بعد مرور عقد ونيف على انطلاق المقاومة اليمنية، التي خرجت في لحظة كان فيها التمدد الإيراني عبر ذراعه الحوثي يتقدم بسرعة، مستفيدًا من انهيار مؤسسات الدولة وتردد القوى السياسية. ما جرى كان اختبارًا لقدرة المنطقة على إيقاف مشروع يعتمد على جماعات مسلحة تتحرك بخطاب ديني ضمن هدف توسعي. في تلك اللحظة لم يحتج الناس إلى توصيفات معقدة. الصورة كانت مكشوفة: جماعة إرهابية طائفية تفرض واقعًا بالقوة، ومجتمع تحرك لمنع إعادة تشكيله وتحويله إلى حسينية كبيرة وخيمة عزاء وهمية.
في هذا السياق ظهرت المقاومة الشعبية في تعز وعدن ومارب كاستجابة واعية. التحرك قام على إدراك أن ما انطلق من صعدة، ومرّ عبر عمران، واستقر في صنعاء، لن يتوقف عند حدودها، وأن المسار الذي بدأ هناك سيتوسع إذا لم يُواجه. تحركت المدن بسرعة، واستمر الفعل رغم الخسائر. لم يكن هناك مركز قيادة يصدر التعليمات، ولا تنظيم سياسي أو اجتماعي جاهز يدير المشهد. الذي كان حاضرًا هو وضوح الهدف، وفهم دقيق لطبيعة التهديد.
تعز قدّمت صورة مباشرة لهذا الفهم. المدينة دخلت في مواجهة طويلة تحت الحصار "ولا تزال مستمرة"، وظلت تقاتل وتدير حياتها اليومية في الوقت ذاته. المدارس فتحت، المستشفيات عملت بما توفر، والفضاء الإعلامي والاجتماعي بقي حاضرًا. هذه التفاصيل اليومية صنعت معنى المقاومة على الأرض، وأظهرت قدرة المجتمع على تنظيم نفسه في ظروف قاسية مع الحفاظ على اتجاه واضح. عدن تحركت بإيقاع مختلف؛ المعركة كانت سريعة نسبيًا، وشهدت تماسكًا ميدانيًا مكّن من استعادة المدينة في وقت أقصر، كاسرةً اندفاعة الحوثي وحلفائه، ومرسلةً إشارة مبكرة بأن هذا المسار يمكن إيقافه. مارب من جهتها تحولت من محافظة نائية إلى حاضرة اليمن الكبير ونقطة توازن، استوعبت ضغطًا بشريًا كبيرًا واستمرت في أداء وظائف أساسية رغم التهديد المتواصل.
المواجهة تجاوزت حدود الداخل. المسار الذي سلكته الجماعة الحوثية مرتبط بمشروع إقليمي تقوده إيران، يقوم على العمل عبر جماعات مسلحة تعيد تشكيل الواقع السياسي من داخل الدول، عبر فرض السيطرة ثم تثبيت النفوذ من خلال التعليم والإعلام والخطاب الديني. لهذا دفعت المقاومة في اليمن إلى حماية المجال العام بكل مكوناته، والتعامل مع المعركة على أكثر من مستوى: في الميدان، وفي التعليم، وفي الإعلام، وفي الفضاء الاجتماعي الذي يتشكل فيه وعي الناس.
هنا سجلت تعز حضورًا متقدمًا في مجال الوعي المجتمعي. المدينة لم تُعرف بعاصمة للثقافة اليمنية على سبيل المجاز، بل عبر تراكم تاريخي في التعليم والحياة المدنية والسياسية، ووجود طبقة من المثقفين والمعلمين والصحفيين الذين أسهموا في تشكيل عقل مدني مفتوح. هذا الإرث لم يبقَ في إطار الثقافة النظرية، بل تحوّل عند لحظة الخطر إلى وعي مقاوم منظم، يقرأ ما يحدث، ويحدد موقعه منه، ويتحرك بناءً على ذلك. وما تشكّل في تعز لم يبقَ محصورًا داخلها، بل انتقل إلى مساحات أوسع عبر الأفراد والخطاب والتجربة نفسها التي أصبحت مرجعًا عمليًا.
