فلسفة المقاومة لدى البردوني

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
فلسفة المقاومة لدى البردوني *طارق السكري حديثنا اليوم عن الفينيق عبد الله البردوني. والفينيق طائر يبعث نفسه ويجدد نفسه بعد أن يصبح رمادا، ووجه الشبه بينهما كبير، فشاعرنا...

فلسفة المقاومة لدى البردوني

 

*طارق السكري

اليمنيون سبتمبر 2020

          حديثنا اليوم عن الفينيق عبد الله البردوني. والفينيق طائر يبعث نفسه ويجدد نفسه بعد أن يصبح رمادا، ووجه الشبه بينهما كبير، فشاعرنا الكبير عبد الله البردوني هو أيضا قام من بين ركام الواقع وأنقاض الابتلاءات والتحديات التي واجهته واعتصرت قلبه وشبابه. عبد الله البردوني من مواليد 1929 محافظة ذمار. من أوائل من سعوا لتأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وقد انتخب رئيساً للاتحاد في المؤتمر الأول. نال وتقلد العديد من الجوائز اليمنية والعربية. ترك لنا أحد عشر ديوانا، وسبعة كتب نثرية. وهناك العديد من الدراسات العليا حول تجربته الأدبية. إلى غيرها من المقالات.

 

لكننا في البداية ونحن نتحدث في هذا اللقاء عن فلسفة المقاومة في تجربةِ البردوني لا ننسى أن نشير إلى أهمية اختيار هذا الموضوع في هذا الوقت الحرج بالذات، في ظل هذا المنعطف التاريخي الخطير الذي تمر به أمتنا اليوم من خروج سافر على عادات اليمنيين وتقاليدهم وأخلاقياتهم النبيلة من قبل ميليشيات مسلحة تزعم الحق الإلهي في الإمامة الدينية والأخروية.. انقلبت على الشرعية وساعدتها على ذلك نفوس ولاؤها لليمن ضعيف بل معدوم. فأعملت هذه الميليشيات الطائفية قوتها وأسلحتها في التفجير والجرف والتشريد والقتل والتدمير. متناسين أنها اليمن. مقبرة الغزاة. فحديثنا عن أدب المقاومة في تجربة البردوني يأخذ طابعاً حياً ومشروعاً مهما للحفاظ على هويتنا من التمزق والتشرذم. مما يعكس لنا مدى وعي القائمين على هذه الأمسية.

 

 

المقاومة لدى البردوني متنُ قصيدةٍ لها أبعادٌ فلسفية ولها دلالات اجتماعية وإنسانية وكونية. ليست المقاومة لدى البردوني مرهونة بنظام سياسي فإذا ما سقط هذا النظام انتهت المقاومة. ولا هي مرهونة بمكان أو زمان، فإذا ما تحول المكان أو تغير الزمان انتهت المقاومة. ولا هي مرهونة بحزب أو فصيل سياسي.  لا. المقاومة لدى البردوني مشروع فكري. قرار واختيار شخصي. منهج حياة يستمر إلى أن تتحقق الأحلام، فإذا ما تحققت الأحلام، تستمر أيضا للمحافظة على الحلم.

 

الخضرمة

 

لشاعر عظيم مخضرم كالبردوني عاش فترة الحكم الكهنوتي، عاش مرحلة التحضير لثورة 26 سبتمبر المجيدة عاصر أحداثها، عاينها رأي العين. امتلأت مسامع روحه بأحاديثها وصخبها ومواويلها، وقف بجانب رفاقه الشرفاء الأحرار ينادون بكف الظلم عن الشعب وكف البغي، ويطالبون بحياة تعليمية بحياة مدنية بحياة كريمة كما هي مطالبُ كلُّ إنسانٍ على وجه الحياة. كما عاش أيضاً فترة ما بعد ثورة 26 سبتمبر كما هو معلوم. تلك الفترة التي أعقبت قيام الثورة، والتي كان من المفترض أن تكون أيامَ خيرٍ وحصادٍ وأيامَ رخاء. لكن للأسف.. ما كل ما يتمنى المرء يدركه. وعطفاً على ماسبق. ولشاعرٍ مخضرمٍ كالبردوني عاش أهم الأحداث السياسية والثقافية التي مرت بها اليمن. لابد وأن تكون له تجربة أدبية وفكرية كبيرة ورائدة وفريدة ومهمة. تغرينا بالوقوف عندها والتأمل.

