدأ حين تُترك للناس مساحات بسيطة يختارون فيها طرقهم، ويصنعون لحظاتهم المتواضعة وسط غابات الإسمنت التي تزدحم كل يوم.

ومع ذلك، لا أحد يستطيع حجب المشهد عن المارّة في أزقّة شوارعها؛ جالن بودو (Jalan Pudu) وجالن سلطان إسماعيل (Jalan Sultan Ismail)، وفي الأحياء المكتظة القريبة من مسجد جامع (Masjid Jamek). هناك تُرى المدينة بشقيها: ما يتغيّر، وما يصرّ على البقاء.

مررت هناك، في محيط مسجد جامع (Masjid Jamek)، أقدم مساجد العاصمة عند التقاء نهر كلانغ (Klang River) بنهر جومباك (Gombak River) في هذه المدينة تتجاور أماكن العبادة “مصليات المسلمين” على ثلاثة مستويات: السوراو (Surau) المنتشر على الطريق وفي الأزقة والحارات وفي محطات القطارات ومحطات الوقود وداخل الأبراج السكنية للصلاة التي تؤدى فرادى أحيانًا وجماعات أحيانًا أخرى، ثم المسجد الذي يجمع أهل الحي والمارة في الصلوات الخمس، ثم المسجد الجامع الذي تُقام فيه الجمعة والجماعة كما تقام فيه الصلوات الخمس وتلتفّ حوله ذاكرة المدينة الأولى. ومسجد جامع نفسه المشار إليه هنا قد شُيّد عام 1909 على يد المهندس البريطاني آرثر بينسون، في موقعٍ قريب من مقبرة محلية قديمة، ليصبح أول جامع كبير لكوالالمبور ورمزها الديني المبكر.

ومن محيط مسجد جامع، ذلك الجزء الذي تلتقي فيه حركة المدينة القديمة بجديدها، يمتد الطريق القصير إلى مجمّع البنوك المحيط بالمكان. وعلى الزاوية تقف Menara UAB بواجهتها الزجاجية، وفي طابقها الأرضي فرع CIMB Bank. دخلتُ القاعة وجلست أمام الموظفة؛ في أول لقاء لم تردّ السلام، قلتُ يومها لعلّها منشغلة. بعد مرور حوالي شهرين تكرر المشهد بالطريقة نفسها، والنظرة ذاتها التي تشبه نظرات الازدراء في الدراما العربية، وفهمت أن ما لم يُفهم في المرة الأولى أصبح أوضح مما ينبغي. الإشارات الصغيرة كانت كافية لتكشف أن بعض المعاملات لا تمرّ عبر النظام بل عبر مزاج المكتب؛ فهمتُ الرسالة كما يفهمها الغرباء في المدن الكبيرة، ثم مضيتُ في يومي. وكما يقول الشابي: (إنَّ سِحْرَ الحَيَاةِ خالِدٌ لا يَزُولُ)، وجمال هذه المدينة لا يمكن اختزاله في موظف أو موظفة لا يجيدان خدمة المراجعين؛ فالمدن أكبر من تفاصيل مكاتبها، وأوسع من مزاج موظف عابر.

وفي هذه المدينة التي تجمع بين القديم والجديد، تظل المقاهي الخشبية بسقوفها العتيقة ورائحتها الأولى جزءًا من روح المكان. هناك يضع الجيل الجديد من الشباب بصمته على فناجين القهوة، وفي كل مقهى تجد بصمة المقهى الخاصة بها وهي ما يسمّونه هنا بـ السجنتشر (Signature)؛ فنجان يريد أن يقول لك مَن هو المكان، وما الذي يضيفه إلى هذه المدينة التي تتقاطع فيها النكهات كما تتقاطع طرقها. ومستندًا إلى ذاكرةٍ تحمل شيئًا من عبق اليمن البعيد عن العين، الساكن في القلب؛ ذلك الأثر القديم الذي وصل هذه المدينة مع فناجينها الأولى. من مدرّجات الجبال خرج البن اليمني (Yemeni Coffee)، حيث ينضج الكرز الأحمر تحت شمسٍ حادّة وهممٍ صابرة، حاملاً معه الأرابيكا (Arabica) إلى العالم. عبرت حبات البن البحار من ميناء المخا/موكا (Mocha)، ثم تابعت طريقها إلى الموانئ البعيدة والأسواق الأولى التي تعرّف فيها العالم على قهوة جديدة بطعمٍ لا يشبه غيره. واليوم تعود الحكاية في صورة مقاهٍ مختصّة تقدّم الـ V60 المقطّرة، والإسبريسو المركّزة، والـ Cold Brew المستخلصة على البارد، وحتى الخلطات الجريئة التي تُجرَّب فيها القهوة مع الكامبوتشا (شاي مُخمَّر فوار)، أو بأسلوب الـ Espresso Tonic الذي يستخدم التونيك (مشروب غازي مُرّ)، ثم تُستبدل فيه الكامبوتشا بدلًا عن التونيك لمن يريد نكهة أكثر حموضة وجرأة. هو سعي دؤوب لابتكار نكهة جديدة دون أن يتخلى عن جذره الأول؛ نكهة تحمل المكان وتستعيد الإنسان معًا.

قنينة كولد برو من مقهى VCR في كوالالمبور – تصوير فيصل علي
قنينة كولد برو من مقهى VCR في جالن غالوي، التُقطت مساء 22 نوفمبر 2025.

