ملخص الورقة
تبحث هذه الورقة في الطريقة التي استقرت بها ثورة 26 سبتمبر 1962 في الذاكرة الوطنية اليمنية، وفي العناصر التي احتفظت بها هذه الذاكرة والعناصر التي تراجع حضورها. فقد تركزت السردية العامة حول إسقاط حكم بيت حميد الدين، وإعلان الجمهورية، وبطولات الضباط الأحرار، وحرب الدفاع عن النظام الجمهوري، وحصار السبعين. وحفظت الشعلة والعلم والأغنية والخطاب السنوي هذه الوقائع والرموز، وأسهمت في نقلها بين الأجيال.
جمع الهدف الأول للثورة بين إقامة الحكم الجمهوري العادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات. حققت الثورة تحولًا سياسيًا حاسمًا، وفتحت مجالات واسعة للتعليم والعمل والحراك الاجتماعي، لكنها لم تستكمل تفكيك الهرم الاجتماعي والديني الذي عززته الإمامة. بقي النسب مصدرًا للمكانة، واستمرت قيود مرتبطة بالزواج والمهنة والأصل، وظلت الفئات الموضوعة في أسفل السلم الاجتماعي تعاني الوصمة والإقصاء. ثم أضافت التجربة الجمهورية امتيازات عسكرية وقبلية وحزبية ومالية جديدة.
تتناول الورقة أثر ضعف التنوير، وانكماش المشاركة الشعبية في إحياء الذكرى، وتناقض ممارسات السلطة مع أهداف الثورة، في إضعاف الرواية الجمهورية. كما تناقش استمرار سردية الإمامة في الأسرة والمجلس، واستعادة الذاكرة السبتمبرية بعد انقلاب الحوثيين، وحدود بناء الوعي الجمهوري على رفض الجماعة وحده.
وتستفيد من دراسات الذاكرة وتجارب الثورات الأمريكية والفرنسية والروسية لفهم انتقال الذكرى بين الأجيال، ودور الثقافة والمشاركة والمؤسسات في حفظها، ومخاطر احتكار السلطة لروايتها. وتخلص إلى أن حماية سبتمبر تستدعي ثورة ثقافية تصل أهدافها بالتعليم والإعلام والفنون والعلاقات اليومية، وتجعل الاحتفال السنوي موعدًا لمراجعة عمل مستمر.
مقدمة
أسقطت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر حكم الإمامة، وأعلنت الجمهورية. لكن سقوط النظام لم يُنهِ جميع العلاقات الاجتماعية والدينية التي أسندته. غادر بيت حميد الدين السلطة، وبقيت مراتب موروثة تؤثر في قيمة الإنسان وفرصه وموقعه داخل المجتمع.
فتحت الجمهورية الطريق أمام التعليم العام وبناء الجيش والإدارة والانفتاح على العالم. ثم خاض اليمنيون حربًا طويلة للدفاع عن النظام الجديد، فتحولت الثورة إلى تجربة ممتدة في القتال والبناء والصراع على مستقبل الدولة. نشأت أجيال داخل الجمهورية، واتسعت أمامها إمكانات لم تكن متاحة لآبائها.
حفظت الذاكرة السبتمبرية هذا التحول السياسي والعسكري: إسقاط الإمامة، وإعلان الجمهورية، والدفاع عنها. أما المشروع الاجتماعي الوارد في أهداف الثورة، وبصورة خاصة إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، فلم يحظ بالمكانة نفسها في السردية العامة. نردد الهدف الأول كاملًا في المناسبات، لكن بناء الحكم العادل والمساواة لا يتحول غالبًا إلى معيار لمراجعة التجربة الجمهورية وواقع المجتمع.
يتعلق السؤال هنا بما نتذكره من الثورة، وما ننقله عنها، وما نمارسه باسمها. فالذاكرة لا تحتفظ بالماضي كاملًا؛ تنتقي أحداثًا وشخصيات ورموزًا، ثم تنقلها عبر الأسرة والمدرسة والإعلام والأغنية والاحتفال والمؤسسة.
ويتلقى المواطن معنى الجمهورية من تجربته أيضًا: من فرصه في التعليم والعمل، ومن معاملته أمام القانون، ومن الطريقة التي تُوزع بها الوظائف والموارد والنفوذ. وحين تتناقض هذه التجربة مع أهداف سبتمبر، تضعف صدقية الرواية التي تقدمها السلطة عن الثورة.
أعاد انقلاب الحوثيين أسئلة سبتمبر إلى حياة اليمنيين، واستعاد العلم والشعلة والأغنية حضورًا شعبيًا قويًا. لكن استجابة الذاكرة للخطر لا تحسم مسألة استمرارها. بعد انتهاء الاحتفالات، يبقى السؤال عن موقع الثورة في تكوين المجتمع، وعن قدرتها على مواجهة التمييز والامتياز طوال العام.
كيف تعيش الثورة في ذاكرة المجتمع؟
الذاكرة الجمعية للثورة هي الروايات والصور والرموز والممارسات التي يتداولها اليمنيون عن سبتمبر، ويستخدمونها في فهم علاقتهم بالدولة وببعضهم. تتكون في الأسرة والمدرسة والمجلس والإعلام والفنون والاحتفال، وتتجدد بتجارب الأجيال. ويظهر حضورها حين يستطيع المواطن وصل تاريخ الثورة بمعنى الجمهورية والمساواة وحقوقه في الحاضر.
يوضح بول كونرتون، في «كيف تتذكر المجتمعات»، أن الذاكرة تنتقل بواسطة المراسم والممارسات المتكررة، وأن المشاركة الجسدية في الطقس تسهم في حملها. ومن هذه الزاوية تؤدي شعلة سبتمبر والعلم والأناشيد والمسيرات وظيفة محسوسة في وصل الأجيال بالمناسبة. [1]
ويقدم بيير نورا مفهوم «مواقع الذاكرة»، وهي الأماكن والأيام والرموز والنصوص التي تتجمع حولها معاني الماضي. ويمكن النظر إلى يوم 26 سبتمبر والشعلة وبيان الثورة وإذاعة صنعاء وأغانيها وصور قادتها وشهدائها بوصفها مواقع للذاكرة اليمنية. تحفظ هذه المواقع الحدث، وتحتاج إلى معرفة متجددة تمنع اختزال معناه في الرمز وحده. [2]
وتتكون الذاكرة الوطنية من المعاني المشتركة التي تصل تجارب اليمنيين المتعددة بتاريخ وطنهم. تشمل التحرر من الإمامة والاستعمار، وبناء الجمهورية والاستقلال والوحدة. ويقتضي بناؤها استيعاب مساهمات المناطق والفئات المختلفة، بحيث يجد اليمني تجربة مجتمعه وأسرته ضمن تاريخ وطنه.