محطات

أولى هذه المحطاتِ التي سنقف عندها والتي نرى أنه من الضروري الوقوفَ عندها لنرى بذورَ فكرةِ المقاومة الأولى في تجربة البردوني. هي محطة: نضالُ المستعمر البريطاني ونضالُ الكهنوت الإمامي:

كان الوطن العربي يرزح تحت كابوس الاستعمار الأجنبي. احتلت إسرائيل من خلاله أشرف وأطهر بقعة في الوطن العربي ألا وهي أرض فلسطين الحبيبة. وما كان للشعراء بالطبع أن يسكتوا عن ذلك. فهم أكثر الناس استشعارا للضيم والرغبة بالثورة والخروج على الطغيان، فدبجوا القصائد الحماسية التي تستنهض الهممَ لرفض هذا الواقع المحتل والثورة عليه والتحرر من أغلاله. وكان الشعراء يرون أن التواصل مع الملوك العرب والرؤوساء خطوة مهمة في لم الشتات العربي وإعلان الحرب على إسرائيل وتحرير الأرض. هكذا كان يرى الشعراء في تلك المرحلة. في الأربعينات تحديدا. وكان البردوني في فورة الشباب مسكونا بالحماسة القومية والتنويرية. يحلم بالوحدة العربية ويحلم بالتحرير. فأخذ كغيره من الشعراء بإرسال قصائد في مدح الملك سعود وإلى الإمام أحمد، وكتب أيضا قصيدتين في مدح الإمام البدر ” عودة القائد “، و”الربيع والشعر ” يحرضه على تحرير جنوب اليمن ويغريه بالفتوح:

للقائد الأعلى الموشّح بالسنا  علم الفتوح وقاهر المستعمر

لوليّ ” عهد الملك ” بنّاء الحمى  حلم البطولة والطموح العبقري

أرض الجنوب – و أنت نخوة ثأرها –  ظمأى تحنّ إلى الصراع الأحمر

أرضي ودار أبي وجدّي لم تزل  في قبضة المتوحّش المتنمّر

تطوي على حلم الجهاد عيونها  وتئنّ تحت الغاصب المستهتر

فازحف إليه يا بن بَجدتها على  . لجج السلاح الفاتح المتهوّر

 

ويكتب البردوني قصائد بعد ذلك في الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس عبد الله السلال. كل ذلك برغبة الحشد والتجييش والاتحاد في سبيل تحرير الأرض.

مَن جمالٌ ومن أسمّي جمالا؟ . معجزات من الهدى تتوالى

وشموخا يسمو على كلّ فكر .وعلى كلّ قمّة … يتعالى

وكان عبد الله البردوني يزمجر باسم العروبة عبر منبر قصائده الحر يدعو إلى اليقظة والمقاومة والتحرر من أجل قيام الوحدة الكبرى، ففي الوحدة القومية الكبرى القوةُ والمنعةُ والكرامة.. إنها فردوس الحلم العربي في خيال الشعراء آنذاك:

إنّ في وَحْدة العروبة مجداً .. خالداً ثائراً على كل ثائر

إنما العربُ أمةً وحّدتها  .. لغةُ الضاد والدّما والعناصر

إن للعرب غابراً داس كسرى .. وتمشّى على رؤوس القياصر .

 

والبردوني في مواجهة الإمامة لم يتوقف لحظة عن التحريض وتشجيع الشعب على الخروج على الظلم والانتصار لقضاياهم ومطالبهم المشروعة. وفي قصيدة “وعيد وعتاب” يوجه البردوني رسائل نارية فيها تهديد صارخ وشجاعة باسلة رغم حداثة سنه:

لماذا تدوس حشاي الجريح . وفيه الحنان الذي دلّلكْ

ودمعي؛ ودمعي سقاك الرحيق . أتذكر “يا نذلُ” كم أثملكْ !

فما كان أجهلني بالمصير . وأنت لك الويل ما أجهلكْ !

