حين تختلط السياسة بالتاريخ، تتوارى الحقائق خلف خرافات صنعتها صراعات الماضي، ويصبح الدفاع عن الهوية اليمنية واجبًا وطنيًا وثقافيًا.
على الرغم من كل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، والحروب الحاصلة في اليمن، ما زال اليمنيون يكافحون بكل قوة لأجل الحياة. أنا أتحدث هنا عن الأغلبية التي تعيش داخل اليمن وخارجه، والتي لم تسمح لكل هذه الظروف بأن تحرف مسيرتها الحياتية أو تجرها إلى مربعات الضجيج وردّات الفعل.
سقوط الخرافات أمام صلابة الهوية اليمنية
هؤلاء وحدهم يعلمون أن خرافة الهاشمية السياسية وسلطة الحوثي الفاشية لا يمكن لها البقاء طويلًا، والسبب معروف: "من لم يعلمه الزمن تعلمه اليمن".
كل من رأى نفسه خيرًا من الناس، مدّعيًا الأفضلية في العرق أو اللون أو النسب أو الجهة، تلاشى كما أتى. وليست انتفاشة الحوثي هي الأولى في اليمن؛ فقد انتفشت هذه السلالة من قبل وانتهت في صفحات التاريخ.
تاريخ هذا البلد لم يكن سوى يمنياً، ومن أراد الهروب من هذه الحقيقة، فمكانه معروف، ولديه متسع ليكون جزءًا من الماضي الذي تجاوزه اليمنيون.
جغرافيا اليمن: حصن الهوية ومهد الحضارة
جبال اليمن وسهولها ومياهها ووديانها وطرق تجارتها، من طريق اللبان إلى درب أسعد الكامل، كلها ترفض المساس باليمن كفكرة وهوية وجغرافيا وديمغرافيا.
القادمون من الخارج و"تيمنن" الهوية
أما تغيير اسم الدولة فلم يُحدث فرقًا كبيرًا، فكل من قدموا من خارج اليمن لأغراض سلطوية ابتلعتهم اليمن وقامت "بيمننتهم" (أي إدماجهم في هويتها وثقافتها)، من أبرهة الأكسومي الذي استقل باليمن عن الحبشة و"تيمنن"، إلى الفرس الذين سرعان ما تحولوا إلى "أبناء وبني" وذابوا في المجتمع اليمني.
تلاهم المماليك، والأيوبيون، والرسوليون، ومن تبقى من الأتراك. في اليمن، ليس أمام القادمين سوى "التيامن والتيمنن" للقدرة على العيش والبقاء.
التعايش اليمني عبر العصور
عرفت اليمن التعايش لأسباب كثيرة، منها توسع الدول اليمنية القديمة خارج حدود العربية السعيدة وأرض الجزيرة العربية، موطن اليمنيين الأزلي. كما تواجد اليمنيون في شمال الجزيرة، وفي شرق أفريقيا وشمالها، ووصلوا إلى آسيا الوسطى، ثم إلى الأندلس في أوروبا، وإلى جنوب شرق آسيا.
كما أن التجارة اليمنية، التي كانت عالمية ولم تقتصر على النطاق المحلي، فرضت عليهم الاندماج الحضاري مع الأمم والشعوب والعرقيات المختلفة. كذلك فإن غزو دول أخرى لليمن بعد سقوط الدولة الحميرية عزز من "تيامن" القادمين من خارج الجغرافيا والديمغرافيا اليمنية، كما أشرنا أعلاه.
الاستثناء: العجم الهادويون
وحدهم سلالة العجم القادمين مع الرسي وبعده لم يدركوا مفاهيم اليمن والتعايش فيها. لذا كان تاريخهم كله حروبًا وغزوات محلية، تسترت بما يمكن وصفه بـ"المذهب اللغم"، أي المذهب الهادوي المسمى بالزيدية.
المذهب الفقاسة وخلايا الهاشمية السياسية
وهو المذهب الفقاسة (الحاضنة المنتِجة) التي أنجبت سلاسل من خلايا الهاشمية السياسية الحاملة لفكرها العدمي، التي تنام وتصحو على الادعاء بأحقيتها وحدها في الحكم، مخترعة دينًا عائليًا موازيًا للإسلام يشمل أهل الكساء وعترة الغدير، ومذهبًا موازيًا للمذاهب الإسلامية؛ دين البيت ومذهب آل البيت.
