نشأت الحركة الطلابية اليمنية في القرن الماضي في ظل وجود مخاطر حقيقة محدقة بأرض وشعب اليمن، جنوب محتل، وشمال تحكمه الرجعية المتخلفة المتخندقة تحت لواء خرافات السلالة والولاية والوصاية والمتسترة بالدين وبالنبي الكريم لتمرر مشروعها وشبقها السلطوي على عموم الناس، الاستعمار دوماً كان يريد خلق ثقافة تخصه ترسخ قيمه، والإمامة لها قيمها الخاصة التي تُعلي من شأن الحكم الكهنوتي وقداسة المجرمين باسم النبي والدين.
هذه المخاطر تصبح أشد كلما أضيف إليها عملية التجهيل المتعمد للشعب في الشمال والجنوب، فالتعليم كان محصوراً في الجنوب لخدم الاستعمار، والتعليم في الشمال لأفراد السلالة والنخبة المقربة من الكهنوت الامامي من الفقهاء والقضاة، "وإذا أشتط سلالي رقعوه بفقيه أو قاضي" لكن كل هذا لم يمنع من البدء في الحركة الطلابية بإنشاء الإمام البيحاني رحمة الله نادي الإصلاح العربي الإسلامي في عدن عام 1929.
رواد هذا النادي وهم طلاب تلك المرحلة أسسوا الجمعية اليمنية الكبرى عام 1946 لمناهضة الرجعية، الزبيري والنعمان وغيرهم، إلى أن قاموا بثورة 17 فبراير 1948 وهي المرحلة الأولى من مراحل الثورة اليمنية والتي أسست لروح الثورة الممتدة إلى 11 فبراير 2011.
الإتحاد الطلابي حركة ثورية، حركة وعي، حركة ممتدة ولن تنتهي ما دامت الرغبة في التعلم والتعليم وإصلاح الأوضاع مستمرة، وإذا صلحت الأوضاع لابد أن يطور الإتحاد برامجه للوصول إلى تحسين الأداء العام للأنظمة التعليمية والاجتماعية والسياسية، وكلما ذهب جيل اتحاد جاء جيل أخر ليكمل رسالته، الإتحاد قوة مجتمعية لا يُستهان بها، ومن فشل في انتخابات الإتحاد يعود للأسلوب القديم ليبلبل "اقصونا دهفونا"، وهي حجج بالية، فمن أراد أن يقود فعليه بالاتحاد فهو مدرسة القيادة الأولى.
ومن اتحادات الطلاب المفعمة بالحياة يخرج الإعلامي المنشود لهذه الأمة، فاليوم هناك تسطيح كبير لمفهوم الإعلام في هذا العصر، بسبب تسارع ثورة الاتصالات و المعلومات، نحن الان على مشارف الجيل الخامس من الشبكات، والتي ستُمكن الناس من التواصل بشكل أفضل من ذي قبل، قريباً ستصل هواتف G5 لتنقل البشر إلى عالم أسرع و تقنية أدق و أرخص، فكل من لديه موبايل ذكي و أنترنت و حسابات في وسائل التواصل الاجتماعي و لديه القدرة على إيصال رسالة سواء مكتوبة أو مسموعة أو مرئية صار يرى أنه إعلامي، و حقيقة يسمى هذا التحول بعصر المواطن الصحفي، لكن و هذا هو المهم من استطاع امتلاك الأدوات و لم يحمل مشروعاً أو رسالة أو هدف مرحلي على الأقل فهو يهذي و يفرغ الكبت الذي يشعر به في أعماقه، فالإعلام ليس كثرة النشر، و لا كثرة الروابط ، بل هو ما تحمله الرسائل من مفاهيم و قيم قوية و واضحة .
نظرية المسؤولية الاجتماعية في الإعلام من أهم النظريات التي يمكن أن تسهم في رفع نسبة الوعي، وقد جاءت بعد نظريات السلطة والحرية والشمولية والرأسمالية، وهي ترى أن الإعلام مسؤولية، وليس حرية منفلتة، وخروج عن القيم المجتمعية، وتحدثت النظرية عن موضوعية الإعلام وحياديته، هذه النظرية تُسهم في رفع الوعي وتسهم في توسيع دائرة الوعي المجتمعي بكل أشكاله.
