التاريخ المتجدد

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يقدّم أستاذ التاريخ والآثار القديمة في جامعة صنعاء، أ.د. عارف المخلافي، في هذا النص طرحًا فكريًا جديدًا تحت عنوان «التاريخ المتجدد»، وهو مصطلح يعيد قراءة التراث الفكري الإسلامي في ضوء المناهج الحديثة لفلسفة التاريخ.

 يقدّم أستاذ التاريخ والآثار القديمة في جامعة صنعاء، أ.د. عارف المخلافي، في هذا النص طرحًا فكريًا جديدًا تحت عنوان «التاريخ المتجدد»، وهو مصطلح يعيد قراءة التراث الفكري الإسلامي في ضوء المناهج الحديثة لفلسفة التاريخ.

يرى الكاتب أن النتاج الفكري للمسلمين كان، وما يزال، قادرًا على التجدد والتفاعل مع التحولات الكبرى في المعرفة الإنسانية، وأنه سبق كثيرًا من المناهج الغربية في تفكيك العلاقات اللغوية والاجتماعية والثقافية ضمن إطار الوحدة الحضارية للأمة.

يمثل النص محاولة لتأصيل مصطلح منهجي جديد يصف حيوية هذا التراث في مقابل مفاهيم مثل «التاريخ الجديد» و«التفكيكية» و«البنيوية»، ويعيد الاعتبار للجهود الفكرية التي تراكمت عبر قرون داخل الثقافة الإسلامية.

                                             أ.د عارف المخلافي  أستاذ التاريخ والآثار القديمة في جامعة صنعاء  

dr_arefahmed@hotmail.com 

 

“التاريخ المتجدد”: هو مصطلح جديد قدمته سنة 2023م في بحث نشر بمجلة الآداب جامعة ذمار، لتأطير مجمل النتاج الفكري للمسلمين. على غرار “التاريخ الجديد” لجاك لوغوف، ولكن ليس تفكيكيًا متباعدًا مثله، بل يفكك في إطار الوحدة الحضارية للأمة، وبذلك نكون قد أنصفنا العقل المنتج في الحضارة الإسلامية الذي لم يكن يومًا جامدًا كما يعمل البعض على وصمه، بل كان وما يزال حيًا يتجدد مع كل معرفة وليدة، سواء أكانت تاريخية أم فلسفية أم اجتماعية أم أدبية. ومن ثم فالنتاج الفكري للمسلمين ميادين تتسع لكل شيء، وبحر يضم كل مجهول ومعلوم، وتنوع لا تضاهيه سوى الطبيعة بتنوعها ومجاهيلها، وسلامها وصراعاتها، وجمالها وهيجانها، ولهذا السبب كان فكرًا فاعلًا في الماضي واستمر فكرًا متجددًا في الحاضر.

لقد شهد القرن العشرون الميلادي قفزة هائلة في مجال الفكر التاريخي، بدأت متأثرة بالنظريات الكبرى التي أدارت الصراع بين الماركسية والرأسمالية وأتباعهما، ثم توسعت بظهور العديد من الفلاسفة، وفلاسفة التاريخ، الذين تفننوا في صناعة الأفكار بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وهذه الصناعات في حقيقة الأمر تجاوزت العقل لتمخر عباب الخيال والفرضيات، ثم تجمع الشواهد لإقناع القارئ أنها قدمت أسسًا ثابتة لبناء المعايير الفكرية بِكُلّيتها، لدرجة أن بعضهم أنكر وجود التاريخ بطريقة تعسفية، والبعض الآخر نزع عينيه، ووضع عينين بديلتين ليرى من خلالهما ما يتوهمُه هو لا ما يراه واقعًا. هذا التوجه قاد إلى صراع فكري مرير بلغ حد تخوين العقل، وبخاصة الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية. 

لكن الأمر تحول جذريًا منذ سبعينات القرن العشرين تقريبًا، فصار الجدل ليس بين الفلاسفة وفلاسفة التاريخ وحسب، بل شب عن طوق الأيديولوجيات ليشمل قراءة التاريخ العالمي والحركة الاجتماعية قراءاتٍ فلسفيةً، واجتماعيةً، ولُغويةً، ونفسيةً متفقة أحيانًا ومتناقضة في كثير من الأحيان؛ لدرجة أنك تشعر وكأن الرغبة في التفرد هي من يحكم ذلك النتاج الفكري، ومع ذلك، فأن تنتج وتنافس وتصارع وتدافع وتتفرد وتتفق أو تختلف أفضل من الركون إلى مسيرة الأفكار القادمة إلينا من الآخر بدون تعب، بل وتَفْرِضُ نفسها كثقافة بديلة ومنطلقات لبناء الأفكار والتصورات بشكل تبعية ثقافية أكثر منها تكاملًا حضاريًا.

وفي ضوء ذلك أستطيع القول إن فكرة “التاريخ المتجدد” هي المصطلح اللائق الذي توصلت إليه، والذي يستخدم لأول مرة كمصطلح تاريخي يعبر عما قدمه علماء المسلمين من إبداعات نكتشفها مع ظهور كل مصطلح جديد في أوربا والغرب عمومًا. وأحيانًا نسمع أصداء لهذا المصطلح في سياق الكتابات الصحفية، وخطب القادة، وغير ذلك كتعبير سياقي لا أكثر، كقولهم “الثقافة المتجددة، والفكر المتجدد، والنشاط المتجدد..”. لكن أن يستخدم علميا ومنهجيًا كمصطلح تاريخي محض ليعبر عن تجدد جهود المؤرخين المسلمين ومكانتها بين النتاج الفكري العالمي في مقابل فكرة “التاريخ الجديد” و”التفكيكية”، والبنيوية، فنزعم أنه يستخدم لأول مرة.