ورغم هذا الشغف كله بالقهوة، يبقى ما يزعج في كثير من المقاهي المختصّة هو طاولاتها وكراسيها المصمّمة لعدم إبقاء الزبون طويلًا؛ مقاعد خفيفة لا تمنحك فرصة للجلوس كما يجب، وكأن المقهى يريدك أن ترتشف فنجانك وتمضي. ثم جاءت موجة البرانش (Brunch)، وصار المشهد أغرب؛ بعض المقاهي صارت تقدّم النودلز والباستا الثقيلة، حتى تجد نفسك أمام «أنواع المكرونة» في مكان يفترض أنه مخصص للقهوة. هو في إيه يا جماعة، جينا نتقهوّى ولا نأكل مكرونة بالبشاميل؟

ومع كل هذا التناقض بين القديم والجديد، تظلّ المدينة قادرة على صوغ إيقاعها الخاص؛ إيقاع يمرّ من تحت المظلات وفي الأزقة الضيقة، ويتردّد بين صوت المطر ووقع الأقدام. هنا تستعيد كوالالمبور صورتها الحقيقية؛ مدينةٌ تحمل جمالها في ناسها، في “أورانج أورانج” (Orang Orang ) الذين يصنعون يومها، ويعطونها معناها الأول والأخير. أمّا الأبراج التي تخترق الـ skyline (أفق المدينة)، فليست سوى طبقات في صورة كبيرة؛ طبقات تتجاور فيها الذاكرة والجغرافيا والهواء الرطب الذي يتدلّى فوق المدينة كل صباح ومساء.

في هذه الأيام المطيرة تمضي ساعات النهار بسرعة، كأنها تستدعي مغيب الشمس لتظهر لنا أن نجوم كوالالمبور تنافس نجوم الفضاء الفسيح في الليالي الصافية. وقبل الغروب وجدتني أعود إلى جالن غالوي كما بدأت الصباح، كأن الخطوة الأولى رفضت أن تكون يتيمة. مقهى VCR ما تزال أبوابه مشرعة أمام زبائنه المتنوعين، حتى السياح الأجانب باتوا يعرفون الطريق إليه. وربما عرف بعضهم بصمته المميزة التي لا يدركها طاقمه من الباريستا والعاملين فيه. أمّا توقيعه الحقيقي بالنسبة لي فلم يكن أكثر من كافي لاتيه بحليب “القش”، فنجان جرّبته بعد جولة طويلة، فكان هو أيضًا توقيعًا صغيرًا على صفحة هذا اليوم المشمس. وربما—إن وصلهم هذا الكلام—أدعوهم فقط إلى إعادة النظر في الكراسي؛ فالمكان اللطيف يستحق جلوسًا أطول من دقيقة خاطفة.

فناجين لاتيه وحلوى على طاولة في مقهى VCR – كوالالمبور – تصوير فيصل علي
جلسة قهوة في مقهى VCR مع لاتيه وحلوى، التُقطت مساء 22 نوفمبر 2025.

وقبل أن أغادر مرديكا، رفعتُ بصري نحو برجها المسمى بـ 118، ذلك الرمح الواقف في السماء، يلمع فوق المدينة كما لو أنه يعيد تذكيرها بمعنى الكلمة التي صارت جزءًا من وجدانها: “مرديكا” — الاستقلال والحرية. وفي وقفته تلك يستعيد صدى الهتاف الأول، كأن الرمح نفسه يمدّ صوته عبر الزمن ليقول إن الحرية ليست حدثًا مضى، بل وعدٌ يتجدّد كل يوم.

وهكذا انتهى اليوم: فنجانٌ يعدل المزاج، وشارعٌ يغتسل برشفات الغيوم، ومدينةٌ ترفع رمحها نحو السماء لتتأكد أن الطريق ما يزال مفتوحًا لمن يمشي فيه؛ تفاصيل صغيرة تُبقي للمدينة روحها مهما تغيّر وجهها.

كوالالمبور/
22 نوفمبر 2025

مقالات قد تهمك

فيض المنفى حين يُولد الإنسان من غيابه
سرد

فيض المنفى حين يُولد الإنسان من غيابه

يتناول النص معنى النفي والمنفى بوصفهما لحظة تحوّل لا قطيعة، مستعرضًا تجارب روحية وفكرية وتاريخية تمتد من الأنبياء إلى الفلاسفة والثوار، حيث يتحول المنفى إلى فضاء للتحرر وإعادة الخلق. قراءة فلسفية وصوفية تربط المنفى بالوعي، والاقتلاع بتجدد المعنى، والوطن بالذاكرة والهوية.

منذ 8 أشهر
يوم مشمس في كوالالمبور 3
سرد

يوم مشمس في كوالالمبور 3

حلقة سردية كثيفة من سلسلة «يوم مشمس في كوالالمبور» تستحضر تجربة الاختناق البيئي الناتج عن حرائق الغابات في ماليزيا بوصفه استعارة حية للاختناق الوجودي والمنفى اليمني. يتقاطع الدخان مع الذاكرة، والوطن مع الجسد، لتتحول كوالالمبور من مدينة استضافة إلى مرآة لخراب داخلي يتغذى على الغربة، الحرب، وانكسار الحلم، مع إصرار عنيد على البقاء والتجدد.

منذ 6 سنوات