غدا سوف تعرفني من أنا . ويسلبك النبل من نبّلكْ

ويستمر البردوني في تحريض الشعب على التحرك والمبادرة والثورة:

يا زفيرَ الشعب حرِّق دولةً .. تحتسي من جرحك القاني مُداما

لا تقل قد سئمت إجرامها .. من رأى الحيّات قد صارت حماما ؟

طبعاً. إلى غير تلك القصائد الغزيرة والمواقف البطولية التي تزخر بها دواوينه الشعرية مما لا يتسع المقام لسردها مجتمعة وإنما يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. إذن تلك كانت المحطة الأولى وكانت تتسم بطابع المدرسة الكلاسيكية. الوضوح. المباشرة. التأثر بالزبيري، فما كان من الإمام إلا أن زج به في السجن. تحديدا عام 1948- وسجن لمدة تسعة أشهر. وكان عمر البردوني آنذاك 19سنة!! فكتب البردوني مصورا حالته ومشاعره ومعاناته في السجن:

هدّني السجن وأدمى القيدُ ساقي . فتعاييت بجرحي ووِثاقي

وأضعتُ الخطو في شوكِ الدُجى . والعمى والقيد والجرح رفاقي

ومللت الجرح حتّى… ملّني . جرحي الدامي ومكثي وانطلاقي

وتلاشيت فلم يبق سوى . ذكريات الدمع في وهم المآقي

 

أما المحطة الثانية : فهي مرحلة الصدمة !

 عاشت ثورة 26 سبتمبر تكافح في سبيل بقائها وثباتها وامتدادها. ودخلت اليمن في حرب أهلية في صنعاء حتى حصار السبعين. وكان البردوني يرقب المشهد بخوف وتوجس. يرقب هذا الصراع والانقلاب. يرى الملكيين قد عادوا ولبسوا ثياب الجمهوريين. وبدأ رفاق الثورة الأحرار المناضلون يقتلون ويغتالون. بدأ الحلم يتبدد ويتلاشى. كل ذلك ترك أثرا سيئا في البردوني فإذا بأشعاره تنضح بالسخرية والهجاء والمرارة.. وكان أدب هذه المرحلة يتسم بطابع المدرسة الرومانسية. فيها مسحة تشاؤم. وشعور بالملل. والنفور من عالم السياسة إلى الطبيعة ومحاكاتها وخلع الذات عليها. وهناك قصائد كثيرة عبرت عن هذه المرحلة في تجربة البردوني. والتي تدل على تأثر البردوني بالاتجاه الوجداني أو الرومانسي كقصيدة طائر الربيع وقصيدة فلسفة الفن وقصيدة نار وقلب وغيرها من القصائد والتي ورد أغلبها في ديوانه الأول ” من أرض بلقيس “.

 

عند ذلك.. كتب البردوني قصيدة طويلة تعد ملحمة أو إلياذة شعرية، قصيدة تتجاوز المائة بيت تقريباً. أعتقد أنها تحتاج إلى كتيبةٍ من النقاد! يشرح فيها قصة استلاب اليمن! كيف تمت سرقةُ الثورة! يصف فيها الجغرافية السياسية لليمن القديمة. كيف كانت وكيف تم تقسيمها وكيف بدأت محافظاتها تتناقص ويتحدث عن هذا الواقع اللامعقول: اليمن التي هي ثروة الآخرين وهي الفقيرة! والتي هي خنجر الآخرين وهي العقيرة! كانت تلك القصيدة بعنوان: مسافرةٌ بلا مهمة. وردت في ديوان (السفر إلى الأيام الخضر) نقتطف بعضاً منها:

يا رؤى الليل … يا عيون الظهيرة … هل رأيتنّ موطني والعشيرة ؟

هل رأيتنّ يحصباً أو عسيرا ؟ … كان عندي هناك أهل وجيره

يا رؤى يا نجوم .. أين بلادي ؟ … لي بلاد كانت بشبه الجزيره

أخبروا أنها تجلّت عروسا … وامتطت هدهدا ، وطارت أسيره

وروابٍ عيونهنّ شموسٌ … وعليهنّ كلّ نجم ضفيره

يا للجمال!

ثم ماذا ؟ أسَمتْ سعيداً نبيلاً .. ودعت شعلةً هدى أو سميرة

غيّرت شَعرَ جلدها وهي لمّا .. تتغيّر ولم تغيِّر وتيرَه

أصبحت أطوعَ المطايا ولكن .. بالتواء الدروب ليست خبيره

وصف أخاذ للمشهد السياسي آنذاك.. يقطر حزناً وأسى. ظهرت العمالات والخيانات واصفاً تلك الخيانات ووقعها وأثرها بأنها أفظع من أعمال اليهود.

