تليم الحب
تليم الحب هي قصيدة مغناة من كلمات الشاعر “سلطان الصريمي” ومن ألحان وغناء الفنان الكبير أيوب طارش عبسي، هذه القصيدة تستحق أن يطلق عليها السهل الممتنع .. تمتزج في هذه القصيدة اللغة العربية الفصحى مع اللهجة العامية لمناطق التربة في تعز فتنفث في قلب المحب عقدا من السحر اليماني الفريد.
يؤكد الشاعر على بساطة الكلمات فيستهل القصيدة بكلمة “تليم” والتليم هي الأخاديد التي تصنعها المحاريث أثناء بذر الحب بفتح الحاء، ارتباط التليم بالحَب هو ارتباط بمصدر الحياة المادي وربط الشاعر التليم بالحُب هو ربط بمصدر الحياة الروحي فلا حياة بدون حَب و حُب.
يقول الشاعر :
تليم الحب في قلبي تذكرني بأيام الهثيم
تذكرني دوادح حبنا الغالي ودخداخ النسيم
يتحدث هنا عن لقاءات أيام الهثيم التي يجتمع فيها نقاء الجو وروعته وجمال المحبوب ورقته، تطلق العرب على أيام الهثيم أيام الدجن وقد جعل الشاعر طرفة بن العبد الخلوة بالمحبوب في يوم الدجن واحدة من ثلاث لولاهن ما كان للحياة طعم ولا لون ولا ريح
يقول طرفة
فلولا ثلاث هن من لذة الفتى *** وجدك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبق العاذلات بشربة *** كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف محنبا *** كسيد الغضا في الطخية المتورد
(وتقصير يوم الدجن والدجن معجب *** ببهكنة تحت الخباء المعمد).
ينطلق الصريمي ليتحفنا بمفردات عامية رشيقة فيقول
حُبيِّبي نفسي عليك ترجف
خايف على أحلامنا لا تكسف
والعين من غالي الدموع تذرف
تشتي تسقي وردنا وتقطف
والقلب يذكر نظرتك ويحلف
أنه لحسنك يا حبيب شعزف
هنا يستخدم الشاعر التصغير مع لفظة (حبيبي) فيضم الحاء ويكسر الياء بشدة والتصغير يفيد التلطف والقرب والكسر يفيد انكسار المحبوب والشدة بفتح الشين تفيد شدة ( بكسر الشين) مايلاقيه من ألم كما أن حذف ياء النداء يدلل كذلك على القرب
يقول نفسي عليك ترجف … الله لقد أسكرتني هذه الاستعارة حتى صحت ما هذا؟! تخيل النفس هي التي ترتجف خوفا من أن تموت وتنتهي أحلام اللقاء أحلام اللقاء هي من يجعل العاشق يحيا ولولاها لمات كمدا..
قال الهادي آدم
“أنا أحيا بغدي الآن بأحلام اللقاء
فأت أو لا تأتِ أو فافعل بقلبي ما تشاء”
يصاحب هذه الرجفة وذلك الخوف بكاء غزير الغرض منه الحفاظ على الود وإنبات ورد الأمل وهذه من أجمل الصور التي تجعل من الدمع حلما لا ألما حب الشاعر ليس حبا صوريا لكنه حب يجري في الدماء يتعاضد فيه كل من نفس الشاعر وقلبه وعينه عليه فيردونه صريعا
فالنفس ترجف والعين تدمع والقلب يعزف سيمفونية الحب.
***
يقول الصريمي :تحاببنا وأهدينا إلى الأرواح زهرات الكعوب غرسناهن وقطفنا من الأفراح ذكرى لا تذوب، عصرناهن وأروينا ظما الأقداح ساعات الغروب، تشرحنا ودقينا مع الشراح أجراس القلوب
كلمة”تحاببنا” هذه معلقة لوحدها .. قد يعتقد الكثيرون أن هذه الكلمة مشتقة من كلمة الحب لكنها ليست كذلك فلفظة (يتحاببوا) تعني بالعامية التعزية قبل بعضنا بعضا فالتعزي القروي يطلق على القبلة (حُبَّة) إنظر إلى الصريمي وهو يقشر الألفاظ التعزية ليخرج لنا لبها ..
