يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

اليمن: حرب الستين عامًا.. قراءة نقدية لدراسة فايرستاين عن فشل الدولة اليمنية

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
كيف تحولت الجمهورية اليمنية، بعد ثورة 1962، إلى دولة عالقة في دوامة من الانقلابات والحروب والصراعات البنيوية؟ في دراسته «اليمن: حرب الستين عامًا»، يقدم السفير الأمريكي السابق لدى اليمن جيرالد فايرستاين واحدة من أبرز القراءات الغربية التي تفسر الحرب اليمنية بوصفها نتيجة تراكم طويل لفشل بناء الدولة والنظام الريعي والصراعات على السلطة والهوية منذ ستينيات القرن الماضي. وتقدم هذه القراءة التحليلية عرضًا ونقدًا لأهم أفكار الدراسة، من أزمة الجمهورية والوحدة اليمنية وصعود الحوثيين، إلى اقتصاد الحرب والفيدرالية وحدود المقاربة الأمريكية لفهم تعقيدات اليمن الحديثة.

قراءة وملخص نقدي لدراسة "اليمن: حرب الستين عاماً" (Yemen: The 60-Year War)، الصادرة عن معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute) في فبراير 2019، من تأليف السفير الأمريكي المتقاعد جيرالد فايرستاين (Gerald M. Feierstein).

منذ اندلاع الحرب اليمنية، ظهرت عشرات الدراسات والتقارير الغربية التي حاولت تفسير أسباب الانهيار والصراع في اليمن، غير أن دراسة السفير الأمريكي السابق لدى اليمن جيرالد إم. فايرستاين بعنوان «اليمن: حرب الستين عامًا» تظل واحدة من أكثر الدراسات الغربية تأثيرًا في قراءة جذور الأزمة اليمنية بوصفها أزمة دولة ممتدة منذ ثورة 1962، لا مجرد حرب انفجرت بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014.

وصدرت الدراسة عن معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute) في فبراير 2019، وتعكس إلى حد كبير الكيفية التي نظرت بها دوائر التفكير والسياسة الأمريكية إلى طبيعة الأزمة اليمنية، وجذور الصراع، وإشكاليات بناء الدولة في اليمن الحديث. ويكتسب هذا الطرح أهمية إضافية بالنظر إلى أن فايرستاين شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى اليمن بين عامي 2010 و2013، خلال مرحلة مفصلية سبقت انهيار العملية الانتقالية وصعود الحوثيين، كما عمل في عدد من الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط والخليج داخل وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما يمنح الدراسة بعدًا يتجاوز القراءة الأكاديمية البحتة، لتظهر أيضًا بوصفها تعبيرًا عن جانب من الرؤية الأمريكية لطبيعة الأزمة اليمنية وتعقيداتها السياسية والتاريخية.

 

1.       الخلاصة التنفيذية والفرضية الأساسية للدراسة

ترتكز الفرضية الأساسية للكاتب على أن الأزمة السياسية والصراع العسكري الحالي في اليمن، الذي تفجر بين عامي 2014 و2015، لا ينبغي قراءته كحدث معزول. ويرى جيرالد فايرستاين أن الحرب الحالية ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة ممتدة لأكثر من ستين عامًا من فشل بناء الدولة، والانقلابات، والاغتيالات، والحروب الأهلية المستمرة منذ ستينيات القرن الماضي.

ويعزو الباحث الجذور العميقة للصراع إلى فشل المجتمع اليمني في معالجة حالة الغضب والإحباط الشعبي الناتجة عن التهميش السياسي، والحرمان الاقتصادي، وغياب العدالة في توزيع الثروات، إضافة إلى طبيعة الدولة الريعية الفاسدة القائمة على نظام سياسي واقتصادي "استخراجي" (Extractive System)، تتركز فيه السلطة والثروة بيد نخبة قبلية وعسكرية ضيقة، تستغل الموارد لمصالحها وتمنع الغالبية العظمى من المواطنين من المشاركة الفاعلة في المجالين السياسي والاقتصادي.

وينطلق فايرستاين في قراءته للأزمة اليمنية من مقاربة قريبة من أدبيات "الدولة الفاشلة"، مستندًا بصورة واضحة إلى أفكار دارون عجم أوغلو وجيمس روبنسون في كتابهما Why Nations Fail. فالدراسة ترى أن اليمن يحمل "جميع السمات المميزة للدولة الفاشلة" نتيجة هيمنة هذا النظام الاستخراجي، وضعف المؤسسات، وغياب التمثيل العادل، وتآكل قدرة الدولة على إدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية. ويقول فايرستاين نصًا: “Yemen bears all the hallmarks of a failed state”، أي أن اليمن "يحمل جميع السمات المميزة للدولة الفاشلة".

ومن هذا المنطلق، لا يتعامل فايرستاين مع الحرب الحالية بوصفها أزمة طارئة أو صراعًا منفصلًا، بل كامتداد طويل لفشل مشروع بناء الدولة اليمنية الحديثة منذ ستينيات القرن الماضي.

2.       السرد التاريخي ومحطات الفشل

تستعرض الدراسة التاريخ السياسي لليمن بوصفه سلسلة متواصلة من الانتقالات غير المكتملة، حيث ترى أن الجمهورية فشلت، منذ نشأتها، في بناء مؤسسات قادرة على استيعاب التعدد الاجتماعي والمناطقي والمذهبي داخل الدولة الحديثة. 

2.1 ثورة 1962 ونهاية الإمامة

تشير الدراسة إلى أن المرتفعات الشمالية كانت تُحكم لقرون من قبل نظام الإمامة الزيدية، الذي استند سياسيًا واجتماعيًا إلى تحالفات قبلية في شمال الشمال، بينما اعتمد اقتصاديًا على استغلال المناطق الوسطى ذات الأغلبية الشافعية، مثل تعز وإب والحديدة (تهامة). وفي مطلع الستينيات، ظهرت حركة "اليمنيين الأحرار" ذات التوجه القومي العربي، وقادت ثورة 1962 ضد الإمامة بدعم مباشر من مصر بقيادة جمال عبد الناصر. 

ورغم انتصار الجمهوريين وسقوط الإمامة، يرى فايرستاين أن ميزان القوى داخل الدولة لم يتغير بصورة جذرية؛ إذ احتفظت النخب القبلية في المرتفعات الشمالية بنفوذها السياسي والعسكري داخل النظام الجمهوري الجديد. وفي سياق المواجهة مع "السادة" المرتبطين بالإمامة، يشير الباحث إلى أن القوى الجمهورية طورت خطابًا قوميًا جديدًا يقوم على التمييز بين ما وصفته بـ"اليمنيين الحقيقيين" من القحطانيين، الذين اعتُبروا "القبائل العربية الجنوبية والسكان الأصليين لليمن” (“real Yemenis were the descendants of the Qahtanis – southern Arabian tribes that were the original inhabitants of Yemen”)، وبين "العدنانيين" الذين قُدِّموا بوصفهم "منحدرين من قبائل شمالية هاجرت إلى جنوب الجزيرة العربية بعد ظهور الإسلام وأصبحت حاكمة لليمن" (“Adnanis – descendants of northern tribes that immigrated to southern Arabia following the arrival of Islam and became the rulers of Yemen”). ويرى فايرستاين أن هذا التمييز تحول، خلال سنوات الحرب ضد الإمامة، إلى "عامل مهم في بناء الإجماع الجمهوري الواسع” (“an important factor in building the broad, pro-republican consensus”)، كما ترك "آثارًا طويلة المدى على التماسك الداخلي لليمن" (“long-term implications for Yemen’s internal cohesion”). وهي سردية يرى الباحث أنها لم تتوقف عند سياق الحرب ضد الإمامة، بل تركت آثارًا ممتدة على التماسك الداخلي والهوية السياسية في اليمن، وأسهمت في إعادة إنتاج انقسامات اجتماعية وسياسية استمرت في الظهور بأشكال مختلفة خلال العقود اللاحقة.

وتوضح الدراسة أن المناطق الوسطى شهدت خلال السنوات الأولى من الحكم الجمهوري نوعًا من الازدهار الاقتصادي النسبي، مع تنامي دور الطبقة التجارية وظهور تنظيمات تعاونية محلية تولّت إدارة بعض شؤونها الاقتصادية والتنموية. وتشير إلى أن الاحتفاظ بجزء من الإيرادات الضريبية داخل هذه المناطق أتاح توجيهها نحو مشاريع البنية التحتية والتنمية المحلية، ما ساهم في نمو النشاط الاقتصادي بصورة ملحوظة.

وفي هذا السياق، يلفت فايرستاين إلى نشوء نوع من "تقاسم النفوذ غير الرسمي" بين نخب المرتفعات الشمالية، التي احتفظت بالهيمنة السياسية داخل الدولة الجمهورية، وبين النخب التجارية في المناطق الوسطى والساحلية التي أدارت النشاط الاقتصادي. وينقل عن الباحث ستيفن داي قوله إن هذا الترتيب غير المعلن "سمح لنخب المرتفعات بالحفاظ على الهيمنة السياسية، بينما أدارت النخب التجارية في المناطق الوسطى والساحلية الاقتصاد"

 (“informal power-sharing allowed highland elites to maintain political hegemony, while business elites from the western midland and coastal regions ran the economy”).

غير أن ما تطرحه الدراسة في هذه النقطة يظل، رغم أهميته، أقرب إلى توصيف اختلالات السلطة والثروة بعد الثورة، دون التعمق بصورة كافية في البنية الطبقية والاجتماعية التي ورثتها الجمهورية عن نظام الإمامة. فالثورة اليمنية عام 1962 رفعت، ضمن أهدافها الأساسية، شعار “إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات”، بوصفه أحد المرتكزات التقدمية لبناء الجمهورية الحديثة. لكن التحول الذي جرى على أرض الواقع لم يؤدِّ إلى تفكيك النظام الطبقي التقليدي بصورة جذرية، بقدر ما أعاد إنتاجه بأشكال جديدة داخل النظام الجمهوري نفسه.

فالمجتمع اليمني، خلال عهد الإمامة (1918–1962)، كان قائمًا على بنية اجتماعية هرمية واضحة، تتصدرها طبقة السادة الهاشميين، يليها القضاة، ثم المشايخ والعسكر، إلى جانب تقسيمات اجتماعية ومهنية ودينية متشابكة ضمت فئات مثل الفقهاء، والمتصوفة، والحرفيين، والفلاحين، والحدادين، والمزاينة، والجزارين، والأخدام أو المهمشين، وغيرها من البنى الاجتماعية المرتبطة بالنسب أو المهنة أو المكانة التقليدية.

وبدل أن تؤدي الجمهورية إلى تفكيك هذا النظام بصورة كاملة، يرى كثير من الباحثين والمراقبين أن جزءًا كبيرًا من البنية الاجتماعية القديمة استمر داخل الدولة الجديدة، مع تراجع نفوذ طبقة السادة سياسيًا وصعود طبقة المشايخ والعسكر وشبكات النفوذ القبلية لتحتل مركز الهيمنة داخل النظام الجمهوري. وبذلك انتقلت الجمهورية، في جانب من جوانبها، من صراع ضد الامتيازات الطبقية إلى إعادة توزيع تلك الامتيازات بين نخب جديدة، دون تحقيق تحول اجتماعي شامل ينهي فكرة التراتب الطبقي بصورة فعلية.

ومع نهاية السبعينيات، بدأت هذه التناقضات البنيوية تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا داخل مؤسسات الجمهورية نفسها، خصوصًا مع صعود علي عبد الله صالح إلى السلطة عام 1978.

2.2 صعود علي عبد الله صالح وإعادة إنتاج النظام الريعي

مع وصول علي عبد الله صالح إلى السلطة عام 1978، بدأت ملامح ذلك التوازن غير الرسمي بالتفكك تدريجيًا. فبحسب الدراسة، أعاد صالح إنتاج نمط سياسي واقتصادي قائم على الامتيازات والتحالفات القبلية، كما أعاد فرض نظام ضريبي اعتبرته المناطق الوسطى امتدادًا لسياسات التمييز القديمة، حيث فُرضت عليها ضرائب أعلى مقارنة بسكان المرتفعات الشمالية.

وفي الوقت نفسه، عزز صالح نفوذ مشايخ القبائل، خصوصًا زعامات حاشد وبكيل، الذين تحولوا تدريجيًا إلى شركاء رئيسيين في السلطة والثروة داخل النظام الجمهوري الجديد. ويشير فايرستاين إلى أن صعود هؤلاء المشايخ لم يكن مجرد توسع في النفوذ القبلي، بل مثّل انتقال مركز الهيمنة داخل الجمهورية من طبقة السادة المرتبطة بالإمامة إلى تحالف قبلي ـ عسكري ـ اقتصادي جديد، أصبح لاحقًا العمود الفقري للنظام الريعي في اليمن.

وترى الدراسة أن اكتشاف النفط في محافظة مأرب عام 1984 فتح المجال أمام توسع هذا النظام بصورة أكبر، حيث تحولت عائدات النفط إلى أداة جديدة لتعزيز شبكات الفساد والمحسوبية وتركيز السلطة والثروة بيد النخب المتحالفة مع السلطة المركزية. وأسهم ذلك، وفق القراءة التي تطرحها الدراسة، في تعزيز الانطباع لدى قطاعات واسعة من السكان بأن الجمهورية لم تنجح في تفكيك منظومة الامتيازات التقليدية، بقدر ما أعادت إنتاجها داخل بنية سياسية جديدة.

 

2.3 الوحدة اليمنية وحرب 1994: من حلم الاندماج إلى صراع الهيمنة

تنتقل الدراسة بعد ذلك إلى مرحلة الوحدة اليمنية عام 1990، التي يصفها فايرستاين بأنها أقرب إلى "زواج بندقية" (“shotgun marriage”)، في إشارة إلى أن الوحدة لم تكن نتيجة اندماج سياسي واجتماعي مكتمل، بقدر ما جاءت استجابة لتحولات وضغوط سياسية واقتصادية فرضتها الظروف على الشطرين.

وتوضح الدراسة أن الجنوب دخل الوحدة في لحظة ضعف تاريخية؛ إذ أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى فقدان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية أهم داعم سياسي واقتصادي لها، كما تركت أحداث الصراع الداخلي الدامي داخل الحزب الاشتراكي عام 1986 آثارًا عميقة على بنية الدولة الجنوبية. وفي المقابل، وفر اكتشاف النفط في المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب حافزًا اقتصاديًا إضافيًا دفع الطرفين نحو مشروع الوحدة.

ورغم موجة الحماس الشعبي التي رافقت إعلان الوحدة، يرى فايرستاين أن التوازن السياسي داخل الدولة الجديدة بدأ ينهار سريعًا. فقيادة الجنوب، التي دخلت الوحدة ضمن صيغة تقاسم شبه متساوٍ للسلطة، كانت تتوقع الحفاظ على نفوذ واسع داخل الجمهورية الجديدة، وربما تحقيق حضور أقوى عبر الانتخابات البرلمانية. غير أن نتائج انتخابات 1993 جاءت لصالح حزب المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح، ما أدى إلى تراجع نفوذ الحزب الاشتراكي الجنوبي بصورة حادة، وولد شعورًا متزايدًا لدى قطاعات جنوبية بأن الوحدة بدأت تتحول تدريجيًا إلى هيمنة سياسية واقتصادية من قبل مراكز القوى الشمالية.

اقتصاديًا، تشير الدراسة إلى أن الجنوب كان يتمتع، قبل الوحدة، بمستوى أفضل نسبيًا في مجالات التعليم والخدمات الصحية والضمانات الاجتماعية، رغم هشاشة اقتصاده وتراجع أهمية ميناء عدن بعد إغلاق قناة السويس لسنوات طويلة. لكن مع انتقال الجنوب إلى النظام الاقتصادي الجديد، بدأت شبكات المحسوبية والرأسمالية المرتبطة بالنخب القبلية والعسكرية الشمالية بالتوسع داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد الجنوبي، ما أدى إلى تآكل كثير من الامتيازات والخدمات التي اعتاد عليها المجتمع الجنوبي خلال مرحلة الدولة الاشتراكية.

ويخلص فايرستاين إلى أن حرب 1994 لم تُنهِ الأزمة بين الشمال والجنوب، بل أعادت إنتاجها بصورة أكثر تعقيدًا. فبعد انتصار قوات صنعاء، توسع النظام الريعي إلى الجنوب، وتعرضت مؤسسات الدولة الجنوبية للتفكيك، كما جرى تسريح أعداد كبيرة من العسكريين والموظفين الجنوبيين، وظهرت اتهامات واسعة بنهب الأراضي والثروات والموارد النفطية. ومن هنا تشكلت، بحسب الدراسة، سرديتان متناقضتان حول الحرب: الأولى تعتبرها ترسيخًا للوحدة اليمنية، والثانية تراها بداية مرحلة "الاحتلال الشمالي" للجنوب.

ومن منظور أوسع، تكشف هذه المرحلة، كما توحي الدراسة، أن أزمة الوحدة اليمنية لم تكن خلاف سياسي بين شطرين سابقين فقط، فهي أيضًا تعبير عن فشل دولة الوحدة في بناء صيغة وطنية عادلة تستوعب التعدد الجغرافي والسياسي داخل اليمن. فالوحدة التي كان يفترض أن تؤسس لدولة وطنية حديثة تحولت تدريجيًا، في نظر كثير من الجنوبيين، إلى امتداد لبنية الهيمنة نفسها التي تشكلت داخل الجمهورية بعد 1962، لكن على نطاق جغرافي أوسع.

ومع أهمية المقاربة التي يقدمها فايرستاين لفهم اختلالات الدولة اليمنية، تبدو الدراسة متأثرة، في بعض جوانبها، بالمقاربات الليبرالية الغربية التي تميل إلى تفسير الأزمات من زاوية التهميش والحوكمة والأقليات السياسية، أكثر من ربطها بالتحولات الجيوسياسية الكبرى التي رافقت نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي. فالوحدة اليمنية جاءت في سياق دولي وإقليمي معقد، تزامن مع انهيار آخر كيان ماركسي في جنوب الجزيرة العربية، وصعود نظام دولي جديد قادته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، وهي عوامل لم تمنحها الدراسة الوزن الكافي في تفسير مسار الوحدة والحرب اللاحقة.

