دور المثقف في المقاومة والثورة اليمنية

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
دور المثقف في المقاومة والثورة اليمنية د. فيصل علي • توطئة سبتمبر مجيد، وكل عام وأنتم بخير، والوطن بخير. إنّ هذا الاحتفاء اليمني الكبير بثورة السادس والعشرين...

دور المثقف في المقاومة والثورة اليمنية

 

د. فيصل علي

 

توطئة

 

سبتمبر مجيد، وكل عام وأنتم بخير، والوطن بخير. إنّ هذا الاحتفاء اليمني الكبير بثورة السادس والعشرين من سبتمبر، بعد مرور ثمانية وخمسين عامًا على اندلاعها، ليس مجرّد تذكير بذكرى عابرة، بل هو تجديد لروح الثورة، وفكرها، ومفهومها العميق في وجدان اليمنيين.


إنّه إعلان واضح وصريح عن موقف الشعب اليمني ضد الهاشمية السياسية الكهنوتية، وضد الرجعية الحوثية، وليس مجرد انفعال عاطفي. 

وها نحن اليوم نحتفي بثورة اليمن بطريقتنا، من خلال هذا اللقاء الذي يجمع نخبة مثقفة من طلاب وأكاديميين وتجار وأفراد الجالية اليمنية في جمهورية الصين الشعبية.


وما كان لهذا اللقاء أن يحدث لولا ثورة 26 سبتمبر، التي نجدد في هذه اللحظة العهد لها، والولاء لأهدافها، والقَسَم على المضيّ في دربها حتى تكتمل حريتنا وتُستعاد جمهوريتنا كاملة غير منقوصة.

 

أتحدّث إليكم، أيها اليمنيون في الصين، وعبركم ومعكم، فإنّ حديثي موجّه إلى كل أبناء شعبنا في الداخل والخارج. أُعبر عن شكري العميق للشباب المنظّمين لهذا الاحتفاء بثورتنا اليمنية المجيدة، من منتدى الفكر والتاريخ السياسي في الصين، وإلى الزملاء في مركز يمنيون للدراسات اليمنية، الذين جعلوا من هذا اللقاء مساحة للذاكرة الوطنية والوعي التاريخي.

كما أوجّه الشكر أيضًا لمتابعينا الكرام في هذه اللحظات، ولجمهورنا العزيز عبر منصات مركز يمنيون، حيث تُنقش الكلمات وتُستعاد الثورة في ضمائر الأحرار.

 

في كل احتفال، وفي كل عيد وطني، يتّجه الجمع الغفير من النخب ومن يلتف حولهم إلى أحاديث طيبة، وذكريات مباركة، ومقارنات تتوزع بين الماضي والحاضر.
لكن ما يُعاب على هذا الجمع الغفير هو خروجه المتكرر عن جوهر الثورة: عن فكرتها، ومفهومها، وروحها. إذ يقفزون مباشرة إلى شخصنة الثورة، أو أدلجتها، فيتحوّل الحديث من الوطن إلى الأفراد، ومن القيم إلى المظلوميات.

فجأة، يُصبح محور الاحتفال: "أنصفوا هذا الثائر، فقد مات فقيرًا!" أو "ذاك أُقصي من السلطة!" ثم تبدأ محاكمات التاريخ بأثر رجعي، وتُفتح دفاتر الحارات السياسية، وتبدأ لعبة "الثلاث ورقات": من ظلم من؟ ومن خان من؟ ومن يستحق التعاطف أكثر؟

ويتمادى البعض، لا لشيء إلا طمعًا في تعاطفٍ رخيص، أو مطالب شخصية، أو مكاسب لجماعة هذا الثوري أو أسرته، وكأن الذكرى منصة مطالبة لا محطة وعي.

كل تلك المطالب تتكدّس في لحظة الذكرى، لكنها لا تُوجَّه إلى الجهات المختصة، بل تُلقى على الجمهور، وكأن المواطن — ببساطة — هو "عاقل الحارة" أو "قاضي القبيلة" المطلوب منه أن ينصف، ويحكم، ويُعيد توزيع المظلوميات بعدالة شعرية!

ويظهر في هذا المشهد المؤسف بعض ضعاف النفوس، ممن لا يتورّعون عن الانتقاص من القادة الكبار، لا من باب النقد، بل حسدًا، وقلة حياء، ورغبة في الانتقام بأثر رجعي. يوظّفون أحداث الأمس لتصفية حساباتهم مع واقعٍ لا يملكون الشجاعة لمواجهته كما هو.

إنّ أغانيهم العاطفية التي يرددونها كل عام، ما هي إلا انتقاص مُبطّن من الثورة التي لم يفهموها، ولم يُدركوا أبعادها. يريدون أن تُمنحهم الثورة مكاسب شخصية، أو حزبية، ويُخرجون من جيوبهم اشتراطاتهم الخاصة ليحكموا على الثورة: هل كانت صالحة أم لا، وفق مقاساتهم الضيقة.

 

الثورة ليست لأحد، بل هي للشعب وحده، ولا شريك له فيها.
نِسبة الثورة إلى أشخاص بعينهم مسألة محرجة، بل غير منطقية على الإطلاق. نعم، هناك رجال ثورة، ورموز لها، لا ننتقص من قدرهم شيئًا، فهم جميعًا — بلا استثناء — فخر اليمن وثواره، التحقوا بالثورة فكرًا وتنظيمًا وتخطيطًا، ومارسوا حريتهم في زمنٍ كان ذلك يُعدّ مغامرة. هؤلاء يُنسَبون للثورة، ولا تُنسَب هي إليهم. فالثورة — جوهرًا — هي ثورة الشعب اليمني العظيم، وحده، دون شريك، ودون وصاية.