لقد رأيت أن الأجدر بهذا التراث الفكري الإنساني العميق والمتنوع أن يكون له مصطلح يأخذ مكانه بين المصطلحات الجديدة التي باتت تملأ المكتبات وتحدث أجراسًا وإيقاعات مؤثرةً ولافتةً لدى القارئ والمهتم.

إن الكنوز المعرفية التي أنتجتها عقول المسلمين لا حد لها ولا طرف، وهي معروفة وشائعة وفاعلة، ولكن محتوياتها باتت تؤخذ بلا هوادة ليعاد تقديمها لنا تحت مصطلحات مثيرة ولافتة. فإذا كانت البنيوية مثلًا تُعنى بدراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الأساسية، اللغوية والثقافية والاجتماعية، وهي كذلك لا تسعى لاكتشاف هذه العلاقات وحسب لكنها تقترحها بعد تفكيكها لتكون هي البديل الجاهز الذي تُدثرُ به التاريخ كثوب من صنعها بدلًا عن ثوبه الذي صنعه الإنسان بشكل أفعال تراكمية عبر آلاف السنين، فإن علماء المسلمين قد سبقوا في تفكيك تلك العلاقات إلى جزئيات صغيرة غصت بها مؤلفاتهم، بل تميزوا بأن كل ما قدم جاء في سياق الوحدة الفكرية والحضارية للأمة، حتى في حال اختلاف الفِرَق والمذاهب وتنافرها، وفقًا لمفاهيم أنتجتها ظروف متغيرة حملتها للأجيال على علاتها كفروع متنوعة ومتغيرة، إلا أنها بجملتها تعود إلى الأصل المشترك الثابت الذي لا يتجزأ ولا يتبدل.

إن مصطلح “التاريخ المتجدد” الذي قدمته في هذا البحث هو منهج جديد لقراءة التاريخ وكتابته، كما أنه في الوقت نفسه توصيف جديد لفكر قائم منذ قرون خلت، ومجال محفز لتوسيع دائرة قراءة موروث الأمة الفكري وكتابته من خلال الاهتمام بالجزئيات التي أدخلت بقصد أو بغير قصد في خزينة العيب، أو في سلة مهملات المعارف العامة، في مقابل التركيز على الحيز الظاهر والمثير والقوي في ذلك الموروث. 

وهنا تكمن أهمية المصطلح الجديد الذي سيكون دافعاً لدراسات دقيقة تماثل اهتمامات مجالات الأفكار والمصطلحات الغربية، خاصة أن تراثنا المتجدد شابٌّ لا يشيخ كونه نابعا من وجدان الأمة وحياتها اليومية وفكرها التراكمي العابر للقرون دون كلل أو ملل، حتى حين أراد البعض إخراجه من دائرة الاهتمام والتعويل، نجد صداه ونحن نقرأ جديد الآخر الذي يثيرنا ويجعلنا نتسابق على نشر خبره في كل مجال يؤمه المثقفون، بل ننصب أنفسنا محامين له.

بالتأكيد فإن الكاتب هنا لا يدّعي التفرد، ولا يدعو لمقاطعة ذلك الآخر أو تجاهل نتاجه الرائع، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، ولا نستطيع فعل ذلك، بل يؤكد على ضرورة عدم الانتظار لما سيقدمه الآخر، وعلينا المبادرة ما دمنا نمتلك موروثًا فكريًا غنيًا، بحره عميق، وثراؤه كبير، وتناوله مثير ومفيد وجميل.

إننا نجد ثروة فكرية هائلة عند الجاحظ (255ه/ 868م)، في (البخلاء، والبيان والتبيين، والتبصرة بالتجارة، والحيوان، والرسائل، والمحاسن والأضداد، والحنين إلى الأوطان، والتاج في أخلاق الملوك، ومفاخرة الجواري والغلمان، والتربيع والتدوير، والبرصان والعرجان والعميان والحولان)، وابن قتيبة (ت. 276ه/ 889م)، (في المعارف)، وابن عبد ربه الأندلسي (ت. 328ه / 940م)، (في طبائع النساء)، والأصفهاني (ت 356 ه/ 976 م)، (في الأغاني)، والثعالبي (ت 429 ه / 1038م)، (في فقه اللغة)، والماوردي (ت 450 ه/ 1058م)، (في الأحكام السلطانية)، وابن حزم الأندلسي (ت 456 ه/ 1064م)، (في الرسائل، وطوق الحمامة)، والميداني (ت 518 ه / 1124م)،(في الأمثال)، والملك المظفر الرسولي (647 – 694 ه / 1249 – 1295م)، (في المعتمد)، والجندي (ت 732 ه /1354م)، (في السلوك)، والكتبي (ت 764 ه / 1363م)، (في عيون التواريخ)، (في والخزرجي (ت. 812 ه / 1410م)، (في العقد الفاخر). وغير ذلك من آلاف الكتب المطبوعة والمخطوطة التي لا يوجد دارس يكتب في معرفة عميقة إلا ويؤصل لها من ذلك التراث، ولذلك فهو ليس جامدًا أو بغير فائدة، وإنما “تاريخ متجدد” عابر للأجيال والأفكار، يفرض نفسه عند كل فكرة إبداعية أو سردية. 

رابط البحث كاملًا

مقالات قد تهمك