يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

قراءة في دراسة: هل يتيح القانون الدولي فك الارتباط واستعادة الدولة في جنوب اليمن؟

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
دراسة محكّمة للباحث اليمني د. فيصل علي تضع مطالب فك الارتباط واستعادة الدولة السابقة في جنوب اليمن أمام اختبار القانون الدولي، وتبحث أثر اندماج عام 1990 في الانفصال وإحياء الشخصية القانونية المنقضية.

نُشرت مؤخرًا دراسة قانونية محكّمة للباحث اليمني د. فيصل علي في «المجلة الدولية متعددة التخصصات للأبحاث»، الصادرة عن دار لندن للنشر الأكاديمي في المملكة المتحدة، بعنوان: Self-Determination, Secession, and Disengagement in Public International Law: Voluntary Merger and the Problem of Reviving an Extinguished International Legal Personality in Yemen. ويُترجم عنوانها إلى العربية: «تقرير المصير والانفصال وفك الارتباط في القانون الدولي العام: الاندماج الطوعي وإشكالية إحياء الشخصية القانونية الدولية المنقضية في اليمن». 

وظهرت الدراسة في المجلد الأول، العدد الثاني، لعام 2026، في الصفحات 86-108، بتاريخ 12 أغسطس 2026. وتتناول، من زاوية القانون الدولي العام والقانون الدستوري المقارن، مفاهيم تقرير المصير، والانفصال، وفك الارتباط، واستعادة دولة الجنوب، والجنوب العربي، في سياق الحالة اليمنية.

تركز هذه القراءة على الفكرة المركزية في الدراسة، والنتائج التي انتهت إليها، والإضافة العلمية التي تقدمها للنقاش اليمني، مع إبراز ما تغيّره في طريقة فهم المطالب المرتبطة بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب.

الفكرة المركزية في الدراسة

تنطلق الدراسة من سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يغيّر اتجاه النقاش القانوني: هل تتعلق مطالب فك الارتباط واستعادة دولة الجنوب بانفصال إقليم عن دولة قائمة، أم بمحاولة إحياء شخصية قانونية دولية سابقة انقضت عند اندماج الدولتين السابقتين في الجمهورية اليمنية عام 1990؟

يمثل هذا التمييز قلب الدراسة. وترى أن اتجاهًا حاضرًا في النقاش السياسي والقانوني يتعامل مع مفاهيم تقرير المصير، والانفصال، وفك الارتباط، واستعادة دولة الجنوب، بوصفها مفاهيم متجاورة أو قابلة للتبادل، مع أن لكل مفهوم منها أثرًا قانونيًا مختلفًا. ومن ثم، لا يكفي حضور المصطلح في الخطاب السياسي حتى يصبح له أثر منشئ في القانون الدولي.

وتضيف الدراسة إلى سؤال «هل يحق الانفصال؟» سؤالًا سابقًا يتعلق بوضع الشخصية القانونية الدولية السابقة: هل بقيت هذه الشخصية قائمة أو معلقة أو قابلة للاستئناف بعد اندماج عام 1990؟ وإذا كانت قد انقضت، فما الأساس القانوني الذي يمكن أن يسمح بإحيائها؟

منهج الدراسة وحدودها

تعتمد الدراسة منهجًا قانونيًا معياريًا مقارنًا، يقوم على تحليل قواعد القانون الدولي العام المتعلقة بتقرير المصير، والانفصال، واستمرارية الدول، وربطها بالفقه القانوني والاجتهاد القضائي الدولي والمقارن، ثم تطبيقها على الحالة اليمنية.

وتستخدم الدراسة الوثائق الدستورية والسياسية اليمنية، ولا سيما اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، لفهم الإطار الداخلي للقضية. كما تتعامل مع التقارير السياسية والوثائق الصادرة عن الفاعلين المحليين بوصفها مصادر تكشف طبيعة الخطاب والمطالب والتحولات السياسية، من دون منحها قوة قانونية منشئة للمشروعية.