الثورة مرحلة، وليست حالة دائمة. الثورة وسيلة، وليست غاية.
الثورة فكر، وفلسفة، لا مسرح لـ"الجحشنة" ولا حائط بكاء سياسي.
الثورة ليست مناسبة موسمية نُذرف فيها الدموع ونشحذ العاطفة، بل هي تجسيد حيّ لفكرة الخلاص الشعبي، ووسيلة لبناء الدولة.

الثورة اليمنية ليست ثورة واحدة مفصولة، بل هي امتداد تاريخي واحد، يبدأ من 17 فبراير 1948، ويمر بكل محطاته الخلّاقة، وصولاً إلى 11 فبراير 2011. وأهم مفاصلها التاريخية: ثورة 26 سبتمبر 1962، وثورة 14 أكتوبر 1963.

بدلًا من النواح السنوي، علينا أن نعيد قراءة الثورة وفهمها، وأن نُدرك طبيعة التدخلات الأجنبية التي صاحبتها، وكيف أثرت على مسار الأنظمة المتعاقبة في البلاد.

إنّ جذور الثورة اليمنية تعود إلى حركة المقاومة اليمنية، التي سبقت كل حركات التحرر في المنطقة. فمنذ لحظة الاحتلال البريطاني لعدن ولحج عام 1839، انطلقت المقاومة — فكرًا وسلاحًا — ولم تتوقف.


ثم جاء الدور على مقاومة الأتراك، الذين سلموا جزءًا من اليمن للإمامة الكهنوتية سنة 1918، لتبدأ موجة احتجاجات ومقاومات جديدة في العشرينيات والثلاثينيات.

 

وتُوّجت تلك المرحلة بثورة 17 فبراير 1948، التي وإن كانت قد أُجهضت بعد شهر من انطلاقها، فإنها مهّدت — بكل ما سبقها من حراك ثقافي وفكري وسياسي — لولادة ثورة 26 سبتمبر 1962، ثم ثورة 14 أكتوبر 1963 ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب.

 

ثورتنا لم تكن مصرية، ولا صينية، ولا سوفييتية. هي ثورة مكتملة الأركان، سبقت ثورة يوليو المصرية، التي انطلقت بعد أعوام من ثورة 1948 اليمنية. ومع ذلك، يبقى لمصر فضلٌ لا يُنكر في إسناد الثورة اليمنية لاحقًا، دعمًا وسلاحًا وفكرًا.

 

السؤال الجوهري اليوم هو: كيف نُعيد إنتاج سردية ثورية تُعيد الثورة إلى صاحبها الحقيقي — الشعب اليمني — في كل مراحلها؟
كيف نقرأ الثورة قراءةً كلّية، لا مجتزأة، قراءة تؤكد على أهمية كل محطة من محطاتها، من 1948 حتى 2011، لا باعتبارها لحظات متفرقة، بل كخيوط متصلة في نسيج واحد؟

كيف نُدرّس هذه الثورة للأجيال الحالية والقادمة، لا كحكاية وطنية مكررة، بل كوعي تأسيسي، كجزء من هوية يمنية حرّة، مقاومة، وحداثية؟
كيف نُعيد بناء نظام سياسي واجتماعي ينسجم مع روح وأهداف الثورة اليمنية، لا يتناقض معها، ولا يختزلها في شعارات فارغة؟

كيف نحافظ على نسيجنا الاجتماعي المتعدد؟ كيف نمنع تحوّل الثورة إلى أدوات ثأر، أو تصنيفات عرقية، أو نزاعات قروية وجهوية وسُلالية؟
كيف نُبقي الثورة ثورة، لا مجرد مناسبة للبكائيات أو تمجيد الأنساب أو بثّ الكراهية؟

 

· مقدمة

 

 ثمّة تشابهٌ لافت بين اليمن والصين، ليس فقط في امتداد الحضور التاريخي للدولة، بل أيضًا في قدرة الشعبين على الحفاظ على القيم والأخلاقيات، وصون الهوية الحضارية والثقافية عبر قرون من التحديات.

كلا الشعبين أصرّ، في وجه التدخلات الأجنبية، على حماية هويته السياسية، وواجه — في فترات متقاربة من تاريخه — استعمارًا إمبرياليًا بغيضًا، تمثّل في الاحتلال البريطاني، الذي سعى للسيطرة على أسواق العالم ومصادر الثروات والتجارة الدولية.

لكنّ المسارات اختلفت. ففي حين استطاعت الصين، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، أن تُحدث تحوّلات هائلة في بنية الدولة، وتقود مشروعًا نهضويًا صنع من الصين قوة عالمية؛ فشلنا نحن — في اليمن — في إنتاج نظام سياسي مؤهل لبناء مؤسسات دولة حديثة، تحفظ كرامة الإنسان، وتؤسّس لاستقرار طويل الأمد.

رغم ذلك، فإنّ اليمن والصين التقتا في الأزمنة الغابرة، عبر طريقي الحرير والبخور، في موانئ اليمن القديمة، حيث أعيد تصنيع المواد الخام القادمة من الشرق، قبل أن تُنقل إلى أوروبا عبر طريق البخور، في واحدة من أقدم شبكات التبادل الحضاري والتجاري بين الشعوب.

 

- اعترفت اليمن بجمهورية الصين الشعبية بعد ست سنوات من إعلان قيام الدولة الصينية المعاصرة. وقد تم تبادل التمثيل الدبلوماسي رسميًّا بين بكين وصنعاء في عام 1963، وهو العام نفسه الذي مثّل امتدادًا فعليًّا للثورة اليمنية في شطرها الجنوبي.