كما أن بعض توصيفات الدراسة للقوى السياسية اليمنية تبدو أقرب إلى التبسيط الجغرافي للصراع، خصوصًا في تصوير حزب المؤتمر الشعبي العام أو التجمع اليمني للإصلاح بوصفهما امتدادًا لـ"الشمال السياسي" في مواجهة الجنوب.

فالواقع السياسي بعد الوحدة كان أكثر تعقيدًا؛ إذ تشكلت الأحزاب الرئيسية داخل إطار الجمهورية اليمنية الموحدة، وامتلكت امتدادات اجتماعية ومناطقية متنوعة. فالمؤتمر الشعبي العام تحول إلى حزب سلطة عابر للمناطق، واحتفظ الحزب الاشتراكي بحضور سياسي وتنظيمي خارج حدود الجنوب اليمني، بينما ضم حزب الإصلاح تركيبة يمنية واسعة من الشمال والجنوب والشرق والغرب، إضافة إلى كونه جزءًا من شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بالسعودية، التي لعبت دورًا مهمًا في رعايته سياسيًا منذ تأسيسه.

ومن هذه الزاوية، فإن اختزال أزمة الوحدة في ثنائية "شمال مهيمن وجنوب مهمش" لا يكفي وحده لتفسير تعقيدات المشهد اليمني بعد 1990، حيث تداخلت الاعتبارات الأيديولوجية والقبلية والإقليمية والدولية داخل بنية الصراع بصورة أكثر تركيبًا مما تعكسه الدراسة أحيانًا.

ويزداد هذا الاختزال وضوحًا عند تناول الدراسة لفكرة الوحدة اليمنية نفسها، إذ تبدو القراءة أحيانًا أقرب إلى تفسير الوحدة بوصفها ترتيبات سلطة وظروفًا دولية عابرة، مع تقليل الوزن التاريخي والوجداني الذي حملته فكرة الوحدة داخل الحركة الوطنية اليمنية الحديثة.

فإصرار الرئيس علي سالم البيض، عشية الوحدة، على خيار الوحدة الاندماجية الكاملة بدل الصيغ الفيدرالية أو الكونفدرالية التي كان يُتوقع أن تكون أقرب إلى حسابات التوازن السياسي، ارتبط برؤية هوياتية وتاريخية تبناها الحزب الاشتراكي اليمني منذ مطلع السبعينيات، تقوم على فكرة "اليمن الواحد" بوصفه امتدادًا حضاريًا وتاريخيًا متجذرًا في جنوب الجزيرة العربية.

والوحدة اليمنية لم تظهر بوصفها نتيجة طارئة للتحولات الدولية في نهاية الحرب الباردة فقط، وإنما مثلت أحد الأحلام المركزية للحركة الوطنية اليمنية الحديثة، وهدفًا رئيسيًا من أهداف الثورة اليمنية 26 سبتمبر و14 أكتوبر.

 فمنذ توقيع اتفاقية الطائف عام 1934 وما رافقها من ترسيم سياسي وتشطير لليمن بين نظام الإمامة في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب، ظل قطاع واسع من النخب اليمنية والقوى الوطنية والثورية في الشطرين ينظر إلى التشطير بوصفه وضعًا مؤقتًا ومفروضًا بقوة الظروف الإقليمية والدولية، لا تعبيرًا نهائيًا عن انقسام الهوية الوطنية اليمنية.

ولهذا بقيت فكرة إعادة تحقيق الوحدة حاضرة في الخطاب السياسي اليمني شمالًا وجنوبًا طوال عقود ما بعد الاستقلال. فالفترة الممتدة بين استقلال الجنوب عام 1967 وإعلان الوحدة عام 1990، والتي لم تتجاوز ثلاثة وعشرين عامًا، شهدت الكثير من الاتفاقيات واللقاءات والمباحثات التي تدعو لإعادة تحقيق الوحدة بين الشطرين، ما يكشف حضور فكرة اليمن الواحد بصورة مستمرة وعميقة داخل الوعي السياسي اليمني الحديث، بوصفها قضية مرتبطة بالهوية الوطنية والتاريخ السياسي لليمن، وبمشروع الدولة اليمنية الحديثة الذي حملته الحركة الوطنية اليمنية منذ بدايات القرن العشرين.

ومن هنا، فإن اختزال تجربة الوحدة لاحقًا في نتائج حرب 1994 أو في اختلالات النظام السياسي بعد الوحدة، يغفل البعد الرمزي والتاريخي الذي حملته لحظة إعادة توحيد اليمن بالنسبة لقطاعات واسعة من اليمنيين شمالًا وجنوبًا. كما ارتبطت كثير من الأزمات التي انفجرت بعد الوحدة بفشل إدارة الدولة والنظام السياسي الوليد، واستمرار النظام الريعي وشبكات النفوذ التقليدية والعسكرية والقبلية، وهي العوامل التي قادت لاحقًا إلى إضعاف فكرة الوحدة نفسها، وإضعاف الثقة بالدولة الجديدة.

 

3.       التمرد الحوثي وحروب صعدة الستة (2004 – 2010)

بالتوازي مع تصاعد الأزمة المرتبطة بالوحدة والجنوب، تتناول الدراسة صعود الحركة الحوثية في محافظة صعدة بوصفه أحد أبرز مظاهر فشل الدولة اليمنية في إدارة التوازنات السياسية والمذهبية والتنموية داخل الجمهورية. ويرى فايرستاين أن جذور الحركة تعود إلى تنامي الشعور بالتهميش الاقتصادي والسياسي داخل مناطق شمال الشمال، إضافة إلى تصاعد القلق في الأوساط الزيدية من تمدد التيارات السلفية المدعومة إقليميًا داخل مناطق النفوذ الزيدي التقليدية خلال الثمانينيات والتسعينيات.

وفي هذا السياق، برزت حركة "الشباب المؤمن" كإطار ديني وثقافي سعى إلى إحياء الهوية الزيدية في مواجهة التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها البلاد. ومع الوقت، تحول حسين بدر الدين الحوثي إلى الشخصية الأبرز داخل هذا التيار، وبدأ بتوجيه انتقادات متزايدة للنظام السياسي، وللعلاقة الوثيقة بين نظام صالح والولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

وتشير الدراسة إلى أن نظام صالح تعامل مع الأزمة الحوثية منذ بدايتها من زاوية أمنية وعسكرية، مع تركيز واضح على البعد الطائفي والسياسي للصراع، حيث جرى تصوير الحوثيين بوصفهم محاولة لإحياء الإمامة الزيدية واستعادة "الحق السلالي" في الحكم، إضافة إلى اتهامهم بتلقي دعم إيراني والسعي إلى إدخال اليمن ضمن دائرة النفوذ الإقليمي الإيراني. ويرى فايرستاين أن هذا الخطاب ساهم في إعادة إحياء الانقسامات التاريخية المرتبطة بثنائية "القحطانيين والعدنانيين" داخل الخطاب السياسي اليمني الحديث.

غير أن الدراسة تميل، في قراءتها للحركة الحوثية، إلى التركيز على عوامل التهميش وضعف التنمية والتمثيل السياسي أكثر من تركيزها على البنية الفكرية والعقائدية الخاصة بالحركة نفسها. فالحوثيون لم يظهروا بوصفهم حركة احتجاج اجتماعي أو تمردًا مناطقيًا فقط، بل حملوا مشروعًا دينيًا وسياسيًا يستند إلى مفهوم "الولاية" والحق الإلهي وإلى إعادة إحياء السردية السلالية داخل المجال السياسي اليمني، وهي الجوانب التي تبدو أقل حضورًا في معالجة فايرستاين مقارنة بالعوامل الاقتصادية والسياسية.

وقد أدى فشل الدولة في احتواء الأزمة، إلى جانب الطبيعة العسكرية التي أُدير بها الصراع، إلى اندلاع ست حروب متتالية في صعدة بين عامي 2004 و2010، من دون أن يتمكن النظام من حسم التمرد أو معالجة جذوره بصورة نهائية. وأسهمت تلك الحروب، مع الوقت، في تعزيز حضور الحوثيين عسكريًا واجتماعيًا، وتحويلهم تدريجيًا من حركة محلية محدودة إلى قوة سياسية وعسكرية أكثر تنظيمًا وتأثيرًا داخل المشهد اليمني.

كما أن الدراسة تكاد تفصل الأزمة اليمنية عن السياق الأوسع للسياسة الأمريكية خلال مرحلة إدارة الرئيس باراك اوباما، وهي المرحلة التي شهدت تحولات كبيرة في مقاربة واشنطن للمنطقة، خصوصًا مع صعود تنظيم داعش، والتقارب الأمريكي ـ الإيراني المرتبط بالمفاوضات النووية، وإعادة ترتيب أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ويكتسب هذا الجانب حساسية إضافية بالنظر إلى أن جيرالد فايرستاين لم يكن باحثًا أكاديميًا معزولًا عن الأحداث، بل كان سفيرًا للولايات المتحدة في اليمن خلال مرحلة مفصلية سبقت سيطرة الحوثيين على صنعاء وترافقت مع أحداث الربيع العربي والحوار الوطني. ولذلك تبدو الدراسة، في بعض مواضعها، أقرب إلى إعادة تفسير الأزمة اليمنية من زاوية بنيوية داخلية، مع تقليل مساحة النقاش المتعلقة بدور السياسات الإقليمية والدولية، ومن بينها السياسة الأمريكية نفسها، في تشكيل موازين القوى التي سمحت بصعود الحوثيين لاحقًا.

كما أن التركيز على إخفاقات النخب اليمنية وحدها يضعف النقاش حول طبيعة المقاربة الدولية التي تعاملت مع الحوثيين خلال مرحلة الحوار الوطني، حيث رأت بعض القوى الغربية في الجماعة طرفًا سياسيًا يمكن دمجه داخل العملية السياسية، في وقت كانت الجماعة تعمل على توسيع نفوذها العسكري والأيديولوجي بصورة متسارعة. وقد أدى هذا التقدير، مع عوامل داخلية وإقليمية أخرى، إلى خلق بيئة سمحت للحوثيين بتعزيز حضورهم السياسي والعسكري وصولًا إلى السيطرة على صنعاء عام 2014.

ومن هذه الزاوية، تبدو الدراسة حريصة على تحميل البنية السياسية اليمنية مسؤولية الانهيار، مع حضور محدود نسبيًا للنقد الذاتي المتعلق بأداء الدبلوماسية الأمريكية وسياسات إدارة أوباما تجاه اليمن والمنطقة خلال تلك المرحلة.

4.       الربيع العربي ومؤتمر الحوار الوطني (2011 – 2014)

ترى الدراسة أن انتفاضة 2011 ضد نظام علي عبد الله صالح فتحت نافذة جديدة لإعادة صياغة الدولة اليمنية ومعالجة الاختلالات المتراكمة منذ عقود. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية والانقسام داخل مؤسسات الدولة والجيش، جاءت المبادرة الخليجية بوصفها إطارًا سياسيًا لنقل السلطة وتجنب انهيار الدولة بصورة شاملة، لينتقل الحكم لاحقًا إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي وتبدأ مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تؤسس لبناء نظام سياسي جديد أكثر شمولًا وتمثيلًا.

وفي هذا السياق، انعقد مؤتمر الحوار الوطني بين عامي 2013 و2014 بمشاركة أكثر من خمسمائة مندوب، مثلوا للمرة الأولى طيفًا واسعًا من القوى السياسية والاجتماعية، بما في ذلك النساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني والحراك الجنوبي والحوثيون. وتتعامل الدراسة مع مؤتمر الحوار بوصفه واحدة من أكثر المحاولات السياسية شمولًا في تاريخ اليمن الحديث، حيث ناقش قضايا الحكم والدستور والعدالة الانتقالية وهيكلة الجيش والتنمية وشكل الدولة.