وعرفنا من العمالاتِ صِنفاً .. كان أطرى ما أحدثَ العمُّ سامْ

ألا ما أمرَّ طعمُ الخيانة! يصيح البردوني باليمن متوسلاً بكل دمعة ودم شهيد سقط على الأرض في سبيل نهضتها أن تتحرك.. أن تثور.. أن تضطرب.. أن تتزلزل من تحت أقدامهم.. أن تتغير:

أصيح للربى اقفزي .. وللحدائق ازحفي

وللضفاف أبحري .. وللبحار كفكفي

وللغصون سافري .. وللعروق رفرفي

وللحقول حلّقي .. وللمقابر اهتفي

وللعواصف ارقدي .. وللحجارة اعصفي

لكن كان هناك غزاة ومحتلون من نوع آخر:

غزاة لا أشاهدهم .. وسيف الغزو في صدري

وفي عود احتلال الأمس .. في تشكيله العصري

فقـد يأتـون تبغـاً فــي … سجائـر لونَهـا يـغـري

وفـي صدقـات وحـشـيٍّ … يُؤنسِنُ وجهَـهُ الصخـري

وفي أهـداب أنثـى فـي … مناديـل الهـوى القهـري

وفـي ســروال أسـتـاذ … وتحـت عمامـة المقـري

رفض المتعلمون الجدد. الأحرار الجدد. النخبة الجديدة. الكاذبة. الذين هم أدهى من الجهل كما قال البردوني في موضع آخر من قصيدة. إذن رفض هؤلاء المحتلون الجدد أن تتغير اليمن.. أن تتحدث بمعنى أصح.. أن تلبس ثياب العصرنة والتنوير والتقدمية. وأبوا إلا العودةَ باليمن إلى القرون المظلمة! فاصطدمت الكلمة الشاعرة. الكلمة الجميلة بواقع قاسي.. بقلوب كالحجارة لا تريد تغييرا للواقع ولا تريد تعليما ولا مدنية ولا شيئاً من هذا القبيل. فكتب البردوني قصيدة ويا لها من قصيدة! قصيدة يهجو بها النخبة المثقفة الفاسدة. قصيدة بعنوان: اجتماع طارئ للحشرات!!! قصيدة رمزية. يصف فيها كيف اجتمع البق ” القمل ” والذباب والضفادع والزنابير في قاعة كبيرة في مجلس ما، وحولهم المكاتب والأوراق والأجهزة.. يناقشون القضايا السياسية. ويعلو الصراخ ويحتد النقاش فيما بين الحشرات! والهجاء السياسي الساخر يعد من أرقى أشكال المقاومة الأدبية. القصيدة تجدونها في ديوان: كائنات الشوق الآخر.

فكرة المنقذ (المخلّص)

ومع الأيام بدأ الملل يتسرب إلى البردوني ويتجسم الملل في خياله بصورة أكبر، وبدأت تنشأ عند البردوني فكرة المدينة الفاضلة كما عنونها بذلك العنوان لأحد دواوينه: مدينة الغد. أحب الدواوين الشعرية إلى الدكتور عبد العزيز المقالح. وبدأ البردوني يخاطب هذا الواقع اللامعقول بلغة لا معقولة. لغة تجمع بين الحقيقة والخيال، بين اللاواقع والواقع. وبدأ البردوني يتخيل لهذه المدينة الفاضلة حاكما أو قيادة أو تياراً له مواصفات خارقة واستثنائية. تجلت في فكرة (المخلص) واسمحوا لي أن أشرح لكم قصة ” فكرة المخلص ” وموضوع التناص الشعري. التناص الشعري باختصار هو أن يتقاطع الشاعر مع فكرة أخرى لكاتب آخر. تماما كما تناص البردوني مع أبي تمام في قصيدة: أبو تمام وعروبية اليوم في قول البردوني آخر القصيدة: إن السماء ترجّى حين تحتجبُ. فهذا البيت لأبي تمام. استعاره البردوني ووظفه لخدمة فكرته.

 

كما تناص مع عنوان لرواية من روايات نجيب محفوظ ” لص تحت المطر ” وللبردوني قصيدة بذات العنوان وردت في ديوان: (السفر إلى الأيام الخضر) ” لص تحت الأمطار. هذا تناص قريب وهناك تناص بعيد لا يكاد القارئ العادي أن يشعر به. تناص مع أسطورة أو أغنية شعبية أو أثر ديني كما هي فكرة المنقذ في قصيدة ” مصطفى ” كما سيأتي الحديث عنها لاحقاً. فقد تناص البردوني مع ما ورد في بعض الأحاديث النبوية التي تفيد بنزول عيسى عليه السلام من السماء وظهور المهدي أو الهادي. فيعم على إثر وجودهما السلام وتتحرر الأرض وينتشر العدل.