دعمت حكومة الصين، بقيادة الزعيم ماو تسي تونغ، الثورة اليمنية ضد الرجعية والاستعمار، وأسهمت بدعم تنموي في كل من شمال اليمن وجنوبه، في إطار رؤيتها الأممية الداعمة لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث.

غير أن العلاقات اليمنية–الصينية لم تأخذ طابعًا استراتيجيًا حقيقيًا إلا في عهد الرئيس سالم رُبيع علي "سالمين" (22 يونيو 1969 – 22 يونيو 1978)، الذي قرر الانحياز إلى الاشتراكية العلمية الصينية، تاركًا جانبًا النزعة الماركسية الراديكالية التي طغت على المرحلة السابقة.

وقد استفاد سالمين من زخم الثورية الماوية وتجربة الاقتصاد الموجّه في الصين، محاولًا استلهام نموذج تنموي يعيد صياغة المشروع الاشتراكي في اليمن الجنوبي، وفق معطيات البيئة اليمنية وخصوصيتها.

 

- اليوم، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة هندسة العلاقات اليمنية–الصينية، استنادًا إلى المعطيات الجديدة التي تُظهِر التفوق السياسي والاقتصادي المتنامي للصين، واستنادًا أيضًا إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة بين البلدين. وفي قلب هذه الرؤية، يبرز مشروع الحزام والطريق الصيني كمحور أساسي، إذ يُتوقّع أن تمر خطوطه البحرية بمحاذاة السواحل اليمنية الممتدة، التي تشكّل نقطة وصل حيوية بين المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر، عبر مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

بمعنى أوضح، فإن هذا المشروع العالمي سيمرّ عبر ما يقرب من 22 ميناء يمنيًا، موزعة على طول الساحل، وهي موانئ بحاجة ماسّة إلى إعادة تأهيل وتطوير شامل، حتى تكون قادرة على مواكبة التحوّلات الاقتصادية الدولية، واستيعاب الدور اللوجستي الذي يُفترض أن تلعبه اليمن في المرحلة القادمة.

وإذا ما أُعيدت صياغة هذا الدور بحكمة، يمكن أن يتحوّل اليمن من ساحة نزاع إلى منصة استراتيجية في قلب التجارة العالمية، وشريك فاعل في خارطة الاقتصاد الآسيوي–الأفريقي الجديد.

إذا كان مشروع الحزام والطريق الصيني يُمثّل بُعدًا استراتيجيًا للصين، فإنه في المقابل يُشكّل تحديًا استراتيجيًا للجمهورية اليمنية، التي ينبغي لها أن تُعيد النظر في موقعها الجغرافي لا كعبء، بل كمصدر قوّة وسيادة.

ولكي تكون اليمن فاعلة في هذا المشروع العالمي، فعليها أن تُباشر بتطوير موانئها ومدنها الساحلية، وإعادة تأهيل طريق البخور القديم برًّا وبحرًا — بوصفه جسرًا بين الماضي والحاضر، وموردًا استراتيجيًا لبناء مستقبل اقتصادي مختلف.

كما ينبغي أن يكون واضحًا أن العلاقات مع الصين يجب أن تكون يمنية–صينية خالصة، لا وساطة فيها ولا نيابة عنها.
لا يحق لإيران، ولا للإمارات، ولا للسعودية، أن تُقيم علاقات أو شراكات مع الصين باسم اليمن أو على حساب سيادتها.

لتكن العلاقة بين دولتين: الصين واليمن، بشروط المصلحة المتبادلة، والاحترام الكامل للسيادة الوطنية. ستنتهي الحرب في اليمن، وسنستعيد الدولة، ولا شكّ في ذلك إطلاقًا.

أعزائي أبناء وبنات الجالية اليمنية في الصين،أنتم تمثّلون نواة الأمة اليمنية الجديدة: من مبتعثين، وتجار، ورجال أعمال، وأكاديميين. تقع على عاتقكم مسؤولية فهم التجربة الصينية الحديثة، خاصةً ما تحقق خلال العقود الأربعة الأخيرة.

لقد طوّرت الصين نموذجًا فريدًا في الحكم، بلغ درجة من النضج السياسي تُعرف بـ"دولة واحدة، ونظامين"، وهو نموذج لا يمكن فهمه دون العودة إلى الدور التاريخي للحزب الشيوعي الصيني، الذي لم يكن حزبًا مثاليًا طوباويًا، بل حزبًا واقعيًا بامتياز، انطلق من حاجات الشعب، لا من فوقه، وسعى إلى تحقيق طموحه — أو جزء كبير منه — لا إلى فرض أوهام أيديولوجية عليه.

لقد تأسست الفلسفة السياسية الحديثة في الصين على ما يُعرف بـ"التمثيلات الثلاثة"، وهي مزيج من:

  • الماركسية واللينينية،
  • فكر ماو تسي تونغ،
  • ونظرية دنغ شياو بينغ، التي أصبحت جميعها مبادئ مرشدة منصوص عليها في الدستور الصيني، تُوجّه الحياة السياسية والاجتماعية للأمة الصينية.

هذا يُعد إنجازًا فكريًا وتطبيقيًا، عزّز ثقة الشعب الصيني بالحزب، باعتباره قائدًا للنهضة والتفوّق، لا مجرد أداة سلطة. لقد مزجت الصين — نظريًا وتاريخيًا — بين جدلية ماركس الفلسفية التقدمية، وعملية لينين في تحويل النظرية إلى ممارسة، وإصلاحات ماو الاشتراكية والثقافية، ثم جاءت نظرية دنغ شياو بينغ لتطوّر الاشتراكية بما يتناسب مع المتغيرات العالمية.


