يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

قراءة تحليلية في شعر البردوني، بمناسبة الاحتفائية الفضية لذكرى رحيله

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
اعتمد الشاعر البردوني في قصيدته ابن من شاب قرناها على التخاطب الثنائي حينا، والجماعي حينا آخر، فتجده يخاطب مخاطبا افتراضيا متخيلا قصد إيصال الدلالات الحوارية إلى جمهور المخاطبين، وحينا يتخاطب...

اعتمد الشاعر البردوني في قصيدته ابن من شاب قرناها على التخاطب الثنائي حينا، والجماعي حينا آخر، فتجده يخاطب مخاطبا افتراضيا متخيلا قصد إيصال الدلالات الحوارية إلى جمهور المخاطبين، وحينا يتخاطب مع جماعة أفراد لإضفاء حركة الحياة اليومية والزمنية إلى واقعية القصيدة لتجسيدها بتخاطب رموز مألوفة لتصبح أكثر قربا من مشاعر جمهور المتلقين فتأنس لها أفئدتهم.

كما تتركز أهمية اعتماده على التخاطب في الدور التفاعلي بين اثنين، أو أكثر، إذ ورد عند الأزدي في جمهرة اللغة بقوله: تناصى: أَي ‌تفَاعل مَنْ ناصَيتَهُ، أَي جاذبتَ ناصيتَهُ؛ وَيُقَال: تناصى الرّجلَانِ إِذا أَخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بناصية صَاحبه.(الأزدي، محمد. جمهرة اللغة، ج:1، ص:57). ووردت عند الحميري في شمس العلوم بقوله: وتُزاد التاء في «‌تَفَاعَلَ» نحو: تفاقم الأمر، وفي: «تَفَوْعَلَ» نحو: تَكَوْثر، أي كَثُر، قال الشّاعر:

............... ... وقَد ثَارَ نَقْعُ الحَرْبِ حَتَّى تَكَوْثَرَا

وعند د. أحمد مختار عمر: التفاعُليّ: اسم منسوب إلى ‌تفاعُل: مُتفاعِل، أي ما يُحدِثُ تأثيرًا متبادِلاً من "قُوَّة تفاعُليَّة".( عمر، أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، ج:3، ص:1725).

أما تعريف التفاعل في العلم الحديث: فهو إعادة بناء التوزيعات التي يقوم عليها إنجاز التفاعلات الخاصة ومن ورائها استخراج القواعد العامة للتناغم التحادثي.

وفي سياق الحديث عن التفاعل نجد روبير فيون عرّفه بقوله: كلُّ فعلٍ ثُنائيٍ نِزاعيٍ، أو تعاوني، بحضور فاعلينِ، أو أكثر، وهو يغطي التبادلات التخاطبية، والمعاملات المالية، والعلاقات الغرامية، ومبارات الملاكمة، فنلحظ بواسطة التعريف أنه كل سلوك إنساني مهما كانت طبيعته، ينشأ عن التفاعل.

 فالتفاعل إذن هو مظهر الوجود الإنساني في مجتمعه.

كما أن هذا التفاعل أو التخاطب له ثلاثة مقاصد هي: مقصد التبليغ، أي التفاعل بين ذوات المتكلمين ليس إلا، ومقصد التدليل، أي الاستدلال على دعوى ينتهض بها العارض للدفاع عنها، ومقصد التوجيه، أي توجيه المخاطب لقيم أخلاقية تدفعه للعمل بمقتضاها.

وبناء على هذه المقاصد الثلاثة نجد أن منها ما هو كلامي ابتدائي تبليغي، ومنها ما هو حجاجي استدلالي، ومنها ما هو سلوكي يقتضي التأثير في الآخر لتدفعه للعمل بمقتضاه.