وتحرص الدراسة على عرض الحجة المقابلة في أقوى صورها قبل اختبارها قانونيًا، خصوصًا الحجة المتعلقة بالانفصال العلاجي والحرمان من تقرير المصير الداخلي. وينحصر نطاقها في فحص القيمة القانونية للمفاهيم والمطالب المطروحة؛ فهي لا تقدم مسحًا ميدانيًا لاتجاهات الرأي العام، ولا تقيس الوزن الاجتماعي الفعلي لكل خطاب سياسي، ولا تبحث تفصيلًا مسؤولية جميع الأطراف الداخلية والخارجية عن تطورات النزاع.

الشخصية القانونية الدولية المنقضية

تتعامل الدراسة مع إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 بوصفها واقعة قانونية حاسمة. فقد كان لكل من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية شخصية قانونية دولية مستقلة قبل الوحدة. وأنتج الاندماج الطوعي بينهما، من منظور القانون الدولي، شخصية قانونية دولية واحدة هي الجمهورية اليمنية.

ويحفظ هذا التوصيف التاريخ القانوني والسياسي للدولتين السابقتين، ويحدد في الوقت نفسه الأثر اللاحق للاندماج. فالشخصيتان السابقتان لم تستمرا بعد عام 1990 ككيانين مستقلين في القانون الدولي، ولم تبقيا في وضع قانوني معلق يمكن استئنافه بإعلان سياسي منفرد. ومن هنا، فإن استدعاء الاسم أو الحدود أو الرموز السابقة لا يكفي لإعادة الشخصية القانونية الدولية المنقضية.

تمثل هذه النتيجة أحد أهم عناصر الدراسة، لأنها تجعل مطلب استعادة دولة الجنوب مختلفًا عن مطلب الانفصال التقليدي. ففي حالة الانفصال يدور النقاش حول خروج جزء من دولة قائمة. أما خطاب الاستعادة فيضيف سؤالًا يتعلق بوجود شخصية دولية سابقة قابلة للعودة.

وتجيب الدراسة بأن هذه الشخصية انقضت بفعل الاندماج الطوعي الكامل. وإذا طُرحت مستقبلًا مطالبة بإنشاء كيان منفصل، فإنها ستحتاج إلى أساس قانوني ودستوري جديد، وقبول من الدولة القائمة، واعتراف دولي جديد. وسيكون الناتج، من منظور القانون الدولي، كيانًا جديدًا، لا استعادة تلقائية لشخصية قانونية بقيت مستمرة أو معلقة.

الحاجز القانوني المضاعف

من أهم الإضافات المفاهيمية في الدراسة صياغة مفهوم «الحاجز القانوني المضاعف». ويقصد به، وفق الدراسة، اجتماع حاجزين قانونيين في الحالة اليمنية: أولهما غياب حق عام في الانفصال الأحادي عن الجمهورية اليمنية بوصفها دولة قائمة ومعترفًا بها دوليًا، وثانيهما انقضاء الشخصية القانونية الدولية السابقة بفعل الاندماج الطوعي الكامل عام 1990.

يتصل الحاجز الأول بالموقع المحدود للانفصال الأحادي في القانون الدولي. فالقانون الدولي لا يقرر حقًا عامًا يتيح للأقاليم أو الجماعات الانفصال عن الدول المستقلة القائمة بإرادة منفردة، ويوجه معالجة النزاعات الداخلية نحو المشاركة السياسية، والضمانات الدستورية، وعدم التمييز، والحكم المحلي أو اللامركزية الفعالة.

أما الحاجز الثاني فيتعلق بالشخصية القانونية الدولية المطلوب استعادتها. فإثبات وجود دولة في الجنوب قبل عام 1990 يقرر واقعة تاريخية وقانونية سابقة، لكنه لا يثبت استمرار شخصيتها بعد الاندماج. ويتطلب خطاب الاستعادة إثبات بقاء تلك الشخصية بصورة مستمرة أو معلقة أو قابلة للاستئناف، وهو ما تنفيه الدراسة في ضوء اتفاق الوحدة والممارسة الدولية اللاحقة.

ولا تقدم الدراسة مفهوم الحاجز القانوني المضاعف باعتباره قاعدة قانونية مستقلة أو حكمًا مطلقًا يستبعد كل تسوية قانونية لاحقة، وإنما بوصفه أداة تحليلية لفهم عبء الحجة في مطالب استعادة دولة الجنوب.

ولا تعني الإشارة إلى ضرورة وجود أساس قانوني جديد تقرير حق في الانفصال أو الدعوة إلى إنشاء كيان منفصل؛ إذ توضح فقط أن أي مطالبة لاحقة من هذا النوع، إن طُرحت، ستحتاج إلى أساس قانوني ودستوري جديد، وموافقة الدولة القائمة، وقبول المجتمع الدولي بالشخصية الجديدة، وستُعامل من منظور القانون الدولي بوصفها مطالبة بإنشاء كيان جديد، لا استعادةً تلقائية لشخصية قانونية بقيت مستمرة أو معلقة.

أما الإطار الذي تنتهي إليه الدراسة لمعالجة القضية الجنوبية، فيقوم على تقرير المصير الداخلي، والعدالة الانتقالية، والضمانات الدستورية، وإعادة توزيع السلطة والثروة داخل دولة يمنية واحدة.

تقرير المصير وحدود الانفصال

تخلص الدراسة إلى أن تقرير المصير لا يعمل في القانون الدولي كمرادف للانفصال. وتكتسب هذه النتيجة أهميتها في السياق اليمني بسبب استخدام مفهوم تقرير المصير في بعض الخطابات السياسية بوصفه طريقًا مباشرًا إلى الانفصال أو الاستقلال.

وتفرّق الدراسة بين تقرير المصير الداخلي وتقرير المصير الخارجي. ففي الدول المستقلة، يكون تقرير المصير الداخلي هو الإطار القانوني العام من خلال المشاركة السياسية، والتمثيل العادل، وعدم التمييز، والضمانات الدستورية، والحكم المحلي أو اللامركزية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة. أما تقرير المصير الخارجي فقد استقر أساسًا في سياقات الاستعمار والاحتلال الأجنبي.

وتناقش الدراسة أيضًا أطروحة الانفصال العلاجي، التي تقوم على فكرة أن الحرمان الجسيم والممنهج من تقرير المصير الداخلي قد يفتح، في ظروف استثنائية، نقاشًا حول الانفصال. وتشترط الصيغة الأقوى لهذه الأطروحة إثبات وجود جماعة تتمتع بحق تقرير المصير بالمعنى القانوني، ووقوع حرمان جسيم وممنهج من المشاركة الداخلية، واستنفاد الوسائل الدستورية والسياسية، وعدم وجود وسيلة أخرى لحماية الحقوق المعنية.

ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن الانفصال العلاجي ما يزال أطروحة خلافية لم تتبلور في صورة قاعدة عامة مقبولة في القانون الدولي. وحتى اجتماع الشروط التي يطرحها أنصار هذه الأطروحة لا ينشئ حقًا تلقائيًا في الانفصال، وإنما يفتح نقاشًا قانونيًا استثنائيًا يخضع لقيود شديدة.

وتضع الدراسة المظالم السياسية والإدارية والاقتصادية المرتبطة بالقضية الجنوبية ضمن إطار المعالجة القانونية الداخلية. فالاعتراف بهذه المظالم يؤسس لمطالب العدالة الانتقالية وجبر الضرر والإصلاح الدستوري، من دون أن يتحول تلقائيًا إلى حق قانوني في الانفصال.

المفاهيم السياسية وحدود أثرها القانوني

تخضع الدراسة مفاهيم فك الارتباط، واستعادة دولة الجنوب، والجنوب العربي للتحليل القانوني، وتفصل بين دلالتها السياسية أو الهوياتية وبين قدرتها على إنشاء مركز قانوني دولي.