أما عهد الرئيس شي جين بينغ، فقد ركّز على قوة الدولة في التحديث الاشتراكي، وتثبيت مكانة الصين عالميًا. ما قطعته الصين خلال هذه العقود ليس مجرد نجاح اقتصادي، بل هو نجاح حضاري للشرق، الذي طالما نُظر إليه بازدراء في عصور الاستعمار. إنه أيضًا نجاح إنساني، يؤكد أن الدول الفقيرة — حين تتسلّح بالإرادة والفكر العملي — قادرة على التحوّل من الفشل إلى القوة، ومن التبعية إلى الاستقلال.

 

وفي هذا النموذج، لا تعني الدولة مجرد سلطة، بل تعني:

  • سلطةٌ نابعة من شعبٍ واعٍ،
  • ودستورٌ قائم على نظريات فلسفية ذات بُعد قيمي وإنساني،
  • ونظام يخدم الإنسان أولاً.

· مفهوم المقاومة الشامل

 

عرف اليمنيون المقاومة في تاريخهم المعاصر منذ 19 يناير 1839، حين سيطرت القوات البريطانية على مدينة عدن، بذريعة حادثة غرق سفينة تابعة لشركة الهند الشرقية، كانت ترفع العلم البريطاني، قبالة السواحل اليمنية في ديسمبر 1836.

 

فشل الكابتن "هينس" حينها في إقناع سلطان لحج بتسليم ميناء عدن مقابل البضائع التي استولى عليها السلطان من حطام السفينة، فكان ذلك ذريعة لبداية استعمار طويل.

ومنذ تلك اللحظة، توالت مراحل المقاومة اليمنية:

   في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، شهد الجنوب اليمني موجات مقاومة ضد الاحتلال البريطاني.

وفي الشمال، بدأت الاحتجاجات على تسليم الحكم من العثمانيين إلى يحيى المتوكل عام 1918، لتتشكّل لاحقًا حركات مقاومة على شكل مظاهرات، وانتفاضات، وتنظيمات سرّية سعت لإسقاط النظام الكهنوتي الإمامي.

 

إنّ الثورة اليمنية — في جميع محطاتها الكبرى خلال القرن العشرين — لم تكن حدثًا مفاجئًا، بل كانت نتيجة طبيعية لعمليات مقاومة متراكمة، بدأت من الأرض وصعدت إلى الوعي، ومن الميدان إلى الثورة.

 

فكرة المقاومة أصيلة في الأدب اليمني، وليست دخيلة عليه.

لقد بدأ التراث الأدبي اليمني حديثه مع العالم من موقع المقاومة، حين وجد الأدباء والمثقفون أنفسهم في معركة مصيرية ضد الاستعمار والرجعية معًا، فكانت أقلامهم بندقية، وكلماتهم بيانًا ثوريًا.

ولأجل هذا البُعد، خصّصنا ورقة علمية مكتملة بعنوان:

"أدب الثورة والمقاومة في اليمن"

يمكنكم قراءتها على موقع اليمنيون، وعلى منصات مركز يمنيون في فيسبوك ويوتيوب.

 

· المفهوم الكلي للثورة اليمنية

تبدأ القراءة الكلية للثورة اليمنية من عام 1918، عقب مغادرة العثمانيين للبلاد، حين سلّموا السلطة في شمال اليمن إلى يحيى المتوكل، في خطوة مثّلت — بالنسبة لليمنيين — خيانةً لروح الدولة، وعودة إلى الحكم الكهنوتي القائم على منهج خرافي غيبي، لطالما رفضه الوعي الشعبي اليمني منذ قرون.

كان هذا التسليم — من العثمانيين إلى بيت المتوكلالغلطة الكبرى في حق الشعب اليمني، لا لأنها أعادت الإمامة، بل لأنها قطعت الأمل بولادة دولة مدنية حديثة بعد انسحاب السلطنة العثمانية، التي ورثت الحكم عن الدولتين العباسية والأموية، وكانت — رغم ما لها وما عليها — تمثل رابطة جامعة للمسلمين.

ولم يكن ذلك الحدث مجرد انتقال سلطوي، بل كان لحظة انكسار وصدمة، أشعلت أولى الاحتجاجات النخبوية، والتي تحوّلت لاحقًا إلى حركات مقاومة، ثم إلى مشاريع تحرر، حتى تبلورت على شكل محطات ثورية متتابعة في العقود التالية.

إنّ الثورة اليمنية — في معناها الأصيل — ليست لحظة 1962 أو 1963 أو حتى 2011، بل هي سلسلة من المحاولات الطويلة التي خاضها اليمنيون للخلاص من أنظمة الاستبداد، سواء باسم الدين أو العرق أو الامتياز الطبقي، من أجل الوصول إلى الدولة العادلة، والجمهورية الحقيقية، والوطن المتساوي.

 

· الثورة اليمنية: خصوصيتها وجذورها الذاتية

لدى الثورة اليمنية أسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تبلورت على امتداد قرن من الزمن. ولم تكن — في أي محطة من محطاتهاثورة مستوردة. نعم، استوردنا الأيديولوجيات، كما فعل غيرنا، لكننا لم نستورد الثورة.


لقد كانت الثورة اليمنية تعبيرًا عن واقع خاص، وعن تطلّعات نشأت من داخل المجتمع اليمني، لا من خارجه. للأمة اليمنية خصائصها الحضارية التي تميّزها عن سائر الأمم المجاورة، ولها مشتركات ومصالح تاريخية لا يمكن القفز عليها أو نكرانها.

 

تاريخيًا، وُجدت الدولة اليمنية قبل معظم دول الشرق الأوسط الحالية.
ولعبت الهجرات اليمنية دورًا كبيرًا في تشكيل حضارات في الحبشة، والصومال، ومصر، والسودان، وشمال إفريقيا، وشمال الجزيرة العربية، حيث أسهم اليمنيون في بناء كيانات مزدهرة في العراق والشام كذلك.
(وليس هذا مقام التفصيل، لكن الشاهد أن التاريخ اليمني ليس هامشًا، بل هو جذر أصيل في شجرة المنطقة).

تُعد ثورة 17 فبراير 1948، أول ثورة دستورية عربية في العصر الحديث، وقد سبقت ثورة يوليو المصرية بأربع سنوات كاملة. أما ثورة 26 سبتمبر 1962 و14 أكتوبر 1963، فهما في جوهرهما امتداد للحراك الثوري اليمني، الذي بدأ في عدن، ثم انتقل إلى تعز، ثم توسّع إلى سائر محافظات الجمهورية.

ومن خرجوا في الاحتجاجات والمظاهرات، ورتّبوا للثورة ضد الاستعمار البريطاني في عدن، هم أنفسهم من قادوا الثورة ضد الرجعية الإمامية في 17 فبراير 1948، وفي 26 سبتمبر 1962، ثم عادوا ليُشعلوا الثورة ضد الإنجليز في 14 أكتوبر 1963. هؤلاء لم يكونوا جماعات معزولة، بل يمنيين من كل المناطق، التحموا حول مشروع وطني جامع، حمل شعار الجمهورية والتحرر، قبل أن تُقسّمهم الصراعات لاحقًا.

· الثورة اليمنية: نهر واحد، لا جزر متفرقة

تمتد الثورة اليمنية — في جوهرها — من 17 فبراير 1948 وحتى 11 فبراير 2011، حيث مثّلت كل محطة من هذه المحطات تعبيرًا عن مرحلة وعي ومقاومة، وعن تحوّلات في بنية المجتمع اليمني وصراعه مع الاستبداد.

ومع نهاية عام 2014، بدأت المقاومة الوطنية تتخلّق من جديد، في مواجهة عودة الإمامة الهاشمية السياسية، بشكلها المسلّح والعنيف في نسختها الحوثية. وها هم اليمنيون الجدد الذين خرجوا في 2011 — يخوضون اليوم مع غيرهم من القوى الوطنية معركة كبرى ضد الإمامية المعاصرة، ودعاتها الجدد.

لذا، فإنّ قراءة الثورة اليمنية لا يمكن أن تكون قراءة انتقائية أو خاضعة للانتماء السياسي أو الأيديولوجي. علينا أن نقرأ الثورة في كل محطاتها الهامة، في كل ربوع الوطن، دون تفريق بينها، نكاية بفصيل، أو تهرّبًا من مسؤولية، أو خدمة لأيديولوجيا ماضية.

علينا أن نفهم حركة المجتمع اليمني في شمولها، بتنوعها الجغرافي والمذهبي والثقافي، وأن نستوعب أن هذا التنوع هو ما أنتج كل هذه المحطات الثورية، وليس العكس. إنّها ثورة يمنية واحدة، ذات مراحل متعددة، ومحطات خالدة، محفورة في ضمير الشعب اليمني وفكره، من 17 فبراير 1948 إلى 11 فبراير 2011.

صحيح أن هناك قراءات تجزيئية للثورة — وهي الغالبة اليوم — ونحن لا نشكك في مصداقيتها، ولا بأس بها، فـكلٌّ يدرك الثورة بحسب وعيه: كمفهوم، كمصطلح، وكفلسفة. لكن يبقى التحدي الأكبر هو الوصول إلى القراءة الكلية، التي لا ترى في الثورة حدثًا سياسيًا، بل سيرورة حضارية ممتدة.

· الثقافة… والثقافة اليمنية

تشير الثقافة — كمفهوم — إلى مجموعة القيم والسلوكيات التي تميز مجتمعًا عن غيره من المجتمعات، وهي ما تُكسب الفرد خصائصه الاجتماعية، وتمكّنه من بناء وعيه وتطوير قدراته ومداركه.

وهنا يتجلّى التمييز الثقافي بين الأفراد: فمن يذهب إلى المكتبة، قد يخرج قارئًا واعيًا، قادرًا على التفكر والتحليل، ومن يذهب إلى الواقع ويُحسن تأمّله واستنباط دروسه، يكوّن سلوكًا ثقافيًا حيًّا يفتح أمامه سُبل الفهم العميق والتفاعل الإنساني.

غير أن الاكتمال لا يتم إلا بـالدمج بين الاثنين: الكتاب — الورقي أو الإلكتروني — من جهة، وقراءة الواقع ككتاب مفتوح من جهة أخرى. لكن الواقع — هنا — لا يعني فقط المكان والزمان الذي يعيش فيه الفرد،
بل يمتد إلى التنقّل الذهني والمعرفي عبر الثقافات والعلوم والتجارب الإنسانية المختلفة، في مجتمعات وأزمنة متباعدة، سعيًا لبناء سلوك أوسع، أعمق، وأكثر إنسانية وشمولية، وأقرب لإدراك الواقع بكل أبعاده ومتغيراته.

يرتبط مفهوم الثقافة ارتباطًا عضويًا بـالوعي الذاتي، وثقافة العقل، والوعي الاجتماعي، بمعرفة العادات والتقاليد والأعراف والأسلاف،
ومعرفة التاريخ، والمآثر الفكرية والفلسفية، والإحاطة بحكمة المجتمع وقيمه العليا. كما تتصل الثقافة بإدراك الجمال، والفن، والحب، والاستمتاع بمفردات الطبيعة والكون، ورؤية العالم من زوايا متعددة، وصولًا إلى الخيال والحلم. إن التفاعل بين الإنسان المثقف وبيئته والكون من حوله، لا ينشأ إلا عبر هذه الرؤية الشاملة.

