في ظلال بؤس "الفن للفن"

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يتناول المقال الجدل حول مقولة "الفن للفن" في ضوء البلاغة العربية، ويدافع عن بنية البيت الشعري بوصفها وحدة مكثفة للمعنى والمنطق، لا علامة على التفكك أو السطحية. يستشهد بشواهد من شعر المعري وطرفة، ويستحضر قراءات عبد الحميد الفراهي في جمهرة البلاغة، وتأملات العقاد حول شعرية الحرف، وأطروحة غوستاف لوبون عن الروح النفسية للأمم، ليؤكد أن اللغة العربية ونظامها الجمالي يعكسان بنية عقلية وأخلاقية أسهمت في تشكل حضارة كاملة.

بالأمس، كتبت مقالة بعنوان: “من بؤس الفن للفن إلى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)”، نشرتها مشكورةً مؤسسة يمنيون الثقافية. تحدثت فيها عن البلاغة العربية وشخصيتها الفطرية، وخصوصية البيت الشعري الواحد، وهو ما أثار جلبة من بعض الدارسين العرب الذين اتهم بعضهم القصيدة العربية القديمة بالسطحية، ورماها بضعف الخيال وتفكك القصيدة؛ لأن ذلك – بزعمهم – يرجع إلى طبيعة العقل العربي البياني الضبابي الذي لا يصلح للمنطق وتعميق الفكرة، وما إلى ذلك من كلام عجيب!

وكيف – بالله عليكم – يكون ضبابياً؟ وهو العقل الذي استطاع أن يختزل قوانين الملاحظة الدقيقة للسلوك البشري في شطر بيت شعري واحد، كما فعل أبو العلاء المعري حين قال:
تثاءبَ عمروٌ إذ تثاءبَ خالدٌ .. بعدوى، فما أعدتنيَ الثُّؤَبَاءُ
إن في هذا البيت وحده من المنطق الاجتماعي واليقظة الذهنية ما يغني عن دراسات مطولة في علم النفس السلوكي. فهو يثبت أن العربي كان يملك “وحدة شعورية” كوحدة البيت الشعري، و”منطقاً برهانياً” يلمح الأثر قبل أن يستطرد في الخبر، وهو ما يؤكد أن نظام “البيت الواحد” كان مستودعاً للذكاء المركز، لا للسطحية المشتتة.
إلى غيرها من الشواهد الشعرية، فضلاً عن مقالات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي. وكان قد ألمح إلى قضية “تفلسف الشعر” من قبل شاعر اليمن الكبير عبد الله البردوني في كتابه “الأدب اليمني قديمه وحديثه”.

وشاء الله أن يقرأ مقالتي بعض المتخصصين من الأصدقاء، الذين لهم عناية واهتمام بالبلاغة العربية واطلاع على الجديد مما تقذفه منصات التواصل أو المجلات. فكان ممن تواصل معي إثر المقالة: الدكتور الشاعر دحان أبو يمان القباتلي، وكذلك الأستاذ حمود دبوان المخلافي، وكتب الأخير تعليقاً جميلاً حول الموضوع. وكذلك الدكتور الأديب عبد الرحمن العديني، فهنأني على المقالة، لكنه أرسل لي كتابين جميلين: “جمهرة البلاغة” و”الطريق إلى فهم أشعار العرب”. وقد كنت حقاً قد مررت بهما أثناء التحضير للماجستير، لكن الدكتور العزيز أشار إلى نقطة مركزية فيهما، وهي الحديث عن وحدة البيت والوحدة الموضوعية -وهو ما تناولته في المقالة- مما يجعل من هذين الكتابين رافدين مهمين للفكرة، ومرجعين يوسعان أفقها ويفتحان مجالاً للإثراء والتأصيل العلمي. فقررت إعادة القراءة بتركيز.

إن لغتنا العربية لغة عبقرية، لها نظام دقيق محكم في حروفها وأصواتها، وتفاعيلها وأعاريضها، واشتقاقات ألفاظها الجذرية، منسجمة مع طبيعة العربي وفطرته وسليقته. يقرأ العربي من خلالها، ويمارس التفكير من خلالها، ويتطور من خلالها. ولا تجد أعقدُ مسائلِ التفكير أوسع رحابةً وأدفأ حضناً من اللغة العربية، فتتمدد وتتنشط وتتسع.

يقول العقاد بالمعنى في كتابه “اللغة الشاعرة”: إنه قبل أن ننظر إلى شعرية بناء القصيدة العربية وصورها الفنية، بل وقبل النظر إلى شعرية اللفظة العربية واشتقاقاتها الفريدة، علينا أولاً أن ننظر إلى الوحدة الأولى من الكلام والجزء الأصغر فيها، وهي: شعرية الحرف العربي!
بمعنى أنه إذا كان الشعر روحاً يكمن في سليقة الشاعر حتى يتجلّى قصيداً قائم البناء، فهذا الروح في الشعر العربي يبدأ عمله الأصيل مع أبجدية الحرف العربي وشخصيته وصفته ومخرجه، قبل أن تنتظم منها أركان القصيد.
فما بال أولئك يحدثونني عن “الوحدة الموضوعية” و”الوحدة العضوية” و”الصورة الكلية” و”الصورة الجزئية”؟

كأن العقاد يقول: قبل أن تدرس القصيدة، افهم الطبيعة أولا.. طبيعة المنشئ أولاً، وطبيعة اللسان العربي، وما وراء ذلك من قيم.

أجل، لقد خص الله العربي بأجمل الخصائص: الحرية والإباء، “والصدق والجود”، كما يقول العلامة صاحب كتاب “جمهرة البلاغة” عبد الحميد الفراهي. يقول -وانظروا إلى الربط الذكي بين القيم وبين الشعيرة-: “خلتان فضلت بهما العرب سائر الأمم: الصدق والجود. فالصدق بناء العبادات، والجود بناء المعاملات، ويعبر عن الأصلين بالصلاة والزكاة.
ألا ترى كيف يُمدحون بهاتين الصفتين؟ قال صخر أخو الخنساء يرثي أخاه:
وطيَّبَ نفسي أنني لم أقل له .. كذبتَ، ولم أبخل عليه بماليا” صـ 27
إلى حديث طويل عن فضائل العربي وتحليل نفسيته. لكن الذي أثار انتباهي في “الجمهرة” هو تفطن المؤلف إلى سبب تأثر العرب بالقرآن الكريم، وهو “دعوته إلى مكارم الأخلاق التي كانوا يجدون صدىً لها في نفوسهم”. (انظر الكتاب صـ27)
أعجبتني هذه” صدىً لها في نفوسهم”.

العجيب أن مؤلف الكتاب غير عربي! ولقد وصل إعجابه باللغة العربية إلى أن أصبح فيها علَّامة في علومها وإماماً في آدابها لا يشق له غبار، وآية ذلك كتبه ومؤلفاته التي تبرز فيها مكنته العلمية، وسعة ثقافته، إضافة إلى تمكنه من اللغة الفارسية والعبرية والإنجليزية والهندية.
أعجبتني درجة إحساسه العالية، كيف تجاوز القِشْرَة ونفذ إلى اللُّبَاب؟ كيف ترك ظواهر اللغة الصوتية وأشكالها الفنية الخارجية، ونظر إلى العمق من أسرار الشخصية العربية؟
قلت: ربما استلهم ذلك من التأمل الطويل في شخصية النبي ﷺ، وتتبع جذور الفضيلة التاريخية في الجزيرة العربية.
حتى إنه أرجع سيئات العرب إلى حسنات! فقد نظر بذلك الحس المرهف إلى ما وراء الظواهر من دواعٍ نفسية، ولم ينخدع بالظواهر المادية. فلم يكن حب العرب للخمرة مثلاً إلا نتيجة حبهم للإنفاق وإتلاف المال! وكراهية أن يوصفوا بالبخل والجبن والحرص على الحياة. هكذا يقول:
“فمعاقرتهم الخمر، ومقامرتهم الميسر، جاءت من الجود. وحروبهم من أداء حق المقتول، والغضب للقسط. وظلمهم من إباء النفس عن الدنية. ولذلك رحموا الضعفاء والأرامل، ولم يقتلوا في الحرب الأسرى، ولا الأطفال، ولم يرهقوا المنهزمين”. (جمهرة البلاغة – 27)
ما أروعك!
ومن هنا أدركت غرض الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد في معلقته إذ يقول:
وَما زالَ تَشرابي الخُمورَ وَلَذَّتي .. وَبَيعي وَإِنفاقي طَريفي وَمُتلَدي
يقول: أنا أنفق في سبيل المتعة بلا حساب، ولو أدى ذلك إلى هلاكي. إنني أُكرم القريب والبعيد، والصديق والغريب.. واستخبري عني أهل تلك الأحياء يخبرونك الخبر اليقين.
فَإِن مِتُّ فَاِنعيني بِما أَنا أَهلُهُ .. وَشُقّي عَلَيَّ الجَيبَ يا ابنَةَ مَعبَدِ
يقول: ابكي عليّ، فأين تجدين كمثلي؟ جواد صادق كريم.
وَلا تَجعَليني كَاِمرِئٍ لَيسَ هَمُّهُ .. كَهَمّي وَلا يُغني غَنائي وَمَشهَدي
ابتعدي بي عن صفة الأراذل البخلاء، والأسافل الأشحاء، فلا تقربني منهم ولا تقارنيني بهم، فأنا في الفضل أعلى همة، وفي الشجاعة أعظم حضوراً.
وكذلك لو أنك تتبعت الشعر الجاهلي، لما أخطأك النظر في الوقوف على مثل هذه الظاهرة.

وأقول جازماً: لو أن الإسلام شرق وغرب، لما وجد كالعربي نفسية نبيلة، وعقلية حكيمة، وطبيعة خلاقة. فأكرمهم الله بالإسلام، فاهتدت الطبيعة وامتزجت الروح، وتلاقحت حضارة. وأي حضارة- عبر مسيرة الإنسان- لم تنتج من روحه؟ ولم تلقح من لغته؟ ولم تتشكل من مزاجه النفسي؟ ليست الأنظمة والقوانين من تحضر الأمم وتنهض بالعمران، بل الروح. وهذا ما كان يؤكد عليه بإصرار العلامة الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه الذائع الصيت “السنن النفسية لتطور الأمم”. بمعنى أن لكل مجموعة بشرية (أمة أو عرق) شخصية نفسية ثابتة، تماماً كما لها صفات جسدية ثابتة. هذه الشخصية النفسية هي التي تحدد: كيف تفكر الأمة؟ كيف تشعر؟ كيف تتصرف؟ كيف تبني حضارتها؟ بمعنى أن هناك علاقة جوهرية بين الروح وبين الحضارة.

القصائد والفنون والنظم والتصورات ما هي إلا انعكاس مباشر للروح النفسي للأمة. تماماً كما انبعثت من نفسية العربي ومزاجه اللغوي العبقري – بعد أن صبغه الإسلام بصبغته العالمية- انبعثت حضارة فلسفية وأخلاقية وإبداعية وعمرانية لأكثر من سبعة قرون ولا تزال ملهمة ومؤثرة حتى اللحظة.

والأجمل في كتاب “السنن النفسية لتطور الأمم” تأكيده على أن النظم أو الحضارات لا يمكن أن تستنسخ أو تقلد أو تنقل (على سبيل الاستعارة) من أمة إلى أمة! بمعنى أن الحضارة العربية الإسلامية لم تنشأ لأن العرب وجدوا نظماً ديمقراطية جاهزة فطبقوها على سبيل المثال، بل لأن في روح العرب النفسية من الأساس بذور القيم التي أكملها الإسلام: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. فالفنون العربية وآدابها تعكس هذه الروح، بل حتى بعد دخول الإسلام، بقيت الروح العربية تتفاعل مع قيم الإسلام وتنتج حضارة مميزة، كما ألمحنا سابقاً.

وأستطيع أن أقول – بعد قراءتي لكتاب “السنن النفسية لتطور الأمم” – إن علماء البلاغة والنحو واللغة حين كانوا يقعِّدون القواعد ويؤصِّلون ويفرِّعون، ما كان الغرض تبويباً لمسائل العلم وحسنَ تقسيمٍ وملء العقل بالمعلومات، بل كانوا يخاطبون العقل العربي ليعيد ترتيب الوجود وصياغة المعارف والتأسيس لجمال الروح الإنساني القيمي، المستخلَف المؤتمن على الشجر والحجر والطير والنهر.. المؤتمن على الفضيلة – ولكن دون أن يعتقد أنه مركز الكون كما في الفلسفات الوجودية- وهذا بالضبط ما قلته يوماً مرتجلاً في اليوم الثقافي الذي أقامته مدرسة الجيل العربي في ماليزيا: إن العالم اليوم في أمس الحاجة إلى قيمنا العربية والإسلامية وحضورنا العلمي الفاعل.

لم تطن الحضارة حجارة أو رصفاً لحجارة، بل كانت الحضارة تجسيد مادي وأخلاقي لأشواق الروح العربي.

العقل العربي لم يكن فوضوياً أو سطحياً أو بيانياً ضبابياً لا يصلح للمنطق والفلسفة كما يزعمون، بل كان عقلاً رصيناً جميلاً متيناً، أدرك عبقرية الإسلام وانفعلت روحه بجماله فسبق الناس إليه. وإن ذلك التكثيف في البيت الشعري الواحد الذي أشرنا إليه سابقاً، وهذا النظام الجمالي اللغوي الشعري الخاص، هو الذي جعل من الحياة قصيدة مكثفة. فصارت المدينة الإسلامية، والعمارة الإسلامية، بل وحتى العلوم، اتسمت بذات النظم المكثف الذي يجمع بين استقلال الجزء (البيت/الفرد) ووحدة الكل (القصيدة/الأمة). ولم تكن الجمالية ضد العقلية، ولا العقلية ضد الجمالية، بل كانا قلباً وروحاً.

وكأن العقاد – في حديثه السابق عن شعرية الأبجدية العربية – يود أن يقول: فإذا كان “الحرف” بذاته يحمل شخصية قوية وقيمة جمالية ذكية، فإن اجتماع الحروف في بيتٍ واحد يصنع بنية مكثفة تضاهي في تماسكها القصائد الطويلة عند الآخرين.
أرأيتم أجمل من ذلك؟
ألا رحم الله شيخ المعرة إذ يقول:
لولا عجائبُ صنعِ اللهِ ما نبتتْ .. تلك الفضائلُ في لحمٍ ولا عصبِ

مقالات قد تهمك