لله الحكمة البالغة .. وبه البلاغ المبين .. من علم البيان .. وفتق بالقرآن اللسان . سبحانه!
بالأمس كنت أقرأ في التصوير الفني في القرآن الكريم لسيد قطب رحمه الله في قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا).
وأنا أقرأ كان ذهني مشدودا لحديث أجريته مع أستاذي عبد العزيز العسالي حول كتاب “البنيوية الشعرية” للناقد الفرنسي جان كوهن وهو يتحدث في كتابه ناقدا البلاغة الغربية القديمة بأنواع مدارسها الأدبية حيث أنها جزأت الفكرة وجزأت الصورة.
قلنا: تمام، لينقد تراث ألف سنة من البلاغة الغربية كلاسيكية ورومانسية وواقعية.. لا مشكلة.
لكنه في كتابه البنيوية الشعرية حشد عناصر الصورة من عاطفة وخيال وفكرة ورؤية وأسلوب وتراكيب نحوية وإيقاع لتخدم فكرة واحدة وهي فكرة الصورة الشعرية الكلية دون مراعاة لأي اعتبار آخر التزاما بمبدأ ” الفن للفن”!
بمعنى أن الصورة الجمالية لو كانت مكتملة فنيا أدواتاً وقيماً تعبيرية وشعورية لكنها خادشة لقيم الحياء وسيادة المجتمع .. فلا مشكلة!
هذا التجزيء والتفتيت في المعرفة .. ترك أثره على أعصاب الإنسان والمجتمع. فأصبح العقل مفصولا عن الروح .. والعلم مفصولاً عن الأخلاق .. واللغة مفصولة عن الفكر.. والغاية مفصولة عن الوسيلة.
وحين لا يكون للجمال رسالة .. حينها يكون الجمال فاقدا لمعناه .. ويكون كحسناء خرساء مستلبة تؤدي ما يطلب منها من رذيلة وتبذل .. دون اعتبار مِنها لكرامتها الإنسانية!.
كان هذا محور حديثنا .. إلى نقطة مهمة وهي أن استلاب المفاهيم ونقلها من التراث البلاغي العربي إلى الغرب دون إشارة لامتنان ولا رسالة عرفان كمصطلح الانزياح مثلا أو الخيال أو الإيحاء هو ما يُسقِط قيمة الكاتب ويشين عقله ومنهجه.
والغريب أن نقد كوهن للصورة الجزئية أُسقِط على البلاغة العربية، فتلقّفناه نحن الطلاب وصدّقنا أن بلاغتنا قاصرة. مع أن البنيوية الشعرية افترعت كثيرا من تصوراتها من نظرية “بلاغة النظم” عند عبد القاهر الجرجاني التي أنهت الخلاف بين اللفظ والمعنى، وجعلت الجمال في السياق، حيث يذوب اللفظ والمعنى والأسلوب والعاطفة في النظم.
فماذا تركت هذه النظرية لأحد أن يقول؟
أثناء إعدادي الماجستير في الصورة الشعرية وتحضيري لرسالة الدكتوراه أيضا في التصوير الفني وقر في نفسي أن انتقاد البلاغة العربية القديمة كان محملاً بحمولة استشراقية، ويؤول- من حيث لا يُصرّح – إلى نبز بلاغة القرآن الكريم ومحاولة تجريده من كل فضيلة جمالية. كما يعزز من هيمنة ونفوذ الرجل الأبيض، وارث الحضارات والأديان والفلسفة والقدرات العقلية الخارقة. وهو ما يجعلنا نشكك في تلك النتائج.
فالصورة الفنية الجزئية ما هي إلا التشبيه والاستعارة .. وهما في الحقيقة مكمن العبقرية في الدقة والإصابة لو كانوا يعلمون.
حتى أن أرسطو في كتابه “فن الشعر” نص على ذلك ” المجاز دليل العبقرية”. وحين ترمى الصورة الفنية الجزئية بالتفكيك وعدم القدرة على الاتصال بالسياق حتى آخر النظم .. فلا أدري ماذا يُظن بعد ذلك من ذوي حملات التجديد؟
وفي الحقيقة إن التصوير الفني في القرآن أضاف إلى الصورة الفنية أبعاداً في الفن والجمال أكثر مما تطمح إليه الصورة الفنية على مر العصور .
يقول سبحانه: ( ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق). إن اعتماد جمالية الصورة الفنية في القرآن الكريم ليس على التخييل أو العاطفة فقط .. ولا على الإيقاع ولا الفاصلة فحسب .. بل على طاقة المفردة العربية نفسها واقتصاد العبارة، وعلى جمالية المقصد في توأمة فذة مع كل عناصر الصورة الفنية وسياق السورة الكريمة بكلها تلك التي كانت تلقف الإنسان من الجو وتحتضنه من الهلاك.