وللثقافة سمات جوهرية، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • إنسانية الصنع: فهي وليدة العقل البشري.
  • جدلية الفكر: تنمو من خلال التساؤل والنقد.
  • تطورية المعرفة: تنفتح على التحول والتقدم.
  • انتقالية المفاهيم: لا تعرف الجمود ولا الانغلاق.
  • تشاركية الفعل: تبنى عبر التفاعل مع الآخر.
  • استمرارية الحركة: فهي مشروع لا يتوقف.

 

· الهوية الثقافية اليمنية: تنوّع يوحّد

ما ينطبق من مفهوم الثقافة على مجتمع، يمكن أن ينطبق على مجتمع آخر، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الخصائص البنيوية لكل مجتمع. وفي اليمن، لدينا ثقافة سلوكية متوارثة، منها ما هو إيجابي يتّسق مع القيم العليا والحضارة والمدنية، ومنها ما هو سلبي ومعيب، ينبغي تجاوزه والتخلّي عنه.

يتميّز المجتمع اليمني بخصائص متنوعة، نابعة من التعدّد البيئي والثقافي، ومن الخصوصيات المحلية لكل منطقة. ومن مجموع هذا التنوع، تتشكّل السمات العامة للثقافة السلوكية اليمنية:

  • ففي تهامة، نجد الطيبة والسماحة.
  • وفي حضرموت، تتجلى البساطة والإنسانية.
  • وفي أزال، نلمح الشجاعة والإقدام.
  • وفي سبأ والمناطق الشرقية، تبرز النخوة والشهامة.
  • أما في الجند وعدن، فنجد الحكمة والتواضع.

كل هذه ليست مجرد صفات فردية، بل خصائص سلوكية وثقافية يمنية أصيلة، تعكس تراكمًا حضاريًا طويلًا. حتى لهجاتنا اليمنية تمثل ثروة ثقافية هائلة، لارتباطها العميق بالحضارات اليمنية المتعاقبة، ولتجسيدها حكمة وفلسفة الإنسان اليمني، ذلك الإنسان الذي قهر الجبال والجفاف والخذلان، وبقي مقاومًا بطبيعته، ثائرًا على الظلم والاستبداد بالفطرة.

وبرغم كل هذه القساوة في الجغرافيا والواقع، ظلّت العاطفة خاصية ثقافية مشتركة بين اليمنيين. فنحن نُحب بشدّة، ونكره بشدّة، نندفع بالعاطفة مثلما نُفكر بالعقل، وهذا ما يحتاج إلى ترشيد، وإعادة تأهيل، ورسم محددات واضحة تمنع الانزلاق خلف الانفعالات، وتحول العاطفة من قوة مدمّرة إلى طاقة بناء.

 

· أنواع المثقفين: بين الالتزام، والانتهازية، والانتماء

في المشهد اليمني — والعربي عمومًا — يمكن تصنيف المثقفين إلى عدّة أنواع، بحسب علاقتهم بالمجتمع، والسلطة، والحقيقة، وطبيعة دورهم الثقافي والفكري:

1. المثقف الملتزم

وهو المثقف الذي ينخرط بوعي في مشروع التغيير الاجتماعي والسياسي، ويسعى إلى الخروج بالمجتمع من أزماته ومحنه، ملتزمًا بالنقد البنّاء والموضوعي، ومساهمًا في صياغة رؤى لبناء المؤسسات وإصلاح البنية الاجتماعية.

هذا المثقف دائم الانحياز إلى قضايا الجماهير، وهو ما يُسميه إدوارد سعيد: "المثقف المقاوم للبُنى السلطوية في المجتمع"، ذلك الذي لا يُهادن السلطة، ولا يُسايرها، بل يعريها عبر الفكر والضمير.

2. المثقف التنويري

هو المثقف الذي يسعى إلى خدمة المجتمع انطلاقًا من قناعاته الخاصة، وفكره المستقل. يمارس دورًا إصلاحيًا وتنويريًا في حدود قدراته، وغالبًا ما يتحرك خارج الأطر السياسية الصلبة، لكنه يبقى مساهمًا في دفع الوعي خطوة إلى الأمام.

3. المثقف الوظيفي

وهو الباحث عن وظيفة لا عن رسالة. ينحاز — غالبًا — لطرف سياسي أو سلطة، ليس اقتناعًا، بل طلبًا للخلاص الفردي، أو بحثًا عن مصالح شخصية. هذا المثقف يغيّر مواقفه بتغيّر موقعه، يرى ذاته محورًا للكون، ويُخفي ذلك تحت خطاب معرفي يُقدّمه على أنه عميق لا يبلغه الآخرون. في الحقيقة، هو يجلد المجتمع لا ليصلحه، بل ليُظهر نفسه بمظهر المتفوق النخبوي الذي يمتلك مفتاح الفهم المطلق، في حين لا يملك سوى قناع المؤقت.

4. المثقف الحزبي

من حقّ أي مثقف أن ينتمي لحزب، وأن يعرّف الناس به، ويشرح رؤيته من خلاله. لكن المثقف الحزبي الحقيقي هو من ينحاز للجماهير أولًا، حتى إن اختلف أحيانًا مع حزبه. أما حين يتحوّل إلى "مبرّراتي" حزبي، يبرر الأخطاء، ويُجمل العيوب، ويغلب الانتماء الحزبي على المصلحة العامة — فإنه يفقد مصداقيته الأخلاقية والثقافية.

ويُصنّف أنطونيو غرامشي هذا النوع من المثقفين باعتباره ما يسميه "المثقف العضوي"، فيقول: "كل فئة اجتماعية ناشئة تبدأ من موقع اقتصادي محدد، وتخلق معها — عضوياً — شريحة من المثقفين، تزودها بالتجانس والوعي، لا فقط في المجال الاقتصادي، بل أيضًا في الميدانين السياسي والاجتماعي. هؤلاء المثقفون هم من يُكَوّنون الرؤية الفكرية للفئة التي يمثلونها، ويعيدون صياغة العالم من منظورها، وينقدون الأيديولوجيات السابقة عليها".