وبناء على ذِكرِ مقاصد التخاطب نجد أن الشاعر البردوني قد سار وفق هذا النهج التراتبي مبتغيًا تحقيقها في خطاب قصيدته ابن من شاب قرناها، فنلحظ في مطلع القصيدة أنه اعتمد على التخاطب الثنائي الذي يرمي إلى التفاعل بين ذوات المتخاطبين بقوله:

مَنْ دَعَتني؟ تَخشَينَ ماذا؟ سآتي***لَحظَةً، رَيثَما أَلُمُّ شَتاتي

وأَوازي بَيني وبَيني، وسَيْري*** بَينَ جَدوى تَوَجُّهي والتِفاتي

وأَعيدُ الذي تَرَكتُ وَرائي*** مِنْ ضُلوعي، ومِنْ صِبا أُغنياتي

استهل المطلع بسؤال: مَنْ دَعَتني؟ في إشارة استنكارية عن هُويّة الداعي له؟ فأنزل نفسه منزلة المنكِر لها، وكأنّه لم يتبين مَنْ تكون؟ وقد أتى هذا التخاطب على نسق الثقافة السائدة المشتركة في إلقاء الخطاب المجتمعي الذي يعيشه، إذ على المخاطَب المنادَى أن يتبين مَنْ المنادِي له أولا، كي يجيبه، وهو بهذا الفعل قد مارس مقصد التبليغ بين ذوات المتكلمين، إذ أوصل النداء إلى سمع المخاطب، وطلب معرفة هُويتِهِ، وسببَ الاستغاثةِ بهِ، كفعل أي فرد في المجتمع المعاش.

فلمّا سألها مَنْ تكون؟ وهي تجيبه بماهيتها، وهُويتها ضِمنيا، وماذا تريد، كرّر لها سؤالا آخر: تَخشينَ ماذا؟ سؤالا يحتاج إلى دليلٍ لاستبيانِ سببَ النداءِ، على افتراض أنها تدعوه للاستغاثة به، والنجدة مما هي فيه من كَربٍ ومِحنةٍ، وهذا يحقق مقصد التخاطب الاستدلالي، على افتراض ذكرها للسبب الذي جعلها تستغيث به، واقتناع المخاطَب به أجابها: إنه سيأتي بعد لحظة، بعد أن يلمَّ شتاتَهُ. هنا بدأ يُفهِمُ المخاطبين أن الداعي الوطن، بقرينة الإجابة عن أنه سيأتي ريثما يلم شتات أمره؛ فالفردُ الواحد لا يحتاج إلى لَمِّ الشتات، وإنما الجماعة من الناس هي من تحتاج ذلك، وفي هذا كناية عن تفرق أبناء الوطن الواحد وعدم اجتماعهم على رأي أو مصلحة عامة تهم الوطن، بل جعلهم متفرقين تفرُّق أيادي سبأ، فيحتاجون إلى فترة للملمة شتاتهم.

ثم أردف هذا السؤال بجملة اعتراضية مكونة من بيتين شعريين، أوضح فيهما أن أوزاره بينه وبين نفسه، وليس لأحد حقُّ التدخُّلِ في ذلك، وأن مصير سيرهِ بينَ فائدةِ توجهِهِ والتفاتِهِ، وهي إشارة إلى ما يجب أن يكون عليه السلوك ومسير الحياة، التي يجب أن يعتقدها الإنسان، ويقتدي بها الآخرون، أو على أقل تقدير كما يتصورها الشاعر، ويطمح أن تكون سلوكَ حياةٍ للناس، وهذا يحقق مقصد توجيه المخاطب إلى قيم أخلاقية تدفعه إلى أن يعمل بمقتضاها.

ثم عاد الشاعر إلى التخاطب مع المنادي الأول، ولكنه ذكر في هذا السياق إجابتها عليه بعد أن طلب منها الانتظار لحظةً ريثما يلم شتات أمره، فكان ردها عليه: لست أنت الذي أجبت هِتافي، ثم كرر النفي بليس مع الحصر والقصر بأن المجيب ليس هو الشاعر، وهذا من فعل تخاطب ذوات المتكلمين، كأن يكلم أحدنا نفسه، وأخذ يعلل كيفية مجيء الإجابات وليس لديه أو معه أحد إلا الأسى، أسى زوايا البيت الذي يسكنه، ثم برر ذلك بمبررينِ: الأول ربما كان ذلك نصف صوتها الجريج، والثاني نصفه الغارق في السُّباتِ العميقِ، وهي إشارة إلى عُمق الجهل الذي يسيطر على أغلبية أبناء اليمن، ونصفهم الثاني الذين يغطون في سُبات نومهم العميق.