وفي كتابه التصوير الفني يقول سيد رحمه الله حول تلك الآية التي تملَّاها أستاذي العسالي عند افتتاحي المقالة:
(قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)، “فالخيال يظل يتصور تلك الحركة الدائبة: حركة الامتداد بماء البحر لكتابة كلمات الله، في غير ما توقف ولا انتهاء، إلا أن ينتهي البحر بالنفاد! ( سيد قطب – التصوير الفني – صـ93).
إن هذه الآية بحاجة إلى وقفة أطول من هذه الإلماحة في الكتاب .. يحين وقتها بإذن الله. فإنها تتشعب بطاقةٍ عجيبة في شرايين الخيال وتلافيف الروح .. وتبعد بالقارئ حيث تجنح به على المحيطات وأمواج البحار المتلاطمة.. وامتداد أفقها الرحب.
ينبغي للفن أن يكون رفيقا للإنسان .. على درب التغيير والإصلاح .. لا متخاصما مع الإنسان..
لا منفصلا عن السياسة والجوعى والواقع .. ولا منفصلا عن خالقه الذي نجّمه لغاية ( وعلامات وبالنجم هم يهتدون ).
إن البلاغيين العرب القدامى اشترطوا على القصيدة نظام وحدة البيت .. فالبيت الواحد مستودع الشاعرية ومحك اختبار لفحولة الشاعر . وهذه في الحقيقة خاصية النَّفَس العربي والنفسية العربية إن جاز التعبير، فالعربي منحه الله أذنا سمِّيعة تطرب للكلمة .. ولغة يمكن أن نقول كعلي الطنطاوي رحمه الله: “لغة ولدت كاملة” وكذلك فطن الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني في كتابه” الأدب اليمني قديمه وحديثه” من أن الشعر العربي من خصائص التطريب .
لذا، كان نظام وحدة البيت المستوى الرفيع للغة الشعرية تشد إليها طموح الفرسان .. وأرباب البيان .. شريطة الانسيابية دون تكلف ودون أن يفقد خاصية الإمتاع. فما يقوله الشاعر المطبوع في بيت ، لا يتأتى لشاعر غيره إلا في أربعة أبيات.
وجاء المجددون بمصطلح جديد وهو الوحدة العضوية . والوحدة العضوية في نظرهم هي المنصفة لحقيقة الشعر وهو الجبر الذي أكمل النقص في الشعر العربي! وكأن شعرنا العربي لم يكن معنيا بالفكرة وتصوير البيئة ووحدة الإنسان وجمالية المكان والزمان !
إذن، ما الذي كنا نقرأ فيه طوال حياتنا؟ أما كانت لنا ذائقة أدبية يعني؟
يعني أي نظرية أدبية .. نبتت على أرض لها ثقافتها الخاصة ولها تاريخها اللغوي ومشاكلها الاجتماعية ولها فلسفتها الخاصة في الحياة علينا أن نعلق في ذيلها كالحشرة في ذيل البقرة دون وعي ودون انتباه؟!
حسناً، ونحن؟ أليست لنا أرضنا وخصوصيتنا الثقافية الخاصة وفلسفتنا في الحياة .. إلخ؟
إننا باللغة العربية لا نملك القدرة على التصوير وإيفاء المعنى وتلبية حاجة الصورة والإنسان فحسب .. بل إننا نملك حق التنظير للفن والجمال وعلى العالم أن ينصت في خشوع لكل حفيف مفردة عربية ولكل تهويمة نظم ، ليجتمع شمله ويسمق ذوقه، ويبسق وجدانه، ويصلح فكره.
إننا بحاجة ماسة إلى العودة إلى تراثنا الأدبي كما فعل رواد النهضة العربية أيام محمد علي باشا وإثر الصدمة الثقافية إبان الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على مصر.
إن الوحدة العضوية تصلح في شعر الغرب وفي العمل المسرحي أو الدرامي .. تصلح أن تلملمهم من شتات العقيدة والفلسفة وغيرها.. مناسبة لهم تماماً.
أما نحن فتكفينا الإشارة.. واللبيب من الإشارة يفهمُ.
قالوا: في الصورة الجزئية تفكيكا ودليل ذلك أنه بإمكانك تقديم بيت على آخر!
حسناً، يعني ماذا تريدون؟
نلعب؟
حسنا لنلعب ، ولكن بشرط أن لا تفصل بين الصورة الجزئية وعاطفