اليمنيون/ ماليزيا

لم تكن رائحة البن اليمني التي امتزجت بهواء مدرسة "المعرفة الدولية" في منطقة سيردانج بماليزيا مجرد أريج عابر، بل كانت بوابةً لرحلة ثقافية تختزل قرونًا من الحكاية اليمنية. الفعالية، التي نظمتها مؤسسة يمنيون الثقافية برعاية سفارة بلادنا في ماليزيا، تحولت إلى لوحة إبداعية تلامس الحواس وتُحيي التراث في قلوب أكثر من 16 جنسية تحت سقف المدرسة.


القهوة هنا لم تُسكب في أكوابٍ صغيرة فحسب، بل انسكبت حكاياتٌ عن جبال اليمن الشاهقة، حيث تُحاك أسطورة "الذهب الأحمر" بين ضباب المدرجات الخضراء. وانطلاقًا من هذا العمق، حمل الطلبة بين أيديهم كتيب "ثلاثية رشفات الغيوم"، الذي لا يروي قصة سعيد المزارع وأسعد التاجر وسلمى المهندسة الزراعية كشخصياتٍ عابرة، بل كأبطالٍ يُجسدون حلم وطنٍ يرفع قهوته رايةً للحضارة. الكتيب، الذي تحول فورًا إلى مادة ثقافية في صفوف المدرسة، سيكون وقودًا لنقاشات الطلاب الأسابيعَ المقبلة: كيف لثمرةٍ بسيطة أن تصير جسرًا بين الهوية والعالم؟

المدرسة، التي تُعرّف نفسها كـ"واحة للتعدد الثقافي"، رأت في القهوة اليمنية أكثر من مشروبٍ تقليدي؛ إنها منهجٌ عملي لتعليم الطلاب كيف تُنسَج الحضارات من خيوط بسيطة. عبر ورش تفاعلية، سيحفر الطلاب في طبقات التاريخ ليكتشفوا كيف حوّل اليمنيون حبات البن إلى لغةٍ عالمية يفهمها الجميع، من سواحل اليمن الكبير إلى مقاهي ماليزيا الحديثة.

وعلى المستوى الرسمي، شهدت جامعة APU في 15 فبراير الجاري حفل التدشين الرسمي ليوم القهوة اليمنية، بحضور سعادة الدكتور عادل باحميد، سفير بلادنا، وعميد السلك الدبلوماسي العربي في ماليزيا، وقيادات الجالية اليمنية، والاتحادات، إلى جانب ممثلي القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية.

وأكد المنظمون أن الفعالية جاءت في إطارِ رسالةٍ ثقافية تنطلق من الماضي لتبني حوارات المستقبل. ورؤية تهدف إلى:
• إبراز القهوة اليمنية كتراث ثقافي يعكس عمق الحضارة اليمنية.
• تعزيز الروابط بين الجالية اليمنية والمجتمع الماليزي عبر أنشطة ثقافية وتذوقية.
• إيجاد تكامل بين الجهود الرسمية والمجتمعية لتقديم القهوة اليمنية للعالم ليس فقط كمشروب، بل كهوية ثقافية وتجارية.

في مدرسة "المعرفة"، حيث يلتقي التعليم الإسلامي العربي بالمناهج الدولية، تُصبح القهوة اليمنية أداةً لتعليم الطلاب أن الهوية ليست حدودًا، بل نافذةٌ تُطل منها الأجيال على العالم، حاملةً تراثها كجواز سفرٍ ثقافي. يقول لسان الحال في حفل مدرسة المعرفة: "اليوم لم نعلّم الطلاب عن القهوة، بل علمتنا القهوة كيف نروي قصتنا للعالم".