وتصل إلى أن هذه المفاهيم لا تنشئ بذاتها حقًا في السيادة أو الانفصال. فقوة المصطلح في الخطاب العام لا تكفي لتحويله إلى قاعدة قانونية، وتظل قيمته مرتبطة بمصادر القانون الدولي والقانون الدستوري، وطبيعة الدولة القائمة، وشروط استمرارية الشخصية القانونية الدولية، وموقف المجتمع الدولي من الوضع الناشئ.

ويشير مفهوم «فك الارتباط» في الخطاب السياسي إلى إنهاء العلاقة التي نشأت عام 1990. غير أن الدراسة تضعه أمام سؤال يتعلق بطبيعة تلك العلاقة: هل كانت اتفاقًا تعاقديًا بين شخصيتين دوليتين بقيتا قائمتين ويمكن لإحداهما إنهاؤه بإرادة منفردة، أم كان اندماجًا كاملًا أنتج دولة واحدة وشخصية دولية واحدة؟ وتتبنى الدراسة التوصيف الثاني.

أما مفهوم «استعادة دولة الجنوب» فيستند إلى الوجود السابق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والاعتراف الدولي الذي تمتعت به قبل عام 1990. وتفصل الدراسة هنا بين الواقعة التاريخية وأثرها القانوني الراهن؛ فالاعتراف السابق لا يعني استمرار الشخصية القانونية بعد اندماجها في دولة جديدة.

وفي ما يتعلق بمفهوم «الجنوب العربي»، تتتبّع الدراسة جذوره في الترتيبات البريطانية خلال المرحلة الاستعمارية والصيغ الاتحادية التي سبقت الاستقلال عام 1967. وتخلص إلى أن حضوره المعاصر يمنحه دلالة سياسية وهوياتية قابلة للدراسة، من دون أن يترتب عليه بذاته مركز قانوني مستقل أو شخصية دولية سابقة قابلة للاستعادة.

وتبرز الفائدة العملية لهذا التحليل في الفصل بين مشروعية التعبير عن المطالب السياسية وبين قدرتها على إنتاج أثر قانوني. فتحويل المطالب السياسية إلى نتائج تتعلق بالسيادة أو الانفصال أو إنشاء دولة يحتاج إلى سند قانوني ومسار دستوري واعتراف دولي، وليس إلى قوة تداول المصطلح وحدها.

لماذا لا تطابق اليمن النماذج المقارنة؟

تستند الدراسة إلى مقارنة مع نماذج دولية معروفة في قضايا تقرير المصير والانفصال، منها كيبيك، وكوسوفو، وإريتريا، وجنوب السودان، وتفكك الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى اتحادات طوعية انحلت مثل الجمهورية العربية المتحدة واتحاد مالي والسنغامبيا.

وتقوم المقارنة على تحديد العنصر القانوني الذي أنتج النتيجة في كل حالة، ثم فحص وجوده أو غيابه في الحالة اليمنية. فالتشابه العام في وجود نزاع سياسي أو مطالبة إقليمية لا يكفي لنقل النتائج القانونية من حالة إلى أخرى.

في كيبيك، فرّقت المحكمة العليا الكندية بين الأهمية الديمقراطية للاستفتاء وبين أثره القانوني، وقررت أن التصويت الواضح قد ينشئ التزامًا بالتفاوض، لكنه لا يمنح حقًا أحاديًا في الانفصال. وفي كوسوفو، اقتصر رأي محكمة العدل الدولية على فحص ما إذا كان إعلان الاستقلال نفسه محظورًا في القانون الدولي، من دون تقرير حق عام في الانفصال.

أما إريتريا وجنوب السودان، فقد ارتبط استقلالهما بموافقة الدولة الأم ومسار تفاوضي واتفاقات واستفتاءات معترف بها. وفي حالة الاتحاد السوفيتي، كانت الجمهوريات المكوّنة تتمتع بوضع دستوري اتحادي متميز، وجاء الانفصال ضمن تفكك شامل للبنية الاتحادية.