 

 وقد خامرت فكرة المخلص الكثير من الشعراء العرب كسميح القاسم وغيره من الشعراء بعد أن انتابهم اليأس من إصلاح الواقع العربي.  واستولت فكرة المخلص على فكر البردوني. ففي عام 1986 كتب البردوني قصيدة ” مصطفى ” تلك القصيدة الرائعة التي ذهب النقاد في تأويلها كل مذهب. وتعددت فكرة ” المصطفى ” في أكثر من قصيدة وامتدت إلى أكثر من ديوان. كمدينة الغد والسفر إلى الأيام الخضر والطريق إلى الفجر وجواب العصور. كان البردوني يرى اليمن في اللاوعي قد انتصرت على الحرب وعلى الجوع والفقر والمرض والتخلف. وإذا باليمن تغتسل بأضواء الحضارة والمدنية. ثم يأخذ البردوني في وصف هذا المخلص الحاكم، والذي هو من عامة الشعب! والذي قد لا يكون شخصا وإنما قد يكون تياراً أو مؤسسة مدنية، بأنه يأتي من خارج التقويم. وفي قصيدة أخرى أنه: ينبعث من الموت.

 

وفي قصيدة بعنوان: “الأخضر المغمور” يصف بأن: الأزهار والأشجار تنبت تحت خطوات أقدامه، وهنا يتناص البردوني أيضاً مع قصة السَّامري عندما كان السامري يرى التربة تتغير عندما كان جبريل عليه السلام يطؤها بأقدامه فقال: ” بصرتُ بما لم يبصروا به فقبضتُ قبضةً من أثر الرسول ” إلى أوصاف كثيرة لا يتسع المقام لسردها وجلبها من قصائد شتى. الآن دعونا نستمع إلى هذه القصيدة ونتأمل تلك الأوصاف الاستثنائية: 

فليقصفوا لست مَقْصَفْ وليعنفوا أنت أعنفْ

ولـيـحشدوا أنت تدري أن المخيفين أخوف

أغـنـى ولـكنَّ أشقى أوهى ولكنَّ أضعف

أبـدى ولـكـنَّ أخفى أخزى ولكنَّ أصلف

لـهـم حـديـد ونار وهم من القش أضعف

يـخـشـون إمكان موت وأنت للموت أَأْلَفْ

لـذا تـلاقـي جيوشا من الخواء المزخرف

يـا مصطفى أي سر تحت القميص المنتف

هـل أنـت أرهـف لمحا لأن عودك أنحف

لـمْ أنـت بالكل أحفى من كل أذكى وأثقف

 

لقد أفاد البردوني من الفكرة الدينية، ووظفها توظيفاً فنياً في سياق نضاله ومشواره الأدبي والفكري الطويل كل ذلك تجسيداً لأحلام ثورة 26سبتمبر المجيدة.  وتتسم هذه المرحلة التي ختم بها حياته بطابع حداثي سريالي من خلال الصور الشعرية الحداثية التي تنبع من اللاوعي ومن الحلم. استجابة طبيعية لهذا الواقع السياسي اللامعقول. كل ذلك تمردا على اللغة المألوفة والواقع السائد لا تمردا على الواقع السياسي والاجتماعي فحسب. ونخلص من هذا أن المقاومة لدى البردوني اعتقادٌ راسخٌ وضرورةٌ تفرضها سننُ التطور، والرغبةُ بالعيشِ الكريم، والرغبةُ في تحقيق الذات اليمنية الخلاقة: ” أنا أقاوم إذن أنا موجود “إنها مقاومة تنبع من الداخل وتتجاوز المحلية والقومية والأطر والأيديولوجيات إلى الإنسانية والعالمية والكونية.دل ..حديث ديني . الأمطار ” وللبردوني قصيدة بذات العنوان ” لص تحت الأمطار .  امتثالاً لقول الله تعالى: ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم “.

 

 

*ملخص ورقة عمل قدمها الأديب الشاعر طارق السكري في ندوة ” أدب الثورة والمقاومة اليمنية” والتي اقامها مركز يمنيون للدراسات ونادي أوسان الأدبي بمناسبة احتفالات شعبنا بذكرى الثورة اليمنية 26سبتمبر و14أكتوبر، مساء الثلاثاء 1 سبتمبر2020 الرابعة مساءً بتوقيت اليمن، التاسعة مساءً بتوقيت ماليزيا وبثت مباشر عبر منصة ZOOM وصفحة مركز يمنيون للدراسات على الفيسبوك

والندوة كاملة موجودة على قناة يمنيون على اليوتيوب 

 

 

 

مقالات قد تهمك