وتشير الدراسة إلى أن المؤتمر قدم ما يقارب 1800 توصية لمعالجة أزمات الدولة اليمنية، وكان المشروع الأكثر جدلًا داخله هو تحويل اليمن إلى دولة اتحادية من ستة أقاليم. فقد رأت أطراف سياسية أن الفيدرالية تمثل محاولة لمعالجة اختلالات المركزية التاريخية وتوسيع المشاركة المحلية، بينما اعتبر الحوثيون وقطاعات من الحراك الجنوبي أن تقسيم الأقاليم المقترح لا يحقق توازنًا عادلًا في توزيع السلطة والثروة، ويهدف إلى محاصرة نفوذهم الجغرافي والسياسي. وقد تحول الخلاف حول خريطة الأقاليم وحدودها إلى أحد أبرز أسباب انهيار التوافق السياسي خلال المرحلة الانتقالية.

غير أن الدراسة تميل إلى تقديم مؤتمر الحوار الوطني بوصفه فرصة تاريخية ضائعة كان يمكن أن تقود إلى إعادة بناء الدولة اليمنية لو جرى تنفيذ مخرجاته بصورة فعلية، مع تركيز واضح على مسؤولية القوى اليمنية في إفشال العملية الانتقالية. وفي المقابل، تبدو أقل اهتمامًا بمناقشة حجم التناقضات البنيوية التي أحاطت بالحوار نفسه، بما في ذلك ضعف الدولة، والانقسام العسكري، واستمرار نفوذ شبكات صالح داخل مؤسسات الحكم، إضافة إلى اتساع الفجوة بين النخب السياسية المشاركة في الحوار وبين الواقع الاجتماعي والقبلي والعسكري على الأرض.

كما أن جزءًا من القوى اليمنية نظر إلى الحوار الوطني بوصفه عملية سياسية جرى تصميمها وإدارتها تحت إشراف إقليمي ودولي واسع، مع حضور مؤثر للدبلوماسية الغربية والأممية، الأمر الذي جعل بعض مخرجاته تبدو، بالنسبة لخصومه، أقرب إلى تسويات بين النخب السياسية منها إلى مشروع وطني قادر على إنتاج توازن مستقر داخل البلاد. وفي هذا السياق، لم يكن اعتراض الحوثيين على مشروع الأقاليم الفيدرالية مرتبطًا فقط بتقسيم إداري أو جغرافي، بل ارتبط أيضًا بصراع أعمق حول شكل الدولة الجديدة، وموقع الجماعة داخلها، وطبيعة توزيع النفوذ والثروة في اليمن ما بعد 2011.

5.       انهيار المرحلة الانتقالية واقتصاد الحرب

ترى الدراسة أن المرحلة الانتقالية التي أعقبت مؤتمر الحوار الوطني انهارت بصورة متسارعة في خريف عام 2014، عندما تمكن الحوثيون، بدعم من القوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، من اجتياح العاصمة صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة. وتربط الدراسة هذا الانهيار بضعف السلطة الانتقالية، والانقسامات داخل الجيش والأجهزة الأمنية، إضافة إلى فشل النخب السياسية في الحفاظ على التوافق الذي نشأ بعد 2011.

ومع توسع الحوثيين جنوبًا ووصولهم إلى عدن، تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس 2015 دعمًا للحكومة المعترف بها دوليًا، ليتحول الصراع من أزمة سياسية داخلية إلى حرب إقليمية أكثر تعقيدًا. غير أن فايرستاين يؤكد أن الحرب اليمنية، رغم أبعادها الإقليمية الواضحة، بقيت في جوهرها حربًا أهلية داخلية ترتبط بصراعات السلطة والثروة وفشل بناء الدولة، وليست مجرد حرب بالوكالة بين قوى إقليمية متنافسة. وهي من أكثر النقاط تماسكًا وأهمية في الدراسة، لأنها تتجاوز التفسير الاختزالي الذي يحصر الأزمة اليمنية في بعدها الإقليمي، وتعيد ربطها بالبنية الداخلية للدولة اليمنية واختلالاتها التاريخية.

ومع ذلك، تبدو الدراسة أقل توسعًا في تناول التحولات التي طرأت على طبيعة الصراع بعد تدخل التحالف العربي، خصوصًا مع بروز مشاريع سياسية وعسكرية جديدة داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه. فالدراسة لا تمنح مساحة كافية لدراسة أثر الدعم الإقليمي لبعض القوى الانفصالية في جنوب اليمن، وهو العامل الذي أسهم في تعقيد المشهد اليمني بصورة أكبر، وأدى إلى تعدد مراكز القوة والسلاح داخل المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين، وإلى إضعاف قدرة الدولة اليمنية على استعادة مركزها الموحد خلال سنوات الحرب.

كما أن انتقال الصراع من مواجهة رئيسية بين الدولة اليمنية والحوثيين إلى شبكة متداخلة من الصراعات المحلية والإقليمية والمشاريع المتنافسة، ضاعف كلفة الحرب وأطال أمدها، وأضعف قدرة الدولة اليمنية على استعادة تماسكها المؤسسي والجغرافي. وفي هذا السياق، لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بمواجهة الانقلاب الحوثي، بل امتدت إلى صراع أوسع حول شكل الدولة اليمنية نفسها، ووحدة أراضيها، وطبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ بعد الحرب.

وتولي الدراسة اهتمامًا كبيرًا لما تسميه "اقتصاد الحرب"، بوصفه أحد أبرز العوامل التي ساهمت في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية السياسية. فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنسبة كبيرة، وتوقفت مرتبات مئات الآلاف من الموظفين، في مقابل توسع اقتصاد موازٍ قائم على التهريب والسوق السوداء والجبايات ونقاط التفتيش. وتشير الدراسة إلى أن مختلف أطراف الصراع طورت، مع الوقت، شبكات مصالح اقتصادية مرتبطة باستمرار الحرب، الأمر الذي جعل إنهاء الصراع أكثر تعقيدًا من مجرد التوصل إلى اتفاق سياسي بين القوى المتحاربة.

كما يلفت فايرستاين إلى أن الحوثيين تمكنوا من بناء مصادر تمويل كبيرة عبر سيطرتهم على مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لهم، خصوصًا من خلال الضرائب والجمارك وعائدات ميناء الحديدة، حيث تشير الدراسة إلى أن الجماعة تجني ما يصل إلى 30 مليون دولار شهريًا من هذه الموارد، وهو ما وفر لها قدرة مالية ساعدتها على تعزيز نفوذها العسكري والإداري خلال سنوات الحرب. وفي المقابل، ساهم الانقسام داخل معسكر الشرعية وتعدد مراكز النفوذ المحلية والإقليمية في إضعاف قدرة الحكومة المعترف بها دوليًا على استعادة مؤسسات الدولة بصورة فعالة.