غير أن كثرة الخطابات والصور لا تخبرنا وحدها بما استقر لدى الجمهور. يلفت وولف كانشتاينر الانتباه إلى ضرورة وصل إنتاج الرواية بتلقي الناس لها واستخدامهم إياها. فوجود الثورة في كتاب مدرسي أو احتفال رسمي يثبت حضورها المؤسسي، أما حضورها الاجتماعي فيظهر في روايات الأسر، وفهم الأجيال لأهدافها، وقدرتها على ربطها بحقوقها وتجربتها. [6]
وتبين دراسة هوارد شومان وجاكلين سكوت أهمية الخبرة التي يعيشها الإنسان في مراحل تكوينه، فيما يوضح لاري غريفين أثر المكان والخبرة الاجتماعية في التذكر إلى جانب العمر. [7][8]
تختلف بذلك ذاكرة من عاش الإمامة عن ذاكرة من عرفها من والديه، وتجربة من شارك في الدفاع عن الجمهورية عن تجربة من تعلم تاريخها في المدرسة. كما تختلف دلالة سبتمبر لدى من أتاحت له الجمهورية فرص التعليم والعمل عمن بقي يعاني الوصم والإقصاء، ولدى من ولد بعد الوحدة عمن أعاد اكتشاف الثورة تحت حكم الحوثيين.
تحتاج الذاكرة السبتمبرية إلى مخاطبة هذه التجارب المختلفة، وإلى معرفة كيف تعيش الثورة لدى أصحابها. وتساعد هذه القراءة على التمييز بين حفظ الحدث الذي وقع سنة 1962، وحفظ تجربة بناء الجمهورية والدفاع عنها، وحفظ المشروع الذي حملته أهداف الثورة. يتضرر الجانب الثالث حين تصبح الذكرى رواية عن انتصار اكتمل، وتخرج العدالة والمساواة من مجال السؤال.
ما حفظته الذاكرة السبتمبرية وما تركته في الهامش
تشكلت الذاكرة الوطنية لسبتمبر حول مجموعة قوية من الوقائع والرموز: الضباط الأحرار، وقصف قصر البشائر، وإذاعة البيان الأول، وإعلان الجمهورية، والحرب الجمهورية الإمامية، وحصار السبعين، وأسماء الشهداء والمدافعين عن صنعاء. وأسهمت المدرسة والإذاعة والصحافة والأغنية والقصيدة في تحويل هذه العناصر إلى رواية عامة.
ويعود رسوخ الجانب السياسي والعسكري إلى وضوحه وقابليته للتمثيل. توجد لحظة يمكن تأريخها، وبيان يمكن سماعه، وعلم يمكن رفعه، وشعلة يمكن إيقادها، وأسماء يمكن تخليدها. أما التحول الاجتماعي فزمنه أطول، ونتائجه متفاوتة، ولا تختصره صورة واحدة.
تكشف العودة إلى الكتابات اليمنية أن المعركة الفكرية كانت جزءًا من مقدمات الثورة ومعناها. ففي «من الأنين إلى الثورة»، يتتبع عبد العزيز المقالح صلة الأدب بالنضال السياسي، ويستعيد أصوات الاحتجاج والإصلاح. تمنحنا قراءته طريقًا إلى تاريخ الأفكار واللغة التي سبقت إعلان الجمهورية وأسهمت في التهيئة له. [10]
وفي «الإمامة وخطرها على وحدة اليمن»، يضع محمد محمود الزبيري العلاقة بين الحكم والمجتمع في صلب نقده، ويتناول تقسيماته وامتيازاته وتوظيف الشرعية الدينية في إخضاعه. تساعد هذه العودة على استعادة الموضوع الاجتماعي الذي قامت الثورة لمواجهته. [11]
كما ارتبطت ذاكرة سبتمبر بالدفاع عن الجمهورية. فالثورة لم تستقر في صباح إعلانها، ودخلت البلاد بعدها حربًا استمرت سنوات. لذلك حملت الذاكرة معنى أن الجمهورية مكسب يمكن أن يتعرض للخطر، وأن تثبيتها يحتاج إلى تضحيات مستمرة.
وتتقاطع سبتمبر مع ثورة 14 أكتوبر والاستقلال في 30 نوفمبر ضمن تاريخ يمني للتحرر وبناء الدولة. يمنح هذا التقاطع الذاكرة مجالها الوطني، ويمنع حصر الثورة في منطقة أو حزب أو فئة.
لكن المشروع الاجتماعي للثورة بقي أقل حضورًا في الرواية المتداولة. نعرف أسماء القادة والمعارك، فيما تقل معرفتنا بتجارب الناس الذين تغيرت حياتهم، وبالعلاقات التي قاومت التغيير. وبهذا تتسع المسافة بين حفظ الثورة وفهم ما أرادت إنجازه في المجتمع.
إسقاط الإمامة واستمرار الهرم الاجتماعي والديني
ينص الهدف الأول لثورة سبتمبر على «التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات». حملت الصياغة التزامًا بتغيير نظام الحكم وبناء العدالة في الدولة والمجتمع. [12]
يتجسد التغيير الاجتماعي في التحول الذي يصيب العلاقات بين الناس وفرصهم ومواقعهم: من يستطيع التعلم والعمل وتولي الوظيفة العامة؟ وما الذي يحدد المكانة؟ وكيف تُعامل المهن والفئات المختلفة؟ ويظهر أثر سبتمبر الاجتماعي في تراجع سلطة النسب والأصل والقرابة على الحقوق والفرص، واتساع قدرة الإنسان على تغيير موقعه بالتعليم والعمل والكفاءة.
أنهت الثورة حكم بيت حميد الدين وأسقطت النظام الذي جعل النسب شرطًا للأهلية الإمامية. واتسعت بعدها فرص التعليم والابتعاث والعمل في الجيش والإدارة، وحدث صعود اجتماعي لفئات لم تكن تملك الفرص نفسها. هذه تحولات جوهرية صنعتها الجمهورية، وغيرت حياة أجيال كاملة.
لكن إقامة الحكم الجمهوري العادل بقيت مهمة صعبة، كما بقي تفكيك التراتب الاجتماعي ناقصًا. استمر النسب في إنتاج المكانة، وبقي الزواج محكومًا في بيئات متعددة باعتبارات المرتبة والأصل، وظلت بعض المهن مرتبطة بالدونية، واستمرت الفئات المهمشة في مواجهة الإقصاء.
يقوم التراتب الاجتماعي على ترتيب الناس في مراتب متفاوتة من المكانة والاعتراف والفرص. وتتداخل في الواقع اليمني المكانة الموروثة المرتبطة بالنسب والأصل والمهنة، والموقع الاقتصادي المرتبط بالملكية والدخل، والنفوذ السياسي المرتبط بالسلاح والوظيفة والقرابة والحزب. وقد يعزز بعضها بعضًا، فتتحول الثروة إلى نفوذ، ويساعد النفوذ على حماية المكانة وتوريثها.