المواجهة الفكرية الأولى
لقد شكلت خرافة الهاشمية السياسية تحديًا حضاريًا لليمنيين منذ قدوم الرسي في عام 899م. حينها ظهر الحدس اليمني، واستشعر اليمنيون خطورة هذا الغريب القادم من مجاهل التاريخ.
فانبرى الحسن الهمداني لكتابة تاريخ آخر دولة يمنية، وهي دولة حمير، ثم حصّن اليمن بكتابه صفة جزيرة العرب، وهو مصنف حول الجغرافيا اليمنية، بعد أن استكمل كتابه الإكليل عن الدولة اليمنية وديمغرافيتها. فكان هذا العمل أول مواجهة فكرية وتوثيقية للسلالة.
الإسلام: إضافة لا قطيعة
لم يشكل الإسلام الحنيف أي تحدٍ لليمنيين على الإطلاق، لذا دخلوا في دين الله أفواجًا؛ فهم أهل التوحيد وأهل الكتب السابقة، وقد وحّدوا الله مع سام وهود وصالح وتبع وموسى وسليمان وعيسى عليهم السلام، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم سوى امتداد وإضافة إلى تاريخ التوحيد الذي عرفته اليمن على مدار التاريخ الموغل في القدم.
لقد أنقذ الإسلام اليمن من عصر الضياع الذي حل بها بعد سقوط حمير، حين لم يكن هناك سلطة ولا دولة جامعة؛ فالأبناء يحكمون صنعاء، والبلاد كانت مفككة، نمت فيها سلطة الإقطاعيين "المقاول" (الوجهاء المحليون الذين جمعوا بين النفوذ الاقتصادي والسيطرة القبلية)، وانتشر فيها الرق والعبودية. فجاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كمخرج لليمنيين من تلك الحالة.
حين بُعث النبي، كان اليمنيون يعيشون في معظم أرجاء الجزيرة العربية من الجنوب إلى الشمال، تنتشر قبائلهم وتغطي الأرجاء من سقطرى إلى الشام، ومن باب المندب إلى الحيرة، ومن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، وكانت يمنية قريش متصلة بيمنية قبائل جرهم وخزاعة.
الإشكالية التاريخية وجذورها في الصراع القيسي–اليمني
هذه الإشكالية لم تظهر مع ظهور النبي التهامي محمد صلى الله عليه وسلم، بل برزت في أواخر الدولة الأموية في سياق الصراع القيسي–اليمني، ثم اختفت مع قيام الدولة العباسية، قبل أن يُعاد ترويجها في منتصف عهدها بدوافع سياسية وعرقية أكثر من كونها بحثًا علميًا. وهي، كغيرها من الخرافات التي صاغها بعض النسابين، لا تصمد أمام الحقائق التاريخية.
الإسرائيليات وأثرها على السردية اليمنية
اليوم، هناك من يعيد إنتاج هذه المزاعم بهدف فصل الجزيرة جنوبها عن شمالها، وفصل التوحيد عن اليمن. وهي مجرد ادعاءات واهية، لا تقوم أمام الشواهد، تمامًا مثل تلك الرواية التي تزعم أن العماليق جاؤوا من شمال الجزيرة، واستوطنوا الجوف، وشكّلوا دولة معين؛ وهي رواية فندها الباحثون من خلال النصوص التاريخية نفسها، والنقوش، والمسوحات الأثرية العلمية.
ما يُسمّى بـ"الإسرائيليات" في التراث الإسلامي هو مصطلح أطلقه بعض المفسرين والمحدثين على الروايات التي دخلت إلى كتب التفسير والتاريخ الإسلامي من مصادر يهودية أو مسيحية، سواء عبر رواة من أهل الكتاب أسلموا، أو عبر السرد القصصي الشعبي. ورغم أن بعض هذه الروايات قد تحمل معلومات متقاطعة مع نصوص صحيحة، إلا أن التصنيف نفسه لم يكن محايدًا في كل الأحوال، بل استُخدم أحيانًا كأداة للطعن في بعض السرديات المرتبطة بجنوب الجزيرة، خاصة اليمن، بحجة أن اليهودية كانت دينًا حاضرًا في بعض مناطقه قبل الإسلام.
خرافة تقسيم العرب إلى بائدة وعاربة ومستعربة
هذا الاستخدام السياسي للمصطلح يشبه تمامًا ما جرى مع فكرة تقسيم العرب إلى بائدة، وعاربة، ومستعربة، وهي تقسيمات لم يعرفها العرب في جاهليتهم، وإنما ظهرت في الحقبة نفسها، ثم أُعيد ترويجها في العهد العباسي لغرض رسم طبقية نسبية بين العرب، وإضفاء شرعية تاريخية أو دينية على فئة مقابل أخرى.