 ثم وضع مبررا ثالثا إن لم يكن ذاك ولا هذا، فلعلّها ساعةَ الجدارِ تشهّت فَدَعَتْكَ، وهي إشارة إلى عامل الزمن، أي إن لم يَصْحُ أبناء اليمن ويعملون على تغيير وضعَهُم المزري فإن عامل الزمن سينذرهم ويدعوهم إلى الصعود، وتجشم عناء ذلك كله، ولكن هذه المرة يدعوهم إلى الصعود على تَكْتَكَاتِ عقارب الوقت، لكي يحملَهم ويمضوا نحو مستقبل أفضل، والزمن كفيل بأن يدفع الناس إلى إحداث التغيير، ويتجسد كل ذلك في قوله:

لَستَ أَنتَ الذي أَجَبتَ هِتافي،*** لَيسَ عِندي إِلَّا أَسى زاوياتي

رُبَّما كانَ نِصفُ صَوتي جَريحًا***نِصفُهُ كانَ غارِقًا في سُباتي

عَلَّها ساعَةَ الجِدارِ تَشَهَّتْ*** فَدَعَتكِ، اصعَدي عَلى تَكْتَكَاتي

****

وفي هذه القصيدة الطويلة تعرّض لقضية مهمة من قضايا العصر، وهي قضية مديح أهل المعالي، والمديح عادةُ الشعراءِ لكسب العطايا، ولكن الشاعر البردوني لم يكن منهم، فذكر هذه القضية في سياق زيارته من أهل المعالي في بيته، وفي أثناء الزيارة ذكر أن صاحب المعالي لوى جيده فشام كتابا مُطمئنا، عنوانه فلسفاتي، فقال على لسان ذلك الرجل: أضحى ذاك الفتى أي البردوني فيلسوفا، وفي هذه اللحظة كان الشاعر يتحدث إلى نفسه(كان تِربي يُصغي إلى دَنْدَناتي)، أي أنه ليس مُهتما به، ولا بما يقول، أو بما يتحدث عنه، كما لو أن الأمر لا يهمه، وهذا يوضح عدم تعلق الشاعر بالمسؤولين أو الاكتراث لأمرهم من أية جانب، لا سيما التعلق بهم لأسباب مالية، أو أمل في أعطيات مدائحية، كما أنه جعل علاقته بهم علاقة انفصال باللام، لا انفصام بالميم كما يرونه بعيدا عنهم بُعدَ مدى نظر العين في مدى الذكريات، وفي هذه الصورة نجده قد أعمل الخيال الواسع ليطلق العنان للمخاطب في التفكير البعيد بُعدَ نظر العين، في شريط ذكريات واسع عميق بقوله:

ولَوَى جِيدَهُ فَشامَ كِتابًا***مُطمَئِنًّا عُنوانُهُ فَلسَفاتي

قالَ: أَضحَى ذاكَ الفَتى فَيلَسوفًا***كانَ تِربي يُصغي إِلى دَندَناتي

ويَراني بَعدَ انفِصالي بَعيدًا***عَن مَدى العَينِ في مَدى الذِّكرياتِ

****

ثم عرّج الشاعر لتوضيح وجهة نظره مع أهل المعالي، فأخذ يصف ذلك بأنه لم يقم فروقا بين أعدائه والماقتين له، وهذا كله يرجع إلى عدم اهتمامه بالتفاهات، كسلوك نمطي في حياته يتوجه به لمن يريد أن يتأسى به في الحياة المجتمعية على الدوام، وإنما أسلوبه وطريقة حياته: ألَّا يعادي، عِداء ظاهرا، ولا باطنا من أجل العِداء المرضي لذاته.