وتمنح الدراسة سابقة الجمهورية العربية المتحدة أهمية خاصة، لأنها الأقرب إلى الحجة المقابلة. فقد استعادت سوريا عضويتها المنفصلة في الأمم المتحدة عام 1961 بعد اتحاد قصير مع مصر. غير أن الدراسة تشير إلى اختلاف هذه الحالة عن اليمن من حيث قصر مدة الاتحاد، وطبيعته المؤسسية، وطريقة تعامل الأمم المتحدة مع العضوية، واستمرار مصر في الشخصية الدولية للاتحاد، مقارنة باستمرار الجمهورية اليمنية دولة واحدة لعقود.

وتفيد هذه السابقة أيضًا في ضبط مفهوم الحاجز القانوني المضاعف. فالدراسة لا تستخدمه لاستبعاد كل انفصال أو تفكيك قانوني لاحق، وإنما لإثبات أن العودة إلى شخصية سابقة لا تتم تلقائيًا، وأنها تحتاج إلى بنية قانونية وممارسة دولية تقبل استئناف تلك الشخصية. وترى الدراسة أن هذه العناصر لا تتوافر في الحالة اليمنية بالصورة التي ظهرت في الحالات المقارنة.

وتخلص المقارنة إلى أن اليمن لا يطابق بدقة أيًا من هذه النماذج، بسبب الاندماج الطوعي الكامل عام 1990، واستمرار الاعتراف الدولي بالجمهورية اليمنية، وغياب ترتيب دستوري أو دولي يبقي الشخصيتين السابقتين قائمتين أو معلقتين أو قابلتين للاستئناف المنفرد.

وتقوم هذه النتيجة على تفكيك عناصر كل حالة وبيان الفروق القانونية التي تمنع نقل نتائجها تلقائيًا إلى اليمن.

السيطرة الفعلية والدعم الخارجي

من النتائج المهمة في الدراسة أن السيطرة الفعلية على أجزاء من الإقليم، أو الإعلانات السياسية والدستورية الصادرة عن فاعلين غير معترف بهم دوليًا، لا تمنح هذه الأطراف تلقائيًا صفة الدولة أو الحكومة أو حركة التحرر الوطني.

وتعيد هذه النتيجة التمييز بين الأمر الواقع والمركز القانوني. فقد يفرض فاعل محلي أو مسلح حضورًا فعليًا على الأرض، وقد يشارك في ترتيبات سياسية أو انتقالية، لكن هذه الوقائع تظل خاضعة لقواعد الدولة والشخصية القانونية والاعتراف الدولي.

وتطبق الدراسة هذا التحليل على المجلس الانتقالي الجنوبي، فتصف وضعه بأنه مركب يجمع بين كونه فاعلًا سياسيًا ومسلحًا غير دولتي يتبنى مشروعًا انفصاليًا، وبين مشاركته في ترتيبات انتقالية مدعومة دوليًا، من بينها اتفاق الرياض ومجلس القيادة الرئاسي. وترى أن هذه المشاركة لا تحول إعلاناته المنفردة إلى أعمال سيادية، كما أن نفوذه السياسي والعسكري لا يجعله ممثلًا حصريًا لجميع الاتجاهات أو المحافظات الجنوبية.

كما تؤكد الدراسة أن الدعم الخارجي، سواء أكان سياسيًا أم عسكريًا أم ماليًا، قد يؤثر في الوقائع وموازين القوة، لكنه لا ينشئ بذاته مركزًا قانونيًا دوليًا أو تفويضًا سياديًا، ولا يحل محل الإرادة الدستورية الجامعة أو الاعتراف الدولي المشروع.