والحقيقة أن العرب هم العرب، لا فرق بينهم في الأصل إلا بالثقافة واللهجات والأنساب المتفرعة، وكل محاولة لتقسيمهم وفق هذه التصنيفات المتأخرة هي إعادة إنتاج لمقولات سياسية أراد أصحابها إضعاف الخصوم واحتكار رمزية النسب أو الدين.
التوظيف السياسي للصراعات التاريخية في العصر الحديث
وفي التاريخ المعاصر، ظهرت أيضًا محاولات لتعزيز هذه الخرافة بدوافع ترتبط بالأقليات في بلاد الشام، التي سعت لسلخ نفسها عن تاريخها العربي وربطها بأمم أوروبا. كما أن صعود القومية العربية في الشام والعراق أوجد نوعًا من الأنفة من الانتساب إلى اليمن، وترك مسألة العروبة معلقة بين سؤالين: هل أصل العرب من حدود شمال الجزيرة العربية وما يتاخمها من بلاد العراق والشام أم من جنوب الجزيرة العربية؟ (وهو جدل غذّته السياسة أكثر مما غذّاه البحث التاريخي، رغم أن أغلب الشواهد تميل إلى أن العرب جميعًا يرجعون بجذورهم إلى اليمن).
ومع ذلك، يبقى هناك إجماع بين المنصفين على يمنية كل العرب، ولا ينكر ذلك إلا قلة من المتعصبين هنا وهناك.
عبهلة العنسي بين التمرد والمسكوت عنه في التاريخ
يحاول بعض الكتّاب أن يستثمروا أحداث حروب الردة لنسبة الإساءات إلى الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة، في عهد الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الذي أخمد الفتنة كما يفعل أي قائد لدولة وليدة.
ويقوم هؤلاء بصناعة صورة مشوهة من تاريخ الأسود العنسي "عبهلة"، فيصورونه على أنه كان ضد الفرس وضد المسلمين القادمين كمبعوثين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأتعجب ممن يستدل برسالته إلى مبعوث رسول الله، معاذ بن جبل الأنصاري، المنتسب إلى بني أدّى وبني جشم بن الخزرج بن التبع اليماني، ويصفه فيها بـ"المتوردون علينا". فهل كان عبهلة بهذا القدر من الجهل بحيث لا يعرف يمنية معاذ، أم أنه كان ينكرها عمدًا؟ أشك في ذلك، وأرى أن الأمر يحتاج إلى بحث معمق.
استراتيجية أبي بكر الصديق في توحيد العرب وإسقاط الفرس
هل كان "قائد الانتفاضة اليمنية" ضد أبي بكر والفرس الأبناء أحرص على اليمن من أبي بكر نفسه، ولديه استراتيجية لتحرير الأراضي العربية من الفرس والروم؟ هذه مقولة لا تصح حتى أن تكون فرضية.
فالتاريخ يذكر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "إنما العرب لأب واحد وأم واحدة، فأردتُ أن أستفزهم"، وقد فعل ذلك، فاستفزهم وجمعهم وهيأهم في عهده لتحرير الأرض العربية من الفرس والروم، وتم الأمر في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما معًا.
كانت استراتيجية أبي بكر عظيمة، إذ هيأ العرب قاطبة، والفرس المسلمين في اليمن، لإسقاط الدولة الفارسية التي كانت تسيطر على العراق العربي. وكانت هذه الدولة قد فقدت سيطرتها على اليمن لأسباب معروفة للجميع، أبرزها إسلام والي الفرس على اليمن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انتفاضة عبهلة العنسي تشبه، في كثير من أوجهها، انتفاضة صاحبه في 2 ديسمبر 2017م. قد تعجب هذه الانتفاضات البعض، وهذا حقهم، لكنها في نظر الكثيرين ليست بالشيء المهم، ولا يمكن اعتبارها انتفاضات حقيقية. وهي أيضًا من المسكوت عنه في منهجية التاريخ.
الهاشمية السياسية وخطر الانزلاق إلى المربعات الطائفية
لا ينبغي اليوم مجاراة جماعة متخلفة ومارقة مثل جماعة الحوثي، ولا تمكينها من جر بعض الأوساط النخبوية إلى مربعاتها الطائفية والعرقية والعصبوية، خاصة في ظل تنامي الوعي الوطني، ذلك الوعي المتصل بالهوية السياسية لليمنيين جميعًا: الجمهورية اليمنية.