 أما إذا كان هناك من عدو له، وللبشرية جمعاء، فإنما هم أهل المعالي شُراة المدايح النافخات؛ لأنهم يفعلون ذلك بغير وجه حق لا عُرفي ولا شَرعي ولا قانوني، وقد جسّد ذلك بقوله:

قُلتُ: يا زَينُ ما أَقَمتُ فُروقًا***بَينَ أَعدَى العِدا وأَهَلِ المَقاتِ

لا تُعادي، فَلسِفْ ضَميرَ المَعادي***لا بِقَلبي، ولا بِحِبري عِداتي

قُلتُ: أَعدَى عِداةِ: أَهلُ المَعالي***مِن شُراةِ المَدايحِ النّافِخاتِ

****

ثم أخذ في تصوير ما يقول عنه أهل البِلاط، إذ أورد تخاطبًا جماعيا على لسان جماعة منهم استهله بسؤال أيضا كما فعل في مطلع القصيدة، يقول: لماذا لا يُحنّي القصيدَ من مَكرُماتي؟ وترك الإجابة عنه مفتوحة لخيال المخاطبين أن يُعمِلَوا فيه أذهانهم، ويتوقعوا ما يمكن أن يتوقعوه، ثم أورد سؤالا آخر على لسان أغباهم: بعد انتظارهم المديح، وخيبة أمل توقعهم؛ مفاده: بما أنه رد أطماعهم مِن سَنى ضَوئه فلِمَ لا يردُّ عليهم هِباتَهم؟ فجاءهم جوابُ الشاعر الشافي بقوله: ردُّ الهِباتِ لُؤمٌ. ولكن أخزى منه الأملُ في جدوى الأنامل الذابحات، وهو مجاز، إذ أطلق الجزء، وأراد الكل، والمراد به شخصياتهم الحقيقية، كما أن الأنامل الذابحات كناية عن فجورهم وطغيانهم في كل الأمور، ولن يؤمّل فيهم أحد خيرا، ما داموا على هذه الصفات الذابحات.

ثم أخذ يعلل لماذا هذا التصرُّفُ منه تجاه أهل البِلاط، فذكر تعليله بسؤال استنكاري موجّه للمخاطب بقوله: مَنْ رآني قبّلتُ كفًّا خضيبا من دم الشعب أكرم الأضحيات؟ أي: هل فيكم مَنْ رآه أو وَجَدَهُ في يوم ما يستجدي شخصا نفعا؟ فإذا كانت الإجابة بالطبع: لا، فمن باب أولى أنه لن يعطي الدنية في عَيشهِ الكريم مهما حصل، وهذا من باب تقديم سلوك نمطي في حياته ليقتدي به من تأثر بذلك، حد قوله:

قالَ ذاكَ الزَّعيمُ عَنكَ: لِماذا؟***لا يُحَنّي القَصيدَ مِن مَكرُماتي

قالَ أَغبى: إِنْ رَدُّ أَطماعَ نَفسي***مِن سَناهُ لِمَ لا يَرُدُّ هِباتي

قُلتُ: رَدُّ الهِباتِ لُؤمٌ، وأَخزَى***مِنهُ جَدوى الأَنامِلِ الذّابِحاتِ

مَنْ رَآني قَبَّلتُ كَفًّا خَضِيبًا***مِن دَمِ الشَّعبِ أَكرَمِ الأُضحياتِ

غابَ عَنّا في كَهفِ ماضِيهِ حِينًا***وطَفا مِن ضُلوعِهِ الحاقِداتِ

كانَ عَبدَ الرَّحيمِ يُملي كِتابًا***جَيِّدًا مِن أَحاسِنِ التَّرجَماتِ

كانَ يَحسو الحُروفَ كَأسًا فَكَأسًا***هازِجًا كالحَمائِمِ السَّاجِعاتِ

*****

وفي هذه المقطوعة قبل الأخيرة ربط الشاعر بين التساؤل الأول في مطلع القصيدة، وبين آخرها بتساؤلٍ آخر جعله جوابا عن (مدة اللحظة) التي أطلقها في البداية فقال: مَنْ دَعَتني؟ باللفظة نفسها، إذ فضّل الشاعر أن يعيد ويكرر اللفظة نفسها ليلفت النظر، ويقرع أسماع المخاطبين إلى موطن الربط بالضبط، فالوقع الصوتي سوف يقرع الأسماع ويذكرها بما سَمِعَتْ في البداية.

 

 ثم أفصح عن هُوية الداعي بأنها مُضيفةٌ، وما سببُ الشكوى والاستغاثة منها إليه فقال: هربت حيّةُ بساتين قاتي، ومغاريس نرجسها وكرومها.

