الليل لي وحدي

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
نصّ تأمليّ يكتب فيه فيصل علي عن ليله الخاص، حيث ينسحب من ضجيج العالم ليصغي إلى ذاته، ويتجوّل بين الشعر والكون، ويراقب تفاصيل الليل بوصفه مساحة للحرية والاكتشاف.

الليل لي وحدي، أطوف فيه أعالي السماوات والبحار السبعة، وأعود لأُلقي نظرة مطوّلة في مواقع النجوم.

الليل لي وحدي، بلا استثناءات. لا أتصفح فيه الصحف، ولا أستمع لنشرات الأخبار المكفهرة. فلتتوقف كل الكوارث والحروب لبضع ساعات، لن يحدث شيء، وإن حدثت الفوضى المتوقعة فلستُ أنا الذي يرعى هذا العالم، فللكون رب يضع موازينه ومقاييسه، لذا دعوني وشأني.

الليل لي وحدي، أُسامر فيه الشعر وأتحدث مع البردوني والجواهري وأوكتافيو باث والسيّاب ودرويش وإقبال ونيرودا، وألعن فيه ناظمي القصائد الرخيصة الباحثين عن إعجابات الحمقى والراقصات، وذوي العاهات المستدامة من أولي الأمر الذين لا يجيدون تذوّق الكلمات كما يجيدون حَسَكَ الشعير.

الليل لي وحدي، لا للنداءات ولا للإغراءات ولا للإيحاءات. لي ولي فقط. أتحول فيه مجنونًا وصوفيًا وقديسًا وعرّافًا وشيوعيَّ الضمير. أتجرّد من الألقاب والصفات، أعيش ذاتي بدون العباءات، وأتناسى كل ما يقولونه وسيقولونه عني وعن أحلامي التي لا أريد أن ينازعني فيها أحد.

الليل لي وحدي، أستجمع كل قواي العقلية والنفسية والجسدية والروحية لأنام بعيون مفتوحة، أرى وأسمع ما أريد فقط. أطارد الجنَّ في الغابات، وتأكل روحي العقارب والحيات. أضع مراهم من أوراق الشجر على كل جرح فيطيب كأنه لم يكن.

الليل لي وحدي، وليس لمراجعة مرضاي الذين يظنون أني أملك الدواء لكل أدوائهم. أمنحهم ساعات الصباح الأولى، وأمنح الصبية والعاطلين عن الأمل مساحات الفجر وما بعد الظهيرة. أنا حقيقة كائن متحوّل، وأخاف على زوّاري من أن يقعوا تحت مخالبي الفضية. لا أريد أحدًا أن يرى وجه الذئب الذي كان مبتسمًا للجميع طيلة اليوم.

الليل لي وحدي، إذًا فليتأجل الغرام والعشق والفاكهة حتى قدوم الضحى. إن أرقى الغزل وأعذب العشق هو الصمت والهدوء ومرور السحب السوداء المحملة بالأرواح الهائمة ورهبة الموت في انتظار أمر الإله في أي لحظة.

الليل لي وحدي، من ذا يريد أن يسلبني ليلي وإبصاري لهذا الكون بكل حواسي التسع؟! هناك كلب يراقب، وطواط يحلّق على ارتفاع منخفض، وتلك امرأة تستعمل هاتفها كمحفظة قديمة لأسماء من أحبتهم وتركوها للريح الباردة، وذاك لص يحاول فتح باب سيارة قديمة ليسرق ما تيسر، وها هنا طفل ينام مبتسمًا لأنه ما زال يظن أن ملائكة تُظلله بأجنحتها في الجوار، وهناك مصلٍّ يبكي من وقع الآيات ولا يفقه معناها اليوم فهو يفسّرها بعيون الموتى، وبقرة هناك تغطّ في السبات دون أن يقلقها جهلها لمن سيحلبها صباح الغد.

الليل لي وحدي، ولكم نصف أحلامي وربع الأمنيات. خذوا مني ما أردتم: ضحكتي، ومحفظة نقودي، ومصابيحي التي جهّزتها بعناية، وخبزي وتمراتي الجافة. واتركوا لي حذائي وأوراقي المبعثرة ما بين السحب والهياج والتباب البعيدة.

نشر النص بتاريخ 6 يوليو 2019

مقالات قد تهمك

عالم كورونا
نثر

عالم كورونا

عالم يتوقف فجأة… شوارع فارغة، وصمت غير مألوف، يكشف ما كان مخفيًا داخل الناس أكثر مما يكشفه داخل المدن. يرصد النص يوميات بشر متناقضين في زمن كورونا: القلق، الطموح، النفاق، الهروب، الرغبات المؤجلة، والبحث عن معنى في لحظة اضطراب عالمي. من تفاصيل صغيرة إلى تحولات كبرى، يتكشف وجه الإنسان كما هو، بلا تجميل. وفي قلب هذا الركود، يلمح النص مساحة هدوء نادرة، حيث تعود الذات لمواجهة نفسها… وتبدأ الأسئلة الحقيقية.

منذ 4 أشهر
أنا اليمني الحاضر في الذاكرة والغياب
نثر

أنا اليمني الحاضر في الذاكرة والغياب

نصّ تأملي سردي يصوغ الهوية اليمنية بوصفها كائنًا يتجاوز الزمن: يولد من التاريخ، ويتجدد في الذاكرة، ويُقبر في الجغرافيا. يتداخل فيه الإنسان بالأسطورة، والذات بالجماعة، والطبيعة بالمقدّس، في سردية عن وطن متعدد، مثقل بالحروب، الحب، الخيبات، والحنين. النص لا يستعيد الماضي بوصفه نوستالجيا، بل كحضور حيّ يعيد تشكيل الوعي، ويقاوم الفناء بالذاكرة والرمز.

منذ 4 سنوات