مخرجات الحوار الوطني وتقرير المصير الداخلي

تنتقل الدراسة من اختبار السند القانوني لمطالب الانفصال والاستعادة إلى عرض مسار داخلي لمعالجة القضية الجنوبية. ويقوم هذا المسار على تقرير المصير الداخلي، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والضمانات الدستورية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة.

وتولي الدراسة أهمية لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ولا سيما وثيقة الحل العادل للقضية الجنوبية. وتقرأ هذه الوثيقة بوصفها محاولة يمنية لترجمة المظالم والمطالب السياسية إلى ضمانات داخل الدولة الواحدة، من خلال الاعتراف بالمظالم، وجبر الضرر، وضمان الشراكة، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وبناء دولة اتحادية ديمقراطية.

وتعرض الدراسة هذه المخرجات بوصفها إطارًا داخليًا غير مكتمل وقابلًا للتطوير. فقد بقيت قضايا عدد الأقاليم، وتوزيع الموارد، والصلاحيات، والمنافذ البحرية، وضمانات التنفيذ محل خلاف. ومن ثم، تركز الدراسة على تحويل المبادئ الواردة في المخرجات إلى مؤسسات وضمانات دستورية قابلة للتنفيذ.

وتتعامل الدراسة بحذر مع الصيغة الاتحادية متعددة الأقاليم، ولا تقدمها نموذجًا جاهزًا أو حلًا مكتملًا. فالقيمة القانونية والسياسية للفيدرالية أو اللامركزية الواسعة تتوقف على تصميم الأقاليم، وتوزيع الاختصاصات والموارد، وضمان المشاركة، والحفاظ على وحدة السيادة والشخصية القانونية الدولية للدولة.

وتمنح هذه الزاوية الدراسة قدرًا من التوازن؛ فهي تعترف بالمظالم السياسية والإدارية والاقتصادية، وتضعها في مسار قانوني يقوم على الإصلاح والعدالة والضمانات المؤسسية، مع فصلها عن النتائج القانونية المتعلقة بالانفصال أو إحياء شخصية دولية سابقة.

الإضافة العلمية للدراسة

تتمثل الإضافة العلمية الأولى في إعادة توصيف الحالة اليمنية. فالتناول الشائع يضعها ضمن حالات الانفصال التقليدي عن دولة قائمة، بينما تقترح الدراسة فهم جانب أساسي منها بوصفه مطالبة بإحياء شخصية قانونية دولية انقضت باندماج طوعي كامل. ويغيّر هذا التوصيف عبء الحجة، لأنه يضيف إلى سؤال مشروعية الانفصال سؤالًا يتعلق بإمكان إحياء الشخصية الدولية المنقضية.

وتتمثل الإضافة الثانية في مفهوم الحاجز القانوني المضاعف، الذي يجمع بين غياب حق عام في الانفصال الأحادي عن الدولة القائمة وانقضاء الشخصية الدولية السابقة. ويساعد هذا المفهوم على تفسير اختلاف الحالة اليمنية عن الحالات التي تُستدعى في النقاش المقارن.

وتتمثل الإضافة الثالثة في ربط القانون الدولي بالقانون الدستوري المقارن ومخرجات الحوار الوطني. ومن خلال هذا الربط، تنتقل الدراسة من اختبار المشروعية القانونية للمطالب إلى تحديد مسار داخلي لمعالجة المظالم عبر العدالة الانتقالية والضمانات الدستورية والمؤسسية.

وتتمثل الإضافة الرابعة في ضبط اللغة القانونية للنقاش اليمني. وتخضع الدراسة المفاهيم السياسية لأسئلة قانونية محددة: ما مصدر المفهوم؟ وما أثره؟ وهل ينشئ حقًا؟ وهل يغيّر مركز الدولة؟ وهل يملك قوة قانونية منشئة أم يظل ذا دلالة سياسية وخطابية؟

كما تميّز الدراسة بين السيطرة الفعلية والسيادة القانونية، وبين الدعم الخارجي والاعتراف الدولي، وبين الوجود التاريخي لكيان سابق واستمرار شخصيته القانونية في الحاضر. وتوفر هذه التمييزات إطارًا أكثر دقة لفهم الادعاءات السياسية واختبار آثارها القانونية.