تحاببنا وأهدينا إلى الأرواح زهرات الكعوب
ما هذا .. أي صورة هذه التي يرسمها الصريمي .. التصاق المحب بمحبوبه هذا الإلتصاق المصحوب بالقبل العنيفة .. ترى هل اكتفى بالضم والتقبيل؟! معاذ الله أن يكتفي بهذا عاشق بل تمادى حتى امتدت يداه إلى نهديها…
هاهو يسدر في غيه الجميل فيصف النهدين برقة شاعرية لا يطاولها نزار .
عادة ما يتحدث نزار عن النهدين بوحشية بينما يتناول الصريمي النهدين من زاوية أخرى تستحق أن يطلق عليها صورة تجديدية … استمع لنزار وهو يقول
فصلت من جلد النساء عباءة …. وبنيت أهراما من الحلمات
لم تبق زاوية بجسم مليحة …. إلا غرست بأرضها راياتي
لم يبق نهد أبيض أو أسود …. إلا وداست فوقه عرباتي
…. يقرن نزار بين الغراس والدوس وهو اقتران يفيد وحشية وهمجية بينما أنظر إلى الصريمي وهو يقرن الغراس بالعصر
فهو مع الغراس يقطف الأفراح ومع العصر يروي عطشه
تشرحنا … الشرح نوع من أنواع الرقصات التعزية … يتنافس فيه الجميع صغيرهم وكبيرهم وأميرهم وغفيرهم دون استثناء… رقصة تشعرك ببهجة منقطعة النظير …
كأن الشاعر يريد أن يقول أن الوصل يتعدى المكوث على السرير إلى اغتنام لحظات الفرح في كل شيء يحيط بك … رقصة هنا وبسمة هناك … غزل هنا ومسارقة هناك …
يلعب الشرح مع محبوبه لكنه وحين يدق الشراح دفوفهم تراه ومحبوبه يدقان أجراس قلبين غمرهما الحب
تهنيتك وغنيتك غنا أنا المحروم من خمر الوجن، ومن بعد التلاقي والهنا رماني الحب في بحر المحن
تهدا بي لأمواج الضنا أخذ قلبي وسيبلي الشجن، يقهدني ويسقيني المنى عطش يجري بروحي والبدن
أنا المحروم من خمر الوجن
إذا كانت الوجنتان تنشجان خمرا فما عساه أن يكون ما يجود به الفم
عادة عندما أستمع إلى هذه الأغنية أحرص دائما أن أكون بعيدا عن الجدار لأنني وبلا شعور “أقوم اردع الجدار”
تهدا بي لأمواج الضنا أخذ قلبي وسيبلي الشجن صورة جديدة لم يسبق الصريمي إليها أحد لم يكتف الحب برميه بل قدمه هدية لأمواج الضنا بعد أن أخذ قلبه لكنه ترك ما بقلبه من شجن وحزن له حتى يزيد كمدا وحسرة . يسهره الحب يسقيه منى تزيده عطشا وألما.
حبيبي قلبي يحن حنينه
فرش دموعه وارتدف شجونه
غصنه ضمر وجرحين عيونه
ومن عذابه شيبين سنينه
والنوم من بعدك هجر جفونه
من أمنك يا حب كيف تخونه
حقيقة الحديث عن كل بيت يحتاج شرح لوحده لكني هنا أحاول أن أجلو بعض المعاني لألفت اهتمام شبابنا إلى تراثهم الجميل الذي يستحق أن يطلق عليه جوهرة بيد فحام
إنظر إلى قوله “فرش دموعه وارتدف شجونه”
عادة ما يقترن الفرش باللحاف فيقال افترش الأرض والتحف السماء لكن الصريمي استعاض لفظة “التحف” بلفظة “ارتدف” والارتداف باللهجة التعزية تعني احتضان النائم لشيء ما مع وضع إحدى رجليه عليه .. فالعاشق يحتاج فرشا وحضنا ولا يحتاج لحافا أبدا.