لم تنشئ الإمامة جميع أشكال التفاوت من الصفر؛ فقد تكونت بعض التصنيفات عبر أزمنة وبيئات مختلفة. لكنها عززت قيمتها، ومنحت الامتياز السلالي غطاءً دينيًا وسياسيًا، وربطت أهلية الإمامة بالانتساب إلى البطنين.
وضم هذا البناء السادة والمشايخ والقضاة والفقهاء والعسكر وأصحاب الحرف والفئات الموضوعة في قاع السلم الاجتماعي. تفاوتت مواقع هذه الفئات بحسب المنطقة والظرف، وتداخلت الوظيفة والمكانة والنفوذ، لكن العلاقات بينها احتفظت بدرجات متفاوتة من الامتياز والقيود.
وحملت فئات دينية داخل هذا النظام وظيفة حماية شرعيته وتنظيم المكانة، بما يشبه الإكليروس في هذا الجانب، مع اختلاف السياق العقدي والمؤسسي. وتكشف اللغة الشعبية بعض آثار الترتيب؛ تقول العبارة اليمنية: «إذا اشتطّ السيد رقّعه بفقيه». و«اشتطّ» هنا بمعنى اقتُطع كما يُقطع القماش، فيُسد النقص برقعة. يحمل التعبير تصورًا يجعل الفقيه قريبًا من السيد بوظيفته الدينية، وأدنى منه بالمرتبة؛ فمكانته مكتسبة بالعلم والوظيفة، بينما تقوم مكانة السيد على النسب الموروث.
لم يسقط هذا الهرم الاجتماعي والديني كاملًا بسقوط بيت حميد الدين. احتفظت فئات بجزء من مكانتها الرمزية والاجتماعية، وظلت الفئات الدنيا تواجه النظرة الموروثة نفسها. ثم ولدت الجمهورية امتيازات ارتبطت بالقوة العسكرية والمشيخة والوظيفة والحزب والثروة والقرب من الحاكم.
وتوجه دراسات المجتمع اليمني الانتباه إلى حضور المكانة في الحياة اليومية. تتناول غابرييل فوم بروك ذاكرة النخبة الوراثية المرتبطة بالإمامة وهويتها بعد ثورة 1962، وتخصص جانبًا من كتابها للزواج في مجتمع ما بعد الثورة. وتدرس آن مينلي العلاقات الاجتماعية والتراتب في زبيد، مبرزة دور النساء وتبادل الضيافة في بناء مكانة الأسرة وسمعتها. وتفيد هاتان الدراستان في فهم استمرار المكانة الاجتماعية وإعادة تشكيلها داخل العلاقات اليومية. [13][14]
يحمل المجتمع ماضيه أيضًا في أحكامه اليومية: بمن يقبل المصاهرة، وأي مهنة يحترم، ومن يراه أهلًا للقيادة. وحين تنتقل هذه الأحكام بين الأجيال، ينتقل معها جانب من العالم الاجتماعي الذي أسند الإمامة، حتى لدى أشخاص يرفضون عودتها السياسية. لذلك يظل تفكيك التراتب جزءًا من بناء الذاكرة الجمهورية؛ إذ يصعب ترسيخ المساواة في مجتمع يواصل تعليم أبنائه أن الناس مراتب بالولادة.
ويتحقق الامتياز عندما يحصل فرد أو فئة على أولوية في السلطة أو الوظيفة أو الموارد أو المعاملة بسبب النسب أو القرابة أو النفوذ، على حساب القواعد المشتركة والكفاءة وحقوق الآخرين. ومن ثم يشمل نقد الامتياز ما ورثه المجتمع من الإمامة وما نشأ داخل العهد الجمهوري.
يتجه نقد هذا البناء إلى الامتياز وآليات توريثه، ويستند إلى مساواة اليمنيين جميعًا. فالأصل العائلي لا يمنح صاحبه حقًا سياسيًا سابقًا على الآخرين، ولا يحمله مسؤولية موروثة عن أفعال أسلافه.
ضعف التنوير والحاجة إلى ثورة ثقافية
ينمي التنوير قدرة الإنسان على التفكير المستقل، وفحص ما ورثه من تصورات، ومناقشة الادعاءات التي تطلب منه الطاعة أو القبول بالتفاوت. وتصل قراءة إيمانويل كانط التنوير باستخدام العقل وحرية مناقشة الأفكار علنًا. [23]
وفي السياق اليمني، تتحدد مهمة التنوير في مساءلة الادعاء بأن النسب يمنح حقًا في الحكم، أو أن المهنة والأصل يجعلان إنسانًا أدنى من غيره، وفي شرح المساواة بوصفها حقًا يترتب عليه سلوك اجتماعي وقاعدة مؤسسية.
أسهمت أصوات إصلاحية وتنويرية في التهيئة لسبتمبر والدفاع عنها. تكمن المشكلة في ضعف انتشار هذا العمل ومحدودية قدرته على التحول إلى مشروع مؤسسي متصل يعالج التمييز في منابعه الاجتماعية والثقافية، رغم المبادرات والإسهامات التي سبقت الثورة ورافقتها وتلتها.
نشأت نخبة ثورية متقدمة على جوانب من البنية الاجتماعية التي تحركت داخلها، واضطرت الجمهورية إلى خوض حرب وجود وبناء مؤسساتها في وقت واحد. كما احتاجت إلى تحالفات مع قوى قبلية ودينية وعسكرية قادرة على حمايتها. ساعدت هذه التحالفات على تثبيت النظام، وحملت معها أجزاء من العلاقات القديمة إلى الدولة الجديدة.
وسع التعليم دائرة المعرفة والحراك الاجتماعي، لكنه لم يتحول دائمًا إلى مشروع نقدي يعالج التمييز السلالي واحتقار المهن والتراتبية في الزواج والعلاقات اليومية. تعلمت الأجيال تاريخ قيام الجمهورية، بينما استمرت قيم سابقة لها داخل الأسرة والمجتمع والمؤسسة.
الثورة الثقافية عمل متصل يغير التصورات والقيم والعادات التي تمنح التمييز شرعيته داخل المجتمع. تشمل التعليم والخطاب الديني والإعلام والأدب والفنون، وتتصل بالقانون والممارسة العامة. وتظهر نتائجها حين تتغير طريقة الحكم على الإنسان والتعامل معه في الأسرة والمدرسة والعمل والوظيفة العامة.
تحتاج أهداف سبتمبر إلى ثورة ثقافية تفكك التصورات التي ترفع النسب فوق المواطنة، والقرابة فوق الكفاءة، والنفوذ فوق القانون. تكشف قراءة المقالح دور الأدب والأفكار الإصلاحية في التهيئة للثورة، وتوضح دراسة الثقافة السياسية في الثورة الفرنسية دور اللغة والرموز والممارسات في تغيير علاقة الفرد بالسلطة. [10][17]
وتنقل المؤسسات إلى المجتمع قيمًا من خلال معاملاتها. فالمدرسة التي تتسامح مع التمييز، والجامعة التي تخضع للمحسوبية، والوظيفة العامة التي تتقدم فيها القرابة على الكفاءة، تُرسّخ درسًا يوميًا يناقض أهداف سبتمبر. وتظل المعرفة بالثورة ضعيفة الأثر حين يتعلم الإنسان المساواة في النص ويعاين الامتياز في المؤسسة.