في هذه المرحلة كان موقف المملكة العربية السعودية واضحًا في توقيته وطبيعته. الدعم الذي قُدّم للمقاومة جاء مبكرًا عندما كان احتمال السقوط الكامل قائمًا، وهذا يعكس قراءة مبكرة للمشهد وإدراكًا أن ما يحدث في اليمن سيؤثر مباشرة على استقرار المنطقة إذا تُرك دون تدخل. هذا الإسناد عامل حاسم غيّر مسار الأحداث وفتح مساحة للمقاومة كي تستمر وتعيد ترتيب نفسها؛ في تعز حافظ على استمرار المواجهة، وفي مارب ثبّت الجبهة، وفي عدن سرّع التحرير. هذا التداخل بين الفعل اليمني والدعم السعودي قطع اندفاعة المشروع الإيراني عند حدود واضحة ورفع كلفة استمراره.
في هذه الذكرى ندوّن ملحمة تاريخية شكّلت المثال الأسبق والمختبر الأول في الجزيرة العربية لمواجهة المد الإيراني المتطرف. المقاومة التي واجهت الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران كانت حراكًا واعيًا أدرك منذ اللحظة الأولى طبيعة المعركة واتساعها، وتعامل معها ضمن سياق محور كامل يستخدم شعارات المقاومة غطاءً للإطاحة بالدول العربية. هذه التجربة كشفت حقيقة "حصان طروادة" الإيراني: توظيف الخرافة المهدوية والمظلومية الحسينية كواجهة للتغلغل المجتمعي، استخدام الشعارات الفاطمية لدغدغة العواطف وتزييف الوعي التاريخي، ورفع شعار "الموت لأمريكا وإسرائيل" لتبرير تدمير العواصم العربية وإخضاع شعوبها.
بمرور الوقت، انعكست تجربة المقاومة اليمنية على مستوى أوسع. الشعارات التي استُخدمت لتبرير التمدد الطائفي فقدت قدرتها على الإقناع، بعدما رأى العالم كيف يتحول الخطاب إلى دمار، وكيف ينعكس هذا الفكر على تماسك المجتمع والدولة. وفي مواجهة الطابور الدعائي للنظام الإيراني الذي يروج لفكرة "التفوق الحضاري" الفارسي على حساب الجزيرة العربية ودولها باعتبارها دولًا ناشئة، تبقى الحقيقة راسخة: الجزيرة العربية تحتضن حضارة يمنية عربية ضاربة في القدم، تزيد أعمار دولها المتعاقبة عن أربعة آلاف عام، آثارها مبثوثة في أرجاء الجزيرة وخارجها، وقبائلها هي من صنعت تاريخ المنطقة وهويتها. هذا التحول في الإدراك لم يبقَ محصورًا داخل اليمن، بل امتد إلى المجال الإقليمي وغيّر طريقة قراءة التهديد في الخليج.
هذه التجربة تحولت إلى نموذج إقليمي في التعامل مع التمدد الإيراني، ولم تبقَ آثارها داخل اليمن. ما جرى في تعز وعدن ومارب كشف طبيعة المشروع وأدواته، ورفع مستوى الوعي في المنطقة تجاه خطاب يقوم على شعارات دينية وتعبئة عاطفية لتبرير التوسع. هذا الوعي ظهر لاحقًا مع انتقال الاعتداءات الإيرانية إلى السعودية ودول الخليج، عبر استهداف منشآت حيوية وتهديد الممرات البحرية ومحاولات فرض واقع أمني جديد. الاستجابة السعودية والخليجية جاءت جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع، قائمة على الفعل المباشر وقطع مسار التوسع، دون انخداع بالسرديات أو الشعارات. التجربة اليمنية، إلى جانب الدعم السعودي المبكر للمقاومة، أسهمت في بناء هذا المستوى من الجاهزية، ووضعت حدودًا واضحة لهذا المسار، وحصرت الاعتداءات ضمن نطاق ضيق، ومنعت تحولها إلى حالة مستقرة أو صراع مفتوح في المنطقة.