وعموماً النظرية الإعلامية هي فسلفة مبسطة تحكي دور الإعلام وأهميته، لكن فلسفة الإعلام الحقيقية أعم، وأشمل، وأقدر على التعامل مع الوقائع بعيداً عن التعقيدات النظرية.
ما يجري اليوم هو مجرد نشر، ومنه ما هو مفيد، ومنه النشر المنفلت؛ أفلام اللعن والشتم والقذف والتشهير، واستخدام المعرفات الوهمية، وبكل الأحوال هذه الظواهر "الجديدة القديمة" لن تدوم، ما سيبقى هو الفكرة والرسالة والهدف، وأما الضجيج فسيذهب مع ترك أثاره السيئة في المجتمع.
الإعلامي الحقيقي هو من يحمل رسالة، و قبل الرسالة يحمل أخلاقيات المهنة، و لديه شهادة أكاديمية، و شهادات احترافية تطور أدائه، الإعلام علم من العلوم، يتحول إلى فن و أسلوب مميز مع الممارسة و الحصول على الشهادات الاحترافية التي تُمكن الإعلامي من مواكبة العصر، فالأساليب تتقادم والأجيال تتطور والحضارة متواصلة، ولابد من التحديث المستمر للريادة في استخدام تقنيات الإعلام و توظيفها، فمن فاتته دراسة الإعلام فعليه بالكورسات الإعلامية النوعية والاحترافية التي تتكي على جهده الذاتي في معرفة الأساسيات، إما عن طريق الدروات القصيرة، أو القراءة و البحث والسؤال والتعلم وكل شيء صار متاح.
ما يصنعه الاعلام اليمني في الخارج ينعكس على الداخل، أي نشاط هنا بالخارج ينعكس على الناس هناك بالداخل، وما يحدث في الداخل ينعكس للأسف هنا في الخارج، هناك مثلاً صراعات حزبية بالداخل تنتقل إلى الخارج، رغم أنه لا الظروف الموضوعية في الخارج تسمح بانقسامات، ولا الوضع النفسي للأفراد يسمح باستيراد مشكلات الداخل، من جهة أخرى الصورة التي يرسمها إعلام الخارج يجب أن تكون ملهمة لمن هم في الداخل. كنقل التجارب الدولية الناجحة بغرض التحفيز والتثقيف لأجل النهوض اليمني، هذا نظرياً، لكن الوقع مختلف إلى حد ما، فكيف نوظف الإعلام في الخارج بما يخدم الداخل، أو كما يقترح العنوان التعريف بالقضية اليمنية؟
ولهذا لابد أن نسأل ماهي القضية اليمنية؟ القضية اليمنية اليوم هي كل هذا الضياع والتشرد والحرب التي تسبب بها انقلاب الشر والفوضى والتدخلات الدولية، هي بحث شعبنا عن استقرار، ولا استقرار بلا دولة، ولا دولة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا فكرة، ولا فكرة بلا فلسفة يمنية جامعة تلم كل هذا الشتات والعبث وتُخرج من كل هذا الركام والتخلف أمة يمنية جديدة قادرة على بناء دولتها الحرة والمستقلة مكتملة السيادة.
قضيتنا أننا نريد استعادة وبناء دولتنا، دولة الأمة، دولة الشعب، وليست دولة العنصرية، والطائفية والسلالية، والمناطقية، وكل المشاريع العرقية والجهوية الصغيرة، قضيتنا اليوم بحاجة إلى التفكير بكيفية الخروج من هذا المأزق اليمني الذي وصلنا إليه.
عند الحديث عن قضية يمنية نتذكر أن الأمر مرتبط بالدولة والمواطنة والهوية والأمة اليمنية الواحدة، إن محاولة القفز على ثوابت الأمة اليمنية ما هو إلا تمزيق يُضعفنا، ويضعف قضيتنا، إذا أردنا شرح القضية للعالم علينا حمل الرؤية الوطنية الواحدة.
نريد دولة للناس جميعاً بلا إقصاء، وبلا تجريف للهوية، وبلا تجريف للمجتمع وتكويناته وتنوعه. علينا التأكيد على أن كل الناس يمنيون لا فرق بينهم، ولا تمايز، ولا عصبويات، ولا طوائف، ولا عرقيات. والتأكيد على أننا نريد دولة المواطنة المتساوية، لا دولة العصابات المتناحرة باسم الشمال، والجنوب، والشوافع، والزيود، وكل مسميات التخلف.