ثم أخذ في إيضاح (مدة تلك اللحظة) التي طلب منها الانتظار له فيها، بأن أجابت عليها، هل ستأتي غدا؟ أي: هل نُمهِلُك إلى غدٍ؟ فقال: بل الآنَ فورا، ريثما أمتطي لهفتي، ثم نتوجه إليه خذيني وهاتي.

إلى أين سيتجهان فقال: للحِمى نلتقي، والحامي معروف عنه أنه من يحمي الديارَ والوطنَ، والمدافع عنهما. ولكنهما بعد الوصول إليه: شَواهم قوله: جِئتُما أوان فواتي، أي: أن مجيئَكُما في وقت الفوات، ولم يكن موفقًّا. ولكنه أخذ يتأسّى لذلك وللوطن بأنه سوف يشدو له، وعنه، فيرقى، أي: سيشفى ويبرأ من سُقمه، ونحمله فوق أصدائنا كطُهرِ الصلاة، وهو تمجيد وتقديس للوطن كما لو أنه شعيرةٌ يمارسها أبناؤه فيلهجون بذكرِهِ في صلاتهم وتسابيحِهِم اليومية، وقد فصّل ذلك في قوله:

مَنْ دَعَتني؟ مُضيفَةٌ، ما جَرى لي***هَرَبَت حَيَّةُ بَساتينَ قاتي

ومَغاريس نَرجَسي وكُرومي***يا لُصوصَ المَلا، خذوا كارثاتي

وانهَبوا مِن مَرارتي أَلفَ رَطلٍ***حِملَ (باصَينِ) مِن أَفاعي دُهاتي

هَل سَتَأتي غَدًا؟ بَلِ الآنَ فَورًا***أَمتَطي لَهفَتي، خُذيني وَهاتي

لِلحِمى نَلتَقي وفيهِ شَوانا***قَولُهُ: جِئتُما أَوانَ فَواتي

سَوفَ نَشدو لَه، وعَنهُ فَيَرقى***فَوقَ أَصدَائِنا كَطُهرِ الصَّلاةِ

****

ثم أخذ يصوّر الوطن كعصفور على مِنكبَي كلا المتخاطبينِ، اللذين دار بينهما هذا الخطاب والحديث الشائق، ولكن حالة الوطن كعصفور مبتل في ليالٍ شواتي، فكيف سيكون حاله؟! ولم يُنهِ الخطابَ بعدُ، ولكنه أنسن العصور والأزمنة التي سوف تأتي بعد ذلك وجعلها تسأل عنهما، مَنْ هُما؟ فأجاب تلك العصور قبل فواته بجميع اللغات: بأنهما: بعضُ أهله، وأزكى نباته، أي: أن كل من يفكر في إصلاح هذا الوطن هو من هذا البعض، ومِن أزكى نباتٍ فيه، فلم يحصر الإصلاح على نفسه، ولم يستأثر به كما يفعلُ غيرُهُ، وذلك في قوله:

وعَلى مِنكِبَي كِلانا بِلادٌ***كالعَصافيرِ في اللَّيالي الشَّواتي

سَوفَ تَستَفسِرُ الأَواقيتُ عَنّا*** مَنْ هُمْا؟ يا شُروقُ يا أُمسياتي

بِجَميعِ اللُّغاتِ قُولي، وقُولي:***بَعضُ أَهلي هُما، وأَزكى نَباتي

مَنْ رَمى بي لَوحَينِ مِن عَظمِ أَهلي***كُنتُ بَيتَيهُما فَصارا مَباتي؟

يا سَوافي ماذا تُسَمِّينَ هَذا؟***مَوكبي أَو صَحيفَةٌ مِن رفاتي

إِنْ يَكُن هانَ في السَّعيدَةِ بَيتي***فَالمَجَرّاتُ يا دُجى أَبياتِ

ثم أورد بيتا في نهاية القصيدة كأنه بمثابة الإجابة عن كل تساؤل يُطلق، أو يُقالُ من قائلٍ ما: كيف يتنكر هذا الوطن لمن هم على شاكلة هذا الرجل الذي سعى دائما لإصلاحه وتنميته، ليراه في مصافي الأمم، فقال لهم، ولكل من سيسأل إلى الأبد:

إِنْ يَكُن هانَ في السَّعيدَةِ بَيتي***فَالمَجَرّاتُ يا دُجى أَبياتِ

مقالات قد تهمك