 

غير أن الدراسة، رغم أهميتها في تحليل الاقتصاد الريعي وشبكات المصالح المرتبطة بالحرب، تبدو أقل توسعًا في مناقشة التحولات الإقليمية والدولية التي ساهمت في إطالة أمد الصراع، سواء عبر تضارب أجندات القوى الإقليمية، أو عبر طبيعة المقاربة الدولية التي تعاملت مع الأزمة اليمنية في كثير من الأحيان بوصفها ملفًا أمنيًا وإنسانيًا أكثر من كونها أزمة دولة وسيادة وهوية سياسية. كما أن الحرب، مع مرور الوقت، تحولت إلى شبكة معقدة من المصالح العسكرية والاقتصادية والإقليمية المتداخلة، الأمر الذي جعل إعادة بناء الدولة اليمنية أكثر صعوبة وتعقيدًا.

 

6.       الاستنتاجات والتوصيات

يخلص فايرستاين إلى أن فشل اليمنيين في إنهاء دوامة العنف المستمرة منذ عقود لا يعود إلى عجزهم عن فهم مشكلاتهم أو غياب التصورات السياسية لمعالجتها، بل إلى الفشل المتكرر في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه خلال مختلف المراحل التاريخية. ويرى أن الصيغة العامة للحل ظلت تتكرر بصورة لافتة منذ ستينيات القرن الماضي، وتمحورت حول عدد من المبادئ الأساسية، في مقدمتها اللامركزية الإدارية، وتوسيع الحكم المحلي، وبناء هيكل دولة اتحادية أكثر عدالة، وضمان التمثيل السياسي والبرلماني للمناطق والفئات المهمشة، إضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية ومواجهة النظام الاقتصادي "الاستخراجي" القائم على احتكار السلطة والثروة من قبل النخب التقليدية.

وفي هذا السياق، تقدم الدراسة الفيدرالية بوصفها أحد المخارج الممكنة للأزمة اليمنية، غير أن التجربة اليمنية الحالية تكشف أن أي نموذج اتحادي لا يمكن أن ينجح في ظل غياب الدولة المركزية القادرة، واستمرار تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، وغياب التوافق الوطني الحقيقي حول شكل الدولة ووظيفتها. فالفيدرالية، في السياق اليمني الراهن، لا ترتبط فقط بإعادة توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، بل تتطلب وجود مؤسسات دولة مستقرة، وبنية إدارية ومالية وقانونية قادرة على إدارة هذا التحول المعقد.

كما أن تطبيق نموذج اتحادي واسع في بلد يعاني من انهيار اقتصادي وتشظٍ مؤسسي وضعف شديد في البنية التحتية والخدمات الأساسية، يطرح أسئلة عملية تتعلق بقدرة الدولة على تمويل هذا النموذج وإدارته. فاليمن، حتى قبل الحرب، كان يعاني من ضعف الإدارة المحلية وغياب كثير من المقومات الأساسية للدولة الحديثة، بدءًا من البنية المؤسسية والخدمات، وصولًا إلى قواعد البيانات وأنظمة التسجيل والإدارة المدنية وشبكات الإدارة المالية المستقرة. ومع انهيار الدولة المركزية بعد 2014، أصبحت أي صيغة اتحادية مطروحة أقرب إلى تصور سياسي نظري منها إلى نموذج قابل للتطبيق الفعلي في المدى المنظور.

ومن هذه الزاوية، تبدو استعادة الدولة المركزية وبناء مؤسساتها الأساسية شرطًا سابقًا لأي نقاش جاد حول الفيدرالية أو إعادة هيكلة الدولة اليمنية مستقبلًا.

وترى الدراسة أن كثيرًا من هذه الأفكار طُرحت مرارًا في محطات مختلفة من التاريخ اليمني الحديث، بدءًا من النقاشات التي أعقبت ثورة 1962، مرورًا بتجربة الوحدة اليمنية، ووصولًا إلى مؤتمر الحوار الوطني بعد 2011. غير أن المشكلة، بحسب فايرستاين، ظلت تكمن في غياب الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية على تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها، إضافة إلى استمرار نفوذ مراكز القوى القبلية والعسكرية والاقتصادية التي استفادت من بقاء الدولة في حالة ضعف وهشاشة.

وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة أن أي تسوية سياسية مستقبلية ترعاها الأمم المتحدة أو القوى الإقليمية لن تحقق استقرارًا مستدامًا ما لم تترافق مع إصلاحات حقيقية في بنية الدولة اليمنية، تشمل بناء مؤسسات حكم محلية أكثر كفاءة، وتوسيع المشاركة السياسية، والحد من احتكار النخب التقليدية للسلطة والثروة، إضافة إلى إيجاد آليات عملية تضمن تنفيذ الاتفاقات السياسية وعدم تحولها إلى تفاهمات مؤقتة سرعان ما تنهار مع تغير موازين القوى.

تكمن أهمية دراسة فايرستاين في أنها تنقل النقاش حول اليمن من فكرة "الحرب الطارئة" إلى مفهوم "الأزمة البنيوية الطويلة" المرتبطة بفشل بناء الدولة وتراكم اختلالاتها عبر عقود. وفي الوقت نفسه، تكشف الدراسة حدود بعض المقاربات الدولية التي تتعامل مع اليمن بوصفه ملفًا يتعلق بإدارة الدولة والحوكمة وتسوية النزاعات، بينما يتداخل الواقع اليمني مع أسئلة أكثر تعقيدًا تتصل بالهوية، والسلطة، والتاريخ، وشكل الدولة الوطنية، والعلاقة بين المجتمع والدولة، وبين الوحدة والتنوع الاجتماعي والسياسي، وبين الإرث التقليدي ومشروع الجمهورية الحديثة.

ولهذا، فإن فهم الأزمة اليمنية لا يكتمل عبر تتبع مسارات الحرب وحدها، بل يتطلب قراءة أعمق لمسار تشكل الدولة اليمنية الحديثة، والتحولات التي أصابت بنيتها السياسية والاجتماعية منذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر، مرورًا بالوحدة اليمنية، وصولًا إلى الحرب الراهنة بكل تشابكاتها المحلية والإقليمية والدولية.