 

· من هو المثقف اليمني؟

المثقف اليمني، اليوم، هو المتشرب لخصائص الثقافة اليمنية، الحامل لقيمها وتنوعها وعمقها التاريخي. وهو قبل كل شيء الملتزم بالقضية اليمنية، الواعي بأبعادها، والمدرك لتعقيدات الصراع الدائر في اليمن والمنطقة.

إنه المثقف الذي لا ينحاز جهوياً، ولا طائفياً، ولا أيديولوجيًا، بل ينحاز فقط للجمهورية اليمنية، للجماهير، للسيادة، للاستقلال، للمواطنة المتساوية، للدولة المدنية، وللهوية الحضارية العريقة للأمة اليمنية.

المثقف الحقيقي هو من يبحث عن الحلول لمشكلات الشعب اليمني في تنوعه الجغرافي والثقافي والاجتماعي، وهو من يتحمل مسؤوليته الفكرية والأخلاقية تجاه الناس، لا من يُلبّس نفسه ثوب البطل أو القائد السياسي أو العسكري.

أخطر ما يمكن أن يرتكبه المثقف، هو أن يبث روح التسليم والاستسلام للاستبداد والطغيان في نفوس الناس، أن يُنظّر للهزيمة، أو أن يُبرر للخراب باسم "الواقعية السياسية" أو "الحكمة الزائفة".

المثقف اليمني ليس بوقًا لأي طرف في الصراع. لا يبرر انقلابًا محليًا، ولا يروّج لاحتلال أو تدخل خارجي. ولاؤه الأول والأخير للدولة، وللشعب، لا للطائفة ولا للقبيلة ولا للمليشيا. عليه أن يكون صاحب فكرة، لا أداة دعاية.
أن يُقنع الناس بفكرة الدولة، وبالمواطنة، وبالمقاومة، وبالثورة،
لا أن يساير ميليشيات جهوية أو طائفية، ولا أن يتذبذب بين مشروع الدولة ومشاريع الفوضى.

وفي النهاية: طالما وُجد جندي يمني واحد يدافع عن الجمهورية، فيجب أن يقف كل المثقفين خلفه، فهو — فعليًا — قائدهم، لا أن يعتبروا أنفسهم قادته.

· التغيير والنهوض بالمجتمع: وظيفة لا ترف

هناك مسؤولية تاريخية وأخلاقية مُلقاة على عاتق المثقف تجاه مجتمعه،
مسؤولية يجب أن يُحاسَب عليها مجتمعيًا، فهو ليس شخصًا عاديًا معنيًا بنفسه وأسرته فقط، بل الثقافة تُلزمه بمهمّة تنويرية لا تتوقف: مهمة التغيير الاجتماعي.

على المثقف أن يسأل نفسه دائمًا:

  • ماذا قدّمت للمجتمع في أيام السِّلم والرخاء؟
  • وماذا قدّمت في زمن الحرب والصراع؟
  • أين كنتَ في اللحظات المفصلية التي غيّرت مصير الناس؟

المثقف لا يشتغل على ذاته فقط. هو معطى عام، ومشروع إنساني دائم.
هو مُتعلّم ومُعلّم في آنٍ معًا: يتعلّم من التجارب، ويُعلّم ما استخلصه منها.
هو متحرر من عبودية المادة، مثالي في الحلم، واقعي في السلوك،
قريب من الناس، أقرب إليهم من أنفسهم. إنه ينتمي إلى سلالة المعلمين العظام: الأنبياء، والرسل، والفلاسفة، والمصلحين الاجتماعيين، والثوار... والمثقف، في جوهره، هو امتداد لكل هؤلاء.

المثقف ليس مجرد اسم في قائمة، ولا رأسًا في قطيع. وجوده في المجتمع ليس تكميلًا للعدد، بل قيادة فكرية وأخلاقية ومجتمعية. عليه أن يتصدر المشهد دائمًا، خاصة في أوقات الأزمات، حين تنتكس القيم، وتضيع الفطرة. إنه يتفاعل مع أحداث مجتمعه الكبرى كأولوية قصوى، يتحلّى بالصبر، والتسامح، والحب، والتواضع، ولا يصنع تمييزًا ضد الناس مهما اختلفوا، ولا ضد نفسه حين يرى الفكر سببًا للعزلة، بل يخرج إلى الناس بثقة ومسؤولية، ويحمل الحضور لا الاختباء.

وقد سبق أن أشار المفكر البرازيلي باولو فريري (1921 – 1997) إلى هذا الدور الجوهري، حين انتقد "ثقافة الصمت"، التي تُنتج القهر والخضوع، وقال إن مصدرها قد يكون الجهل أو غياب التعليم، فقدّم نظرية تعليم الكبار، التي تنطلق من قراءة الواقع قراءة نقدية ومتحرّكة. وقال فريري: "إذا لم نكن نحن صُنّاع الحلول، فسنبقى دائمًا في ترسّبات المشكلة، وفي صميمها."

وهذا هو جوهر القضية: إما أن ننهض، أو نغرق في بقايا الخراب. والمثقف هو من يختار النهضة، ويجرّ المجتمع وراءه نحو الضوء.