اليمنيون سبقوا العالم بأسس المواطنة، فالديمقراطية التي عُرفت في روما كانت موجودة أصلًا في حضارة ودولة سبأ قبل روما بقرون. كما أن اليمن عرفت الوحدة والفيدرالية كنظام حكم مركب في العهد السبئي.
لذلك، يجب ألا تدفعنا خرافة الهاشمية السياسية إلى العودة للبدائية في المنطق والممارسة. إن شعبنا اليوم يخوض معركته مع الكهنوت السلالي لفرض الدولة وشروط الدولة، لا لفرض القبيلة أو العرقية وشروطها.
شبابنا في الجبهات يمثلون الدولة اليمنية، ولا يمثلون مذاهب أو قبائل، بل هم جنود الجمهورية اليمنية يضحون بأرواحهم لأجلها. فلا ينبغي أن نخذلهم بنشر المقولات الواهية التي لا تصمد أمام المنطق والفكر، ولا أمام حقائق التاريخ.
الدولة اليمنية فوق القبيلة والعرق
عندما كنا نتحدث منذ سنوات عن الهاشمية السياسية، كنا نختصر كل هذه المسافات الشاقة التي تقطعها محاولات فرز المجتمع إلى فئات وطبقات وعرقيات. فمجتمعنا المتنوع هو سر هذا الصمود اليمني الأزلي في كل مراحل التاريخ.
كنا، وما زلنا، نؤكد اليوم أن اليمن دولة، وليست إرثًا لأحد وليست جد أحد. وليس لدينا اليوم ترف ولا وقت ولا جهد لخوض المعارك الكلامية أو الوهمية أو الجانبية، فنحن مثقلون بهمومنا الكلية والجزئية والفردية.
كما أن هذه الحرب، التي فُرضت علينا من الداخل والخارج، يجب أن تزيد من تكاتف وتلاحم مجتمعنا وشعبنا، لا أن تدفعنا إلى مزيد من الفرقة والانقسام.
وحدة الصف اليمني وتنوعه سر الصمود
هويتنا السياسية واضحة: الجمهورية اليمنية. وهويتنا التاريخية والحضارية والإنسانية لا تخفى على أحد. لذلك، لا بد من تقريب وجهات النظر، والتركيز على مشكلاتنا، وفي مقدمتها مشكلة الهاشمية السياسية وما نتج عنها من تشوهات مجتمعية. كما أن التدخلات الأجنبية لا يجوز إغفالها أو التساهل معها، فهي تمثل أخطارًا وجودية، وليست سوى مقدمات لقوى الاحتلال التي لم تغب اليمن عن ناظرها، وهي من تستعمل هذه القوى الغوغائية لتكون طليعة لها ومقدمة لتدخلها.
ولا ينبغي تخوين أي قوى يمنية أو التهوين من أي نضال يمني. علينا أن نقبل التنوع، وألا نحتكر الوطن أو الوطنية، وألا ننساق وراء الأحلام الرومانسية أو المقولات الواهية التي تفرقنا ولا تخدم وحدة الهدف والجهد، وتسيء لتنوع الصف اليمني الواحد.
علينا أن نحاصر عدونا ونركز عليه، لا أن نحاصر أنفسنا ونفرز مجتمعنا ونشتت جهود شعبنا ونضالاته. هويتنا السياسية واضحة: الجمهورية اليمنية. وهويتنا التاريخية والحضارية والإنسانية لا تخفى على أحد.
لذلك، لا بد من تقريب وجهات النظر، والتركيز على مشكلاتنا، وفي مقدمتها مشكلة الهاشمية السياسية وما نتج عنها من تشوهات مجتمعية. كما أن التدخلات الأجنبية لا يجوز إغفالها أو التساهل معها، فهي تمثل أخطارًا وجودية، وليست سوى مقدمات لقوى الاحتلال التي لم تغب اليمن عن ناظرها، وهي من تستعمل هذه القوى الغوغائية لتكون طليعة لها ومقدمة لتدخلها.
ولا ينبغي تخوين أي قوى يمنية أو التهوين من أي نضال يمني. علينا أن نقبل التنوع، وألا نحتكر الوطن أو الوطنية، وألا ننساق وراء الأحلام الرومانسية أو المقولات الواهية التي تفرقنا ولا تخدم وحدة الهدف والجهد، وتسيء لتنوع الصف اليمني الواحد.
علينا أن نحاصر عدونا ونركز عليه، لا أن نحاصر أنفسنا ونفرز مجتمعنا ونشتت جهود شعبنا ونضالاته.