في رؤيتنا الوطنية علينا التحدث بدون عنصرية، وبدون عرقية وبدون طائفية، علينا إقناع العالم أننا نسيج يمني واحد، ومكونات مجتمعية متناغمة متناسقة يكمل بعضها الأخر. يذهب الانقلابيون اليوم بدعوى المظلومية، وأنهم أقلية، وهذا غير صحيح، هم يبحثون عن عالم محابٍ يساند الأقليات، ويدعم الطوائف ليستأثروا بالدعم والسلطة والقوة.
إن قبولنا بالدعاوى التمزيقية الاستئصالية يمزقنا تحت أي عنوان، كما أن الحديث عن يمن ممزق وكانتونات صغيرة وقضايا ثانوية يعيقنا، لن يُصدقنا أحد، ولن يلتفت إلينا أحد ونحن نتحدث عن مشاريع صغيرة كدولة حضرموت أو دولة تعز، أو دولة مأرب، أو دولة صعدة، فلنتحدث عن دولة اليمن الكبير، عن التنمية، عن التعايش، عن المواطنة.
التعريف بالقضية بمنهجية صحيحة سيخدمنا وسينعكس على الداخل، معرفة الناس لقضيتهم وتشخيصهم للمشكلة ومعرفة الحل هو من سيقود الجميع للذهاب نحو الدولة وترك الحروب والصراعات ونبذ التعصب.
نحتاج إلى تجريم الفكر العنصري القائم على اللون والعرق وفصيلة الدم والجينات، والطائفة، ودعاوي السكان الأصليين وغير الأصليين الفارغة، تجريمه فكرياً بيننا تجريمه في القانون مستقبلاً.
نحتاج إلى العمل جميعاً للوصول إلى وسائل الاعلام العالمي، نحتاج إلى إقامة شبكة علاقات مع إعلام العالم، في كل دولة يوجد فيها يمنيون، يوجد فيها بالتأكيد إعلاميون وصحفيون وحقوقيون، علينا إسنادهم في الارتباط بشبكات الإعلام في هذه البلدان ليشرحوا للإعلاميين الدوليين أبعاد القضية اليمنية، ورغبة الشعب في إقامة دولته، والسعي في إيصال رسالة للعالم أن الشعب اليمني ليس إرهابياً كما صوره إعلام "المرحوم"، وإعلام بعض الاشقاء الذين يشوهون اليمن كلٌ على طريقته.
نحتاج أيضا إلى ربط الجاليات اليمنية بمؤسسات الإعلام ومراكز الأبحاث لتكون هذه الجاليات في العالم خير من يحمل قضيتنا اليمنية لصناع الرأي العالم العالمي. نحتاج إلى دعم مراكز بحثية وإعلامية يمنية في الخارج لإيصال القضية اليمنية للعالم، ولدراسة الإمكانيات والفرص للتعاون بين شعبنا، وشعوب العالم، وبين دولتنا "المنتظرة" ودول العالم، بناء على المصالح المشتركة بين الشعوب.
علينا إيصال الفن والتراث اليمني للعالم، علينا إعادة إنتاج السلع اليمنية كالبن والعسل والبسباس وتسليع المأكولات اليمنية والفواكه بحسب المواصفات التجارية، لنقول للعالم أن اليمن قهوة وعسل وأسماك وعنب ورمان وأكلات ومطاعم أصيلة وفلكلور ورقص شعبي وغناء يمني راقي وعمارة متميزة، نحن لسنا إرهابيين، ولسنا وحوش.
نحتاج إلى إبراز وتلميع الكوادر العلمية المتفوقة، وربطها بالقضية اليمنية، وعدم تركها أو السماح لها بالانسلاخ عن اليمن وعن القضية عندما تجد حلولاً لمشكلاتها الشخصية والمعيشية وتجرفها الأيام.
الهجرة زادت، والتشرد زاد، والكوادر ترحل كل يوم، لسنا ضد رحيلها بل مع حملها للقضية اليمنية معها في المهجر، قضية بناء الدولة التي نحلم بها جميعاً.
* ورقة عمل قدمها د. فيصل علي رئيس مركز يمنيون للدراسات في حلقة نقاشية نظمها اتحاد الطلبة اليمنيين في ماليزيا عشية الفاتح من فبراير 2019 بعنوان: "دور الإعلاميين في الخارج في التعريف بالقضية اليمنية".