في الجزيرة العربية يُنظر إلى إيران بوصفها دولة جارة بتعدديتها وشعوبها، ولا يوجد توجه للاعتداء عليها. الإشكال مرتبط بطبيعة النظام السياسي فيها والذي اختار مسار التمدد عبر أدوات تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات بين الدول، من دون مراعاة لخصوصية المنطقة وسياقها الحضاري. إدارة هذه العلاقة تحتاج إلى حدود واضحة ترفض أي محاولة لفرض نفوذ خارج قواعد الدولة والسيادة.
مرور أحد عشر عامًا على انطلاق المقاومة اليمنية يؤكد أن الرهان على كسر الإرادة اليمنية سقط في الميدان. هذا التحول في الوعي لا يكفي لضمان الاستقرار. التجربة كشفت ثغرات داخلية لا يمكن تجاهلها: تعدد القوى، وتضارب المصالح، وغياب التنسيق في بعض المراحل أثّر على كفاءة الأداء وأطال أمد المواجهة. المقاومة التي انطلقت من المجتمع تحتاج اليوم إلى تنظيم يوازي حجمها وتأثيرها، عبر وجود رؤية مشتركة تضبط العلاقة بين الفعل الميداني والقرار السياسي، وتدعم بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد. التجربة كشفت حدود الشجاعة عندما تغيب الأدوات، وفتحت الحاجة إلى تحويل هذا الزخم إلى بنية قادرة على الاستمرار.
جزء من المشكلة كان مرتبطًا بعجز النخب السياسية والثقافية عن مواكبة التحول الذي حدث في المجتمع، إذ بقي الخطاب أحيانًا متأخرًا عن الواقع أو مشغولًا بصراعات جانبية لا تخدم المسار العام. وعلى الصعيد الإعلامي، استثمرت الجماعة الحوثية في هذه المساحة بشكل مكثف، في حين لم تصل محاولات المواجهة اليمنية دائمًا إلى مستوى التأثير المطلوب. أما الضغط الاقتصادي فقد استُخدم أداةً لإضعاف المجتمعات، وهذا ما حدث في أكثر من منطقة، وتعز نموذج صارخ على مدينة واجهت ضغطًا عسكريًا واقتصاديًا في الوقت ذاته واضطرت إلى إدارة موارد محدودة في ظروف بالغة القسوة.
مع كل ذلك، أنتجت التجربة رصيدًا لا يمكن تجاهله: معرفة تراكمت، وخبرات تشكلت، وشبكات علاقات نشأت بين الفاعلين في الميدان. المرحلة القادمة تفرض الانتقال من إدارة المواجهة إلى تثبيت الاستقرار، ضمن إطار تنسيق إقليمي دائم يقوم على فهم مشترك لطبيعة التهديد ويُترجَم إلى تحرك منظم مبكر يضيّق مساحة التمدد ويمنع تثبيت الأمر الواقع. التجربة اليمنية أظهرت أن التأخر يمنح الجماعات المسلحة وقتًا لترسيخ وجودها ويرفع كلفة المعالجة لاحقًا.
ما يبقى من هذه التجربة ليس فقط ما تحقق على الأرض، بل الطريقة التي أعادت بها تعريف التعامل مع الأزمات في المنطقة. المقاومة اليمنية أثبتت أن المجتمع قادر على التحرك عندما يدرك طبيعة الخطر، وأن الدعم الإقليمي يمكن أن يغيّر مسار الأحداث إذا جاء في الوقت المناسب. هذا الإرث يمكن أن يشكّل أساسًا لمرحلة أكثر استقرارًا، إذا تم البناء عليه بشكل منظم ومدروس؛ وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تفرضه المرحلة القادمة.