 

 ملاحظات نقدية وتوسيع للقراءة

أزمة الهوية الوطنية ومأزق الجمهورية اليمنية

ومن الجوانب التي تبدو أقل حضورًا في دراسة فايرستاين، مسألة الهوية الوطنية اليمنية والتحولات التي أصابتها بعد قيام النظام الجمهوري. فالدراسة تركز بصورة كبيرة على اختلالات الدولة والاقتصاد والحوكمة، لكنها تتوقف بدرجة أقل عند أزمة بناء الهوية الجمهورية نفسها، والتناقضات التي رافقت انتقال اليمن من مجتمع تقليدي تحكمه الولاءات القبلية والمذهبية والمناطقية إلى دولة حديثة كان يُفترض أن تقوم على المواطنة والمؤسسات.

فمنذ ثورة 1962، دخل اليمن في صراع طويل بين مشروع الدولة الجمهورية الحديثة وبين البنى التقليدية التي استمرت في إعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة الجديدة. ومع مرور الوقت، لم تنجح النخب السياسية والثقافية في إنتاج مشروع وطني جامع قادر على دمج القبيلة، والمذهب، والمناطق، والذاكرة التاريخية، داخل تصور حديث للدولة والهوية الوطنية.

وقد انعكس هذا الإخفاق بصورة واضحة في مسار الجمهورية اليمنية نفسها؛ حيث بقيت الهويات الفرعية ـ القبلية والمناطقية والسلالية والحزبية ـ أكثر حضورًا وتأثيرًا من الهوية الوطنية الجامعة في كثير من مراحل الصراع. كما تحولت الجمهورية، في نظر قطاعات مختلفة من اليمنيين، من مشروع تحرري وتحديثي إلى ساحة صراع بين مراكز النفوذ التقليدية، الأمر الذي أضعف الثقة بالدولة، وفتح المجال أمام عودة مشاريع ما قبل الدولة، سواء بصيغ مذهبية أو مناطقية أو سلالية.

ومن هذه الزاوية، تبدو الأزمة اليمنية أعمق من مجرد أزمة سلطة أو تقاسم ثروة، إذ ترتبط أيضًا بتعثر مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة، وبفشل النخب الجمهورية المتعاقبة في تحويل فكرة الجمهورية والوحدة إلى هوية سياسية جامعة ومستقرة داخل المجتمع اليمني.

 

ما بعد 2019: تحولات الحرب والدولة

كما أن السنوات التي تلت صدور الدراسة عام 2019 أظهرت أن كثيرًا من استنتاجات فايرستاين المتعلقة بطبيعة الحرب اليمنية كانت أقرب إلى التشخيص البنيوي طويل المدى منها إلى توصيف ظرفي مرتبط بمرحلة معينة. فقد شهد اليمن خلال السنوات اللاحقة مزيدًا من تفكك السلطة المركزية، وتوسع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، وتعقد العلاقة بين القوى الإقليمية الفاعلة في الحرب، بالتوازي مع تعمق اقتصاد الحرب وتحول شبكات النفوذ العسكرية والاقتصادية إلى جزء من بنية الصراع نفسها.

كما كشفت التطورات اللاحقة، خصوصًا بعد التقارب السعودي ـ الإيراني، وحرب غزة، وتصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، عن تحول الجماعة الحوثية من حركة محلية متمردة داخل الدولة اليمنية إلى فاعل إقليمي مرتبط بمحور سياسي وعسكري عابر للدولة، يمتلك تأثيرًا يتجاوز الحدود اليمنية. وفي المقابل، استمرت الدولة اليمنية في التراجع والتشظي، مع تعدد مراكز السلطة والنفوذ، وتزايد اعتماد القوى المحلية على الدعم الخارجي، الأمر الذي جعل الحرب تبدو، مع مرور الوقت، أقرب إلى بنية سياسية واقتصادية مستدامة، لا مجرد صراع مؤقت قابل للحسم السريع.

وفي المحصلة، تكشف دراسة فايرستاين، رغم ما تحمله من اختزالات أو زوايا نظر مرتبطة بالمقاربة الأمريكية للأزمة اليمنية، أن الحرب الراهنة ليست حدثًا منفصلًا عن تاريخ الدولة اليمنية الحديثة، بل نتيجة تراكم طويل لاختلالات السلطة والهوية وبنية الدولة. غير أن التطورات اللاحقة لصدور الدراسة أظهرت أيضًا أن الأزمة اليمنية تجاوزت، مع الوقت، كثيرًا من التفسيرات التقليدية، لتتحول إلى أزمة دولة وهوية وسيادة إقليمية متشابكة، ما يجعل أي تسوية مستقبلية مرهونة بإعادة بناء فكرة الدولة الوطنية نفسها، لا مجرد وقف الحرب أو إعادة توزيع السلطة بين القوى المتصارعة.

 

مقالات قد تهمك

دراسة حديثة لمنظمة سام: إعلان الرئيس هادي نقل السلطة التزام شخصي ولا يوجد ما يمنعه عن التراجع    
دراسات

دراسة حديثة لمنظمة سام: إعلان الرئيس هادي نقل السلطة التزام شخصي ولا يوجد ما يمنعه عن التراجع   

إعلان الرياض قراءة دستورية أكدت دراسة صدرت اليوم عن منظمة سام للحقوق والحريات بعنوان ” إعلان الرياض قراءة دستورية ” على أن إعلان الرئيس عبد ربه منصور هادي بنقل السلطة...

منذ 3 سنوات
دراسة في كتاب للدكتور فيصل علي عن يمنيون والمؤسسة العربية تتناول تأثير تدخل الإمارات في اليمن 2022
دراسات

دراسة في كتاب للدكتور فيصل علي عن يمنيون والمؤسسة العربية تتناول تأثير تدخل الإمارات في اليمن 2022

حمل نسختك من كتاب تدخل الإمارات في الشأن اليمني وتداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية دراسة عن تدخل الإمارات في الشأن اليمني وتداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية أظهرت دراسة جديدة بعنوان”...

منذ 4 سنوات