تتطلب الثورة الثقافية مراجعة هذه الممارسات، وإعادة بناء القواعد التي تحكم المعاملة والتعيين والتقييم والمساءلة. فالثقافة التي تمنح النافذ أولوية، أو تضع صاحب المهنة في مرتبة أدنى، تجد ما يجددها حين تعمل المؤسسة بالقيم نفسها.
وحين تركز الذاكرة الجمعية على سقوط الإمام، وتغيب عنها العلاقات الاجتماعية والدينية التي ساندت حكمه، يضعف حضور المشروع الاجتماعي للثورة في الوعي العام. ويقتضي ترسيخ فكرة سبتمبر شرح تلك العلاقات، وما تغير منها وما استمر، وربط أهداف الثورة بمواجهة التمييز والامتياز في حياة اليمنيين.
كيف استمرت حكاية الإمام وضعفت صدقية الرواية الجمهورية؟
تنتظم الوقائع والحكايات والشخصيات في سردية تمنح الماضي معنى محددًا. وقد تتكون هذه السردية بالتداول العفوي، أو تعمل جهات على إنتاجها ونشرها. وتساعد قراءة وجيه كوثراني للعلاقة بين التذكر والكتابة التاريخية، ودراسة ياسين اليحياوي لمسار الاهتمام بالذاكرة، على الانتباه إلى الانتقاء الذي يصنع الرواية ويحدد ما يظهر فيها وما يغيب عنها. [4][5]
واصلت سردية الإمامة إنتاج نفسها في العهد الجمهوري. حملتها ذاكرة لم تتقبل التغيير، وعملت أدوات سلالية على إعادة تقديمها، وتناقلت مجالس أخرى حكاياتها بعفوية: عدالة الإمام، وقربه من الناس، وعلمه وفقهه، وأدبه وشعره ونكاته.
تنتقل الحكاية الشخصية بسهولة لأنها تمنح المستمع وجهًا وصوتًا وموقفًا يتذكره. وقد يبقى الإمام في صورة صاحب نادرة أو حكم منصف، فيما يغيب نظام الحكم الذي أحاط به. وهكذا تُستخدم واقعة جزئية لتكوين صورة عن عهد كامل، خصوصًا عندما تخسر السلطة الجمهورية صدقيتها في حياة الناس.
وعندما يتلقى هذه الحكايات جيل لم يعرف الإمامة، قد يتكون انطباعه عنها من مناقب شخص بعينه، وتخرج من الصورة علاقة الحاكم بالمحكوم، وشروط الأهلية للحكم، والتمييز الذي نظّم المجتمع. تحتاج مواجهة هذه السردية إلى معرفة تصل الشخصية بنظامها، وتتيح قراءة الحكاية ضمن سياقها.
في المقابل، ازدادت الذاكرة الجمهورية ارتباطًا بجهاز الدولة ونخبه الإدارية. أصبحت الثورة مادة في المنهج، وصورة في المكتب، وخطابًا موسميًا في الإذاعة والتلفزيون. لم يختف حضورها الشعبي، لكن إنتاج روايتها اليومية في الأسرة والمجلس والأدب والفن بقي أضعف من المهمة التي تحتاج إليها.
وساعدت ممارسات السلطة على إضعاف هذه الرواية. ظهرت قيادات عسكرية وقبلية وحزبية واقتصادية تحيط بها المظاهر الفارهة والنفوذ، حتى اكتسب القول إن اليمنيين استبدلوا الإمام بأئمة كثيرين قوته من التجربة الاجتماعية.
وأنتج التفاوت الاقتصادي طبقة متميزة من أبناء السلطة وكبار الموظفين والمشايخ والتجار والقيادات الحزبية، بينما ضاقت فرص الصعود وتضررت الطبقة الوسطى. وأصبح توريث النفوذ وإعادة توزيع المناصب على الأبناء والأقارب مصدر قلق لدى أصحاب الكفاءات؛ يسمعون عن تكافؤ الفرص، ثم يرون الوظائف المرموقة تتجه إلى أبناء علية القوم.
وأثارت ملامح التوريث داخل السلطة خوفًا على الجمهورية، لأن ما أسقطته سبتمبر أمكن أن يعود من داخل مؤسساتها. تعمقت بذلك الفجوة بين الهدف الأول للثورة وبين الممارسة، ووجدت سردية الإمامة مساحة تستثمر فيها إخفاقات الحكام.
ومن هذه الفجوة ظهرت أصوات تقارن اليمن بممالك ومشيخات أكثر استقرارًا، وتتعامل مع الاسم الجمهوري بوصفه سبب الفشل. تتجاهل هذه المقارنة اختلاف الموارد والمؤسسات والتسويات التاريخية، وتستبعد السؤال الأقرب إلى تجربتنا: كيف نحقق الحكم الجمهوري العادل الذي نصت عليه الثورة؟
يستعيد الدفاع عن الجمهورية صدقيته عندما يقبل مساءلة السلطة بأهداف سبتمبر، ويواجه جميع أشكال الامتياز التي أضعفتها. وحين تتحول أهداف الثورة إلى معيار عام، يستطيع المواطن استخدامها في نقد الحاكم وممارساته، ويحتفظ للثورة بموقع مستقل عن السلطة التي تتحدث باسمها.
الشعلة بعد الوحدة: انكماش المشاركة المحلية
أشهد من معايشتي أن شعلة سبتمبر التي كان المواطنون يوقدونها في القرى والأرياف التي عرفتها توقفت بعد قيام الوحدة في 22 مايو 1990. بقي الاحتفال الرسمي في صنعاء، وبدا باهتًا مقارنة بالمشاركة الشعبية السابقة، فيما اتجه ثقل الاحتفالات إلى الوحدة بوصفها المنجز الجديد.
كان إيقاد الشعلة محليًا يمنح الناس دورًا في صنع المناسبة. يشارك الأطفال والشباب في الإعداد والتجمع، ويسمعون الحكايات والأغاني، ويربطون الثورة بمكان يعرفونه وأشخاص يعيشون معهم. تتكون بذلك ذكريات شخصية تحمل معنى وطنيًا مشتركًا.
وعندما توقفت هذه الممارسة، انقطع أحد مسارات انتقال الذكرى بين الأجيال. بقي التاريخ في التقويم والخطاب، وتراجعت تجربة المشاركة التي كانت تمنحه حضورًا في المجتمع.
يساعد تصور كونرتون على فهم أهمية هذا التحول. فمن يشارك في إحياء المناسبة يكتسب علاقة تختلف عن علاقة من يشاهد صورتها على الشاشة. وتتعلق المسألة بمن ينتج الذاكرة ويجددها داخل الحياة المحلية. [1]
وتكشف تغطية الاحتفال الرسمي في صنعاء سنة 2011 كيف رُبطت ذكرى الثورة بتمجيد القيادة السياسية القائمة ومنجزاتها، وكيف دخلت المناسبة في رواية السلطة عن نفسها. وأضعف هذا الاستخدام قدرتها على فتح السؤال عما تحقق من أهداف الثورة وما تعثر. [15]
كانت الوحدة هدفًا وطنيًا ومنجزًا تاريخيًا، وكان يمكن أن يتسع الاحتفال بها مع تعميق حضور سبتمبر وأكتوبر. غير أن انتقال مركز الاهتمام إلى المناسبة الجديدة، مع انكماش الممارسة المحلية، أضعف بعض الصلات الاجتماعية التي حملت ذاكرة الثورة.
تتيح استعادة تاريخ الاحتفال في القرى والمدارس والأحياء فهم ما فقدته الذاكرة، وإعادة وصل الذكرى بالمشاركة. فالمناسبة التي يصنعها الناس تترك في حياتهم آثارًا تختلف عن مناسبة يتلقونها من المنصة الرسمية.
الثورة الأمريكية: حفظ تجربة المشاركة وأدوار الناس العاديين
ركزت حنا أرندت في قراءتها للثورة الأمريكية على تجربة التأسيس وإنشاء المؤسسات والمساحات التي تتيح الفعل العام. واهتمت بمصير المشاركة المحلية وبقاء روح الثورة لدى الأجيال اللاحقة، حين يستقر النظام ويبتعد المواطن عن خبرة تأسيسه. [3]
تكتسب هذه الفكرة أهمية في الحالة اليمنية. يستطيع المواطن أن يعيش داخل نظام جمهوري، بينما يشعر أن شؤون الدولة تُدار بعيدًا عنه. يتلقى الجمهورية من خلال خدمات السلطة وأخطائها وخطابها، وتضعف خبرته بالمشاركة التي تجعله مسؤولًا عن صيانتها.
وهنا تصبح الذاكرة معرضة للاختزال في القادة والقرارات. أما حفظ تجربة التأسيس فيقتضي استعادة المبادرات الاجتماعية والتعليمية والثقافية، وما فعله الناس لبناء الدولة والدفاع عنها.
وتوضح دراسة ألفرد يونغ عن الإسكافي جورج روبرت تويلفز هيوز أن الذاكرة الوطنية تعيد اختيار شخصياتها عبر الزمن. فقد استعاد مشارك من الناس العاديين الاعتراف بدوره بعد سنوات طويلة، وأصبحت روايته مدخلًا إلى قراءة الثورة من موقع اجتماعي أقل حضورًا في تاريخ القادة. [9]
تتيح قصة هيوز النظر إلى المسافة بين المشاركة في الحدث والحضور في روايته. فبعض الذين صنعوا التاريخ يبقون خارج الأسماء المتداولة، إلى أن تعيد الشهادات والبحوث تجاربهم إلى المجال العام. كما تتأثر طريقة تذكرهم بالزمن الذي تُروى فيه شهاداتهم وبحاجات المجتمع في ذلك الزمن.
يفيدنا ذلك في إعادة المعلم والطالب والجندي وصاحب المهنة والمرأة إلى الذاكرة السبتمبرية. فتجاربهم تشرح ما غيرته الثورة في المجتمع، وتتيح للأجيال أن ترى تاريخ الجمهورية في حياة أسر ومناطق تشبهها.
وتتسع ذاكرة سبتمبر حين يدخلها تاريخ التحول في القرى والأحياء: افتتاح المدرسة، وتجربة أول المعلمين، وتعليم البنات، وانتقال أبناء الأسر إلى الجامعة والعمل، والمشروعات التي أنجزها الأهالي. تكشف هذه التجارب كيف وصلت الجمهورية إلى حياة الناس، وأين توقفت آثارها، ومن بقي خارج فرصها.
يحفظ هذا التوثيق تجربة الجمهورية من خلال أشخاص يمكن للأجيال أن تتعرف إليهم وإلى ظروفهم. يصبح بناء المدرسة واقعة في تاريخ الثورة، ويصبح انتقال أسرة إلى التعليم والعمل شاهدًا على أثرها الاجتماعي، كما تصبح تجربة من بقي محرومًا مدخلًا لفهم حدود ذلك الأثر.
وتناولت سارة بورسيل ذكريات ضحايا حرب الاستقلال واحتفالاتهم، وكيف أسهمت في بناء رابطة وطنية وحملت أيضًا مطالب ومصالح اجتماعية متنافسة. وتوجه هذه القراءة الانتباه إلى الفوارق التي قد تبقى داخل الاحتفال الجامع، وإلى ضرورة وصل تكريم التضحيات بحقوق الناس ومكانتهم. [16]
فقد يجمع الرمز الوطني فئات مختلفة، بينما تختلف قدرتها على المشاركة في الاحتفال وعلى الحصول على الاعتراف. وتحتاج الذاكرة إلى الانتباه لمن يُكرَّم، ومن يُغفل، وإلى موقع أسر أصحاب التضحيات والفئات التي شاركت في التحول ثم تراجع حضورها.
تستفيد اليمن من هذه التجربة في حفظ خبرة المشاركة، وتوسيع أصحاب الرواية، وإعادة الناس إلى تاريخ الدولة التي أسهموا في بنائها. ويزداد معنى الجمهورية رسوخًا حين يستطيع المواطن أن يجد في ذاكرتها دورًا لمجتمعه، ومجالًا لمشاركته في الحاضر.
الثورة الفرنسية: تغيير الثقافة واستمرار صناعة المعنى
تساعد التجربة الفرنسية على فهم قدرة الثورة على تغيير اللغة والرموز وصورة الفرد عن موقعه السياسي. تناولت لين هانت علاقة الثقافة بالسياسة الثورية، وما تحمله الخطابات والصور والممارسات من معانٍ تعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والسلطة. [17]
تكشف هذه القراءة أن الثقافة تدخل في تكوين العلاقة السياسية نفسها. فالألقاب والرموز والمراسم وطريقة مخاطبة السلطة تقدم للإنسان تصورًا عن مكانه، وعن حقوقه، وعن الحدود التي يستطيع التحرك داخلها.
وفي المجتمع اليمني، تحفظ اللغة اليومية بعض مراتب التفاوت، وتؤثر الألقاب والأحكام على النسب والمهنة في تصور الناس لأنفسهم ولغيرهم. وحين تستمر هذه اللغة في منح الأصل سلطة على الإنسان، ينتقل جانب من التراتب إلى الأجيال الجديدة، حتى عندما تتغير أسماء المؤسسات.
وتقدم دراسة وليام سيويل عن اقتحام الباستيل فهمًا لتشكل الحدث التاريخي عبر أفعال وتأويلات تمنحه أثره التحويلي. يكتسب الحدث معناه داخل التغيرات التي يرتبط بها، ويستمر المجتمع في إنتاج هذا المعنى بعد وقوعه. ويتيح هذا المدخل وصل التغيير السياسي بالتحولات في العلاقات الاجتماعية والممارسات التي تستمر بعد الحدث. [18]
ومن هذا المنظور يمتد سبتمبر في التعليم وبناء الجيش والإدارة والحراك الاجتماعي والدفاع عن الجمهورية. وإذا اقتصرت الرواية على ليلة الإعلان، فإنها تفصل الثورة عن التجارب التي جعلتها مهمة في حياة اليمنيين.
وتكشف قصة العيد الوطني الفرنسي أن ترسيخ الرمز عملية تاريخية طويلة. فقد أصبح الرابع عشر من يوليو عيدًا وطنيًا بقانون سنة 1880، واستوعبت المناسبة الإحالة إلى اقتحام الباستيل سنة 1789 واحتفال الاتحاد سنة 1790. مر الرمز بتحولات وصراعات وإعادة تفسير قبل أن يكتسب حضوره المستقر. [19]
وتبين هذه التجربة أن يوم الثورة يحمل المعاني التي يواصل المجتمع إيداعها فيه. تتغير طريقة الاحتفال، وتتسع الروايات المرتبطة به، وتتجدد الصلة بين الماضي وأسئلة الحاضر. ويحتاج سبتمبر إلى هذا العمل المتصل على معناه، حتى يحمل إلى كل جيل معرفة تتصل بتجربته.
أما إعلان حقوق الإنسان والمواطن، فقد وضع المساواة في الحقوق وإتاحة الوظائف العامة بحسب القدرة في لغة التأسيس الثوري. وتفتح هذه الصياغة مقارنة مفيدة مع الهدف الأول لسبتمبر: كيف تصبح المساواة معيارًا يستخدمه الناس في المطالبة بحقوقهم، وكيف تنتقل من النص إلى الثقافة السياسية؟ [20]
تتحدد قيمة هذا الوصل في قدرة الإنسان على استخدام المبدأ. فالمساواة تتصل بمعاملته أمام القانون، وأهلية الوظيفة العامة تتصل بالكفاءة، ورفض الامتياز يتصل بمواجهة الأبواب التي تفتحها القرابة والنفوذ وتغلقها أمام الآخرين.
تحتاج اليمن إلى عمل يجعل أهداف الثورة قابلة للفهم والاستخدام في الحياة اليومية. تستطيع المناهج والقصص والمسرح والسينما والمعارض أن تشرح العلاقة بين إسقاط الامتياز السياسي ومواجهة التمييز الاجتماعي، وأن تمنح تاريخ الثورة حضورًا يتجاوز حفظ الأسماء والتواريخ.
وتقدم التجربة الفرنسية أيضًا تنبيهًا إلى تنازع السلطة والمجتمع على معنى الرمز. فالمؤسسة تحفظ المناسبة، ويستطيع الخطاب الرسمي توظيفها لتثبيت مصالحه. لذلك يتصل حفظ الذاكرة بحرية القراءة والنقد وتعدد المصادر.
الثورة الروسية: الصورة الجماهيرية ومخاطر الاحتكار
تكشف التجربة الروسية قدرة الفن والاستعراض على تشكيل صورة الثورة. درس جيمس فون غيلدرن المهرجانات البلشفية بين 1917 و1920، ومنها إعادة تمثيل اقتحام قصر الشتاء، موضحًا كيف أعيد تنظيم الحدث في مشاهد جماهيرية تمنحه صورة قابلة للتداول والتذكر. [21]
تظهر هنا أهمية المسافة بين الواقعة وتمثيلها. قد تستقر الصورة المسرحية في الوعي بقوة تفوق معرفة التفاصيل التاريخية، ويصبح تنظيم الاحتفال جزءًا من بناء الرواية السياسية.
تمنح هذه القدرة الفنون موقعًا مهمًا في تشكيل الذاكرة. فالمشهد والشخصية والصوت يستطيعون تقريب تجربة لم يعشها الجمهور، وتكوين صور تستمر بعد انتهاء العرض. ويتطلب ذلك مسؤولية في التعامل مع الوقائع والشهادات، وإتاحة المجال لتعدد التجارب.
ينشأ الخطر حين تملك السلطة وحدها الأرشيف والمنبر وحق تحديد الشخصيات والأدوار. عندئذ يمكن أن تتحول الثورة إلى تاريخ يخدم الحاكم، ويُعاد ترتيب الوفاء لها بحسب الولاء للسلطة القائمة.
تحتاج سبتمبر إلى مؤسسات تحفظها وتتيح دراستها، وإلى أرشيف مفتوح يستوعب الشهادات المختلفة. ويمنح هذا الانفتاح الأجيال قدرة على فهم قرارات الثوار وخلافاتهم وظروفهم وأخطائهم، وعلى وصل التقدير لهم بمعرفة تجربتهم.
وتزداد قيمة التضحيات حين نفهم صعوبة الخيارات التي واجهها أصحابها. أما حذف الخلافات والتعثرات، فيجعل التجربة أقرب إلى صورة رسمية يصعب على الناس وصلها بحياتهم وأسئلتهم.
تقتضي حماية الذاكرة بناء المؤسسات التي تضمن استمرار معرفتها، وحماية المجتمع من احتكار روايتها. ويظل تاريخ الثورة مفتوحًا للبحث والشهادة والإنتاج الثقافي، وقادرًا على مساءلة السلطة التي تتحدث باسمه.
الحوثيون واستعادة الذاكرة السبتمبرية
أعاد انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء ومؤسسات الدولة سنة 2014 أسئلة سبتمبر إلى حياة اليمنيين. ظهر الامتياز السلالي والاصطفاء الديني في تجربة الحكم، واكتسب الحديث عن الجمهورية والمساواة معنى مباشرًا لدى أجيال لم تعرف الإمامة.
لم يبدأ المشروع الحوثي من فراغ. وجد مخزونًا من التصورات والذكريات والعلاقات التي لم تُفكك كاملًا، واستفاد من ضعف الدولة ومن الضرر الذي أحدثته ممارسات السلطة في الرواية الجمهورية.
وفي المقابل عادت الأغاني والصور وأسماء الثوار، وتحول الاحتفال الشعبي بسبتمبر إلى تعبير عن رفض الحكم الحوثي. وتكشف الاعتقالات المرتبطة بالذكرى ورفع العلم حساسية هذه الرموز لدى الجماعة. [22]
استعادت الثورة حضورها في البيت والشارع والمنفى. واتصلت أحداث 1962 بتجربة جيل يرى أثر الامتياز في السلطة، ويواجه محاولات إعادة تشكيل التعليم والثقافة والمجال العام على أساس الاصطفاء.
لكن كراهية الحوثيين لا تكفي لصناعة ذاكرة جمعية جمهورية عصية على التجريف. يحتاج اليمني إلى معرفة ما تمنحه الجمهورية له: حكمًا عادلًا، ومواطنة متساوية، وقانونًا يحد من سلطة النافذين، وتعليمًا يفتح الفرص، ووظيفة عامة تحكمها الكفاءة.
فالذاكرة التي ينشطها الخطر قد تضعف عندما تتغير الظروف. ويحتاج الوعي الجمهوري إلى مضمون يستطيع الإنسان الدفاع عنه واستخدامه في تقييم كل سلطة، بما فيها السلطة التي ترفع العلم وتعلن التزامها بأهداف الثورة.
يزداد هذا الوعي قدرة على الاستمرار حين يعرف المواطن ما يدافع عنه، وكيف يستطيع استخدام أهداف سبتمبر في مساءلة السلطة وبناء الدولة. وبذلك ترتبط استعادة الثورة باستعادة مشروعها، وتخرج من حدود الاستجابة للخطر القائم.
أين تعيش سبتمبر بعد انتهاء الاحتفالات؟
تظل احتفالات سبتمبر ضرورية. تجمع اليمنيين حول رمز وطني، وتجدد حضور العلم والشعلة والأغنية، وتتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى تاريخ الثورة. وفي مناطق القمع يحمل الاحتفال معنى إضافيًا؛ يصبح إعلانًا عن التمسك بالجمهورية.
لكن انتهاء الشهر يكشف ما بقي من هذا النشاط. تُغلق القاعات، وتُطوى الأعلام، وتعود صور الحسابات الشخصية إلى سابق عهدها. فأين تعيش الثورة بقية العام لدى الطفل والطالب والشاب والموظف والجندي ورب الأسرة؟
قد يمنح تكرار الكلمات والصور والأغاني شعورًا بأن الواجب قد أُنجز خلال أيام معدودة. ويؤدي الاحتفال عندئذ وظيفة التخدير الرمزي: يطمئن المحتفلون إلى أنهم صانوا الثورة بكثافة إظهار رموزها، فيحل هذا الاطمئنان محل العمل المستمر على معرفتها وترسيخ أهدافها.
تظل الوثائق مبعثرة، والشهادات معرضة للضياع، والإنتاج الثقافي متقطعًا، فيما تعمل السردية المضادة داخل الأسرة والمجلس والمنبر والمنصات الرقمية. وتساعد دراسة كانشتاينر على فهم هذه الفجوة؛ فإنتاج مادة عن الماضي لا يضمن وحده وصول معناها إلى الجمهور أو استقرارها لديه. [6]
تستعيد الذاكرة النقدية تجربة الثورة بإنجازاتها وتعثراتها، وتستخدم أهدافها لمراجعة الحاضر. تحفظ تضحيات الثوار، وتفتح السؤال عن الحكم العادل والمساواة والامتياز. وتزداد قيمتها حين تمكّن الأجيال من فهم ما تغير في المجتمع وما بقي بحاجة إلى تغيير.
تحتاج الذاكرة السبتمبرية إلى برنامج في الإعلام والمجتمع والتعليم والتثقيف والمناهج، يمتد من المدرسة إلى الجامعة. ويراعي هذا البرنامج اختلاف الأعمار والخبرات: قصص ورسوم ومسرح مدرسي للأطفال، ووثائق ومناهج تشرح الجمهورية والمساواة للطلاب، وأفلام ومواد رقمية للشباب، وقراءات جامعية تناقش أهداف الثورة والتحولات التي أحدثتها.
وتحتاج الأسرة والمجالس إلى مواد قابلة للتداول، تعيد تقديم التجربة الإنسانية للثورة. يستطيع الأدب والفن أن يمنحا الناس حكايات عن المعلم والطالب والجندي والمرأة والأسرة، وعن التعليم والعمل والعدالة والتمييز.
ويحتاج تعليم الثورة إلى وصل تاريخها بأسبابها وأهدافها. يفهم المتعلم معنى إقامة حكم جمهوري عادل، وصلات إزالة الفوارق والامتيازات بفرصه في التعليم والعمل والوظيفة العامة، وأثر الممارسة السياسية والاجتماعية في حفظ الجمهورية أو إضعافها.
وقد جُمعت شهادات كثيرة وصدرت في كتب ومذكرات. يبدأ العمل بحصرها وفهرستها وحفظها رقميًا وإتاحتها، ثم إعادة قراءتها وإنتاجها في قصص ودراما ومسرح وسينما وأفلام وثائقية وبودكاست ومحتوى تفاعلي.
ويتسع التوثيق لتجارب من تغيرت حياتهم بالتعليم والعمل بعد الثورة، ولتجارب الفئات التي بقيت تعاني التمييز رغم قيام الجمهورية. تمنح هذه الشهادات الذاكرة عمقها الاجتماعي، وتتيح قراءة الإنجاز والتعثر من خلال حياة الناس.
ويأتي سبتمبر موعدًا لإعلان حصيلة العام: ما الوثائق التي حُفظت؟ وما الشهادات التي سُجلت؟ وما الأعمال التي أُنتجت؟ وإلى من وصلت؟ وكيف أسهمت في فهم أهداف الثورة ومواجهة الامتياز والتمييز؟
بهذه الصلة بين المناسبة والعمل، يصبح الاحتفال مراجعة سنوية لبرنامج مستمر، وتجد الذكرى عند عودتها معرفة ومشاركة جديدتين.
خاتمة
حفظت الذاكرة الوطنية اليمنية من سبتمبر إسقاط الإمامة وإعلان الجمهورية والدفاع عنها. وتحتاج هذه الذاكرة إلى استعادة المشروع الاجتماعي الوارد في الهدف الأول، وإلى وصل تاريخ الثورة بما يعيشه اليمنيون من فرص وعدالة ومساواة.
رحل بيت حميد الدين، واتسعت فرص التعليم والعمل، وبقيت أجزاء من الهرم الاجتماعي والديني حاضرة. ثم ظهرت امتيازات جديدة أضعفت صدقية الرواية الجمهورية، مع ضعف التنوير وانكماش بعض الممارسات المحلية التي حملت الذكرى بين الأجيال.
تستمر بعض العلاقات القديمة لأن المجتمع يعيد تعليمها في أحكامه على النسب والمهنة والمكانة، وتكتسب الامتيازات الجديدة قوتها من مؤسسات تتيح توريث النفوذ وتقديم القرابة على الكفاءة. وفي هذه الممارسات يتحدد ما يتعلمه الناس عن الجمهورية، وما يورثونه لأبنائهم.
أعاد الحوثيون تنشيط الذاكرة السبتمبرية، لكن حمايتها تحتاج إلى ثورة ثقافية ومعرفة وإنتاج فني ومشاركة اجتماعية مستمرة. وتساعد تجارب الثورات الأخرى على فهم آليات هذا العمل: حفظ تجربة التأسيس، وتوسيع الرواية لتشمل الناس العاديين، وتعميق معنى الرموز، وحماية التاريخ من الاحتكار.
بعد أن تنطفئ الشعلة يبدأ اختبار ما أنجزناه. فإذا بقيت معرفة جديدة، ووثيقة متاحة، وعمل فني، وفهم أعمق للمساواة والحكم العادل، تكون الذكرى قد أسهمت في تكوين المجتمع.
لقد أسقطت الثورة الإمام، وما يزال على الجمهورية أن تفكك الهرم الذي جعل الإمامة ممكنة، وأن تمنع إعادة بنائه داخل الدولة والمجتمع.
توصيات
حصر الشهادات والكتب والمذكرات المنشورة عن الثورة والدفاع عن الجمهورية، وفهرستها وحفظها رقميًا وإتاحتها للباحثين والجمهور.
إنشاء أرشيف مفتوح للصور والصحف والوثائق والخطب والأغاني، مع توثيق مصدر كل مادة وحقوق استخدامها.
استعادة الذاكرة المحلية للثورة، وجمع الشهادات والصور المرتبطة باحتفالات القرى والمدارس والأحياء وإيقاد الشعلة، وتوثيق افتتاح المدارس وتعليم البنات والمبادرات والمشروعات التي شارك فيها الأهالي.
توسيع رواية سبتمبر لتشمل المعلمين والطلاب والنساء والعسكريين والمدنيين وأصحاب المهن والفئات المهمشة، وما تغير في حياتهم وما بقي من العوائق أمامهم.
مراجعة محتوى الثورة في المناهج، وربط أهدافها بالقانون والمواطنة والوظيفة العامة وتكافؤ الفرص والعلاقات الاجتماعية.
جمع الأمثال والألقاب والمفردات وعادات الزواج والعمل التي حفظت التراتب الاجتماعي، وقراءتها ضمن تاريخ اليمن الاجتماعي والثقافي.
إعادة إنتاج الكتب والمذكرات والشهادات في قصص وأعمال درامية ومسرحية وسينمائية وأفلام وثائقية وبودكاست ومحتوى تفاعلي.
تحويل الذكرى إلى موعد سنوي لعرض حصيلة العمل الثقافي والتعليمي والإعلامي، وإعلان برنامج واضح للعام التالي.
ربط حماية الجمهورية بمواجهة الامتياز السلالي والقبلي والعسكري والحزبي والمالي، وترسيخ المساواة والكفاءة وسيادة القانون، ومراجعة ممارسات المؤسسات التي تعيد إنتاج التمييز والمحسوبية.
المصادر والإحالات
1. Connerton, Paul. How Societies Remember. Cambridge University Press, 1989.
الكتاب ومقتطفات فصوله.
2. Nora, Pierre. “Between Memory and History: Les Lieux de Mémoire.” Representations, no. 26, 1989, pp. 7–24.
رابط الدراسة.
3. Arendt, Hannah. On Revolution. Penguin Books, 1990 [1963]، خصوصًا ص 216–221، وص 250–255.
بيانات الكتاب.
4. كوثراني، وجيه. «الذاكرة من منظور مؤرخ». تبيّن، المجلد 9، العدد 33، 2020، ص 13–29.
النص المنشور.
5. اليحياوي، ياسين. «الذاكرة الجمعية موضوعًا للبحث التاريخي: دراسة في نماذج مختارة من مؤرخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليات». أسطور، العدد 7، 2018، ص 110–123.
صفحة الدراسة.
6. Kansteiner, Wulf. “Finding Meaning in Memory: A Methodological Critique of Collective Memory Studies.” History and Theory, 41(2), 2002, pp. 179–197.
صفحة الدراسة وملخصها.
7. Schuman, Howard, and Jacqueline Scott. “Generations and Collective Memories.” American Sociological Review, 54(3), 1989, pp. 359–381.
النص الكامل.
8. Griffin, Larry J. “‘Generations and Collective Memory’ Revisited: Race, Region, and Memory of Civil Rights.” American Sociological Review, 69(4), 2004, pp. 544–557.
صفحة الدراسة وملخصها.
9. Young, Alfred F. “George Robert Twelves Hewes (1742–1840): A Boston Shoemaker and the Memory of the American Revolution.” The William and Mary Quarterly, 38(4), 1981, pp. 561–623.
رابط الدراسة.
10. المقالح، عبد العزيز. من الأنين إلى الثورة. بيروت: دار العودة، الطبعة الأولى، 1988، خصوصًا ص 8–15، وص 173–175.
نسخة الكتاب.
11. الزبيري، محمد محمود. الإمامة وخطرها على وحدة اليمن. صنعاء: وزارة الثقافة والسياحة، 2004، خصوصًا ص 7–18.
نسخة الكتاب.
12. نص الهدف الأول، كما أعيد نشره ضمن «26 سبتمبر.. ثورة خالدة أنقذت شعب وأحيت أمة»، سبتمبر نت، 30 سبتمبر 2024.
النص المنشور.
13. vom Bruck, Gabriele. Islam, Memory, and Morality in Yemen: Ruling Families in Transition. Palgrave Macmillan, 2005.
صفحة الكتاب.
14. Meneley, Anne. Tournaments of Value: Sociability and Hierarchy in a Yemeni Town. University of Toronto Press, 1996.
بيانات الكتاب ومعاينته.
15. «إيقاد شعلة الثورة اليمنية المباركة في ميدان التحرير بصنعاء». الثورة نت، 26 سبتمبر 2011.
التغطية المنشورة.
16. Purcell, Sarah J. Sealed with Blood: War, Sacrifice, and Memory in Revolutionary America. University of Pennsylvania Press, 2002.
مقتطف من الكتاب لدى متحف الثورة الأمريكية.
17. Hunt, Lynn. Politics, Culture, and Class in the French Revolution. University of California Press, 1984.
صفحة الكتاب لدى الناشر.
18. Sewell, William H., Jr. “Historical Events as Transformations of Structures: Inventing Revolution at the Bastille.” Theory and Society, 25(6), 1996, pp. 841–881.
صفحة الدراسة.
19. رئاسة الجمهورية الفرنسية. «العيد الوطني في 14 يوليو».
التاريخ الرسمي للمناسبة.
20. «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»، 1789، خصوصًا المادتين الأولى والسادسة.
النص المنشور.
21. von Geldern, James. Bolshevik Festivals, 1917–1920. University of California Press, 1993، خصوصًا ص 199–203.
النص الرقمي للكتاب.
22. هيومن رايتس ووتش. تقريران عن الاعتقالات المرتبطة بإحياء ذكرى سبتمبر، 15 أكتوبر 2024، و6 أكتوبر 2025.
تقرير 2024 — تقرير 2025.
23. Kant, Immanuel. “An Answer to the Question: What Is Enlightenment?” 1784.
نص المقال بترجمة إنجليزية منشورة لدى جامعة كولومبيا.