خلاصة

تعيد الدراسة ترتيب النقاش حول فك الارتباط واستعادة دولة الجنوب انطلاقًا من السؤال القانوني: ما الذي تسمح به قواعد القانون الدولي في الحالة اليمنية؟ وما الفرق بين المطالبة السياسية والأثر القانوني؟ وما النتائج التي ترتبت على الاندماج الطوعي الكامل عام 1990؟

وتصل إلى أن القانون الدولي لا يقرر، في الحالة اليمنية، حقًا عامًا في الانفصال الأحادي، وأن الشخصية القانونية الدولية السابقة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لم تبقَ قائمة أو معلقة بعد الاندماج. ولذلك فإن استدعاء اسم الدولة السابقة أو حدودها أو رموزها لا يعيد شخصيتها القانونية.

ولا تتضمن هذه النتيجة دعوة إلى إنشاء كيان جديد أو فتح مسار للانفصال. فهي تحدد فقط أن أي مطالبة مستقبلية من هذا النوع ستحتاج إلى أساس قانوني ودستوري جديد، وقبول الدولة القائمة، واعتراف دولي، وستكون من الناحية القانونية مطالبة بإنشاء كيان جديد، لا استعادة لشخصية سابقة مستمرة.

وتضع الدراسة المعالجة الأكثر اتساقًا مع القانون الدولي والقانون الدستوري المقارن في مسار تقرير المصير الداخلي، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والضمانات الدستورية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على وحدة الشخصية القانونية الدولية للجمهورية اليمنية.

وتتمثل قيمة الدراسة في ضبط السؤال القانوني، وإعادة ترتيب المفاهيم، والفصل بين قوة المطالب في المجال السياسي وقدرتها على إنشاء نتائج في القانون الدولي. وهذا ما يمنحها أهمية في نقاش يمني ظل طويلًا محكومًا بمفاهيم كبرى من دون تمييز كافٍ بين دلالتها السياسية وحدودها القانونية.

رابط الدراسة:

قراءة الدراسة كاملة عبر موقع المجلة

مقالات قد تهمك

التجنيد العسكري العابر للحدود: قراءة نقدية في المسارات اليمنية إلى الحرب الروسية الأوكرانية
دراسات

التجنيد العسكري العابر للحدود: قراءة نقدية في المسارات اليمنية إلى الحرب الروسية الأوكرانية

قراءة نقدية لدراسة منشورة في مجلة MIRJ عام 2026، تتناول مسارات تجنيد يمنيين في الحرب الروسية الأوكرانية، وتحلل الدوافع البنيوية وشبكات الوساطة والإطار القانوني الدولي للظاهرة.

منذ شهرين
اليمن: حرب الستين عامًا.. قراءة نقدية لدراسة فايرستاين عن فشل الدولة اليمنية
دراسات

اليمن: حرب الستين عامًا.. قراءة نقدية لدراسة فايرستاين عن فشل الدولة اليمنية

كيف تحولت اليمن بعد ثورة 1962، إلى دولة عالقة في دوامة من الانقلابات والحروب والصراعات البنيوية؟ في دراسته «اليمن: حرب الستين عامًا»، يقدم السفير الأمريكي السابق لدى اليمن جيرالد فايرستاين واحدة من أبرز القراءات الغربية التي تفسر الحرب اليمنية بوصفها نتيجة تراكم طويل لفشل بناء الدولة والنظام الريعي والصراعات على السلطة والهوية منذ ستينيات القرن الماضي. وتقدم هذه القراءة التحليلية عرضًا ونقدًا لأهم أفكار الدراسة، من أزمة الجمهورية والوحدة اليمنية وصعود الحوثيين، إلى اقتصاد الحرب والفيدرالية وحدود المقاربة الأمريكية لفهم تعقيدات اليمن الحديثة.

منذ شهرين