 

· ما هي واجبات المثقف اليمني اليوم؟

في زمن الحرب والانقسام، وتفكك المؤسسات، وتعدد الميليشيات، لا يكون المثقف ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. وهذه قائمة بأبرز المهام التي تقع على عاتقه اليوم، والتي تشكل خارطة طريق للخروج من النفق:

1. في المجال الفكري والاجتماعي:

  • تقليص الخلافات النخبوية والشعبوية، عبر خطاب جامع، لا استعلائي ولا متدنٍّ.
  • توسيع دائرة الإيجابيات، وتقليص السرديات السلبية والانهزامية.
  • الحفاظ على القيم والأخلاقيات اليمنية الأصيلة، التي سعت الحرب إلى تدميرها.
  • مقاومة الجهل والتمزق والتعصب، بكل أشكاله: الطائفي، العرقي، الجهوي، والقروي.
  • إحياء روح التنافس في خدمة الأمة اليمنية، لا في الاستعراض الخطابي أو الأيديولوجي.

2. في المجال السياسي والثقافي:

  • المشاركة الجادة في إنهاء روح الصراع، بكل أشكاله: طائفي، مذهبي، جهوي، قروي، أو عرقي.
  • العمل على إحياء الهوية اليمنية الجامعة، وروح الدولة، وقيم المواطنة المتساوية.
  • التحرر من التحزب الضيق وقت الحروب والصراعات، والتحول من منطق الأدلجة إلى منطق المقاومة الشاملة.
  • بناء إطار معرفي مفتوح يتّسع للجميع، قائم على الاجتماع حول المشتركات الدنيا لا التنازع على الكماليات الأيديولوجية.

3. في المجال الاستراتيجي:

  • إدراك أن اليمن بحاجة إلى تيار ثقافي عريض، يقوم بعملية تجسير فعلي بين المكونات الاجتماعية، رغم التباينات والانقسامات.
  • المساهمة في بناء ثقافة يمنية جديدة، حديثة، مكافئة لثقافات الشعوب الحية والمعاصرة، متجاوزة للإرث السلبي دون التنكر للهوية.
  • تأسيس ثقافة جمهورية جامعة، تلتف حولها الأمة، وتنسف:
    • البُنى الخرافية للطائفية،
    • والبُنى الوهمية للجهوية والقروية،
    • والعصبيات البدائية التي تُعيق الدولة وتُغذي الاستبداد.

 

· خصائص يجب أن تتوفر في المثقف اليمني

إن المثقف اليمني ليس مجرد حامل شهادة أو صانع رأي، بل هو ضمير الأمة وعقلها الجماعي. ولكي يؤدي هذا الدور الجوهري، لا بد أن يتحلى بالخصائص التالية:

1. الانتماء والالتزام:

  • محبٌ لشعبه، خادمٌ لأمته اليمنية، مستقل في رأيه، لا يتبع إلا ضميره الحي وروح الأمة اليمنية العظيمة.
  • صاحب موقف لا يُساوم. لا ينتمي لأي عصبية بدائية، ولا يدعم انقلابًا أو ميليشيا تهدد أمن البلاد واستقرارها.
  • يسعى دومًا لتحقيق السيادة والاستقلال، ولا يفرّط بشبر من تراب اليمن.

2. الاستقلالية الفكرية:

  • لا يملكه حزب ولا إيديولوجيا، لا مذهب ولا قبيلة ولا منطقة ولا عِرق.
    المثقف اليمني ملك الأمة اليمنية وحدها، لا يُشترى ولا يُباع، ولو عاش فقيرًا مُعدمًا.
  • قد ينتمي سياسيًا لحزب، ومن حقه التصويت له، لكن انحيازه الأول هو للقضية اليمنية، يتخلى عن حماقات حزبه وأوهام الإيديولوجيا المستوردة متى ما تعرض الوطن لكارثة أو خيانة أو انقلاب.

3. الحصن الأخير:

  • المثقف اليمني هو آخر القلاع، وآخر الحصون، لا يمكن إزاحته عن موقعه في معركة الوعي والقضية. هو مشروع مقاومة ودفاع عن الأمة، والهوية، والدولة، والوطن.
  • لا يُهادن العدو الخارجي، ولا يغفر لعملائه في الداخل.
    أن يُؤتى اليمن من قِبَل المثقف، فهذه كارثة الكوارث.

4. الفعل الثوري والتنويري:

  • يعمل على خلق الوعي الثوري وتعبئة المجتمع في مواجهة المشروع الاستئصالي للهاشمية السياسية، وكذلك ضد الانقلابات في الشمال والجنوب على حد سواء.
  • يسعى لمدّ جسور التواصل مع بقية المثقفين، من أجل خلق حالة وعي جمعي، ترتكز على استعادة الكرامة اليمنية، وبناء الدولة، وتأسيس مؤسسات قوية وحديثة.

5. بناء الثقافة المدنية:

  • يتحرر من الصراعات الماضوية، ويسهم في نشر ثقافة المواطنة المتساوية، وفي بناء مجتمع يمني حضاري جامع.

6. القيادة الاستطلاعية:

  • على المثقف أن يتقدّم الصفوف، لا أن يلتحق بها.
    أن يكون رائدًا فكريًا واستطلاعيًا، يرسم الطريق للنخب السياسية والإعلامية، ويمضي الناس على خُطاه.

7. الحضور في غياب الدولة:

  • في لحظات الغياب — بسبب انقلاب، أو تدخل خارجي، أو كارثة
    يحرص المثقف أن يكون هو الحاضر الدائم، والمرجعية الأخلاقية والفكرية، لا الغائب المتفرج.

هذه الورقة قدّمت كنص محاضرة ألقاها الدكتور فيصل علي، رئيس مركز يمنيون للدراسات، في منتدى الفكر السياسي – جمهورية الصين الشعبية، تحت عنوان: "دور المثقف في المقاومة والثورة اليمنية"، وذلك بتاريخ: 28 سبتمبر 2020م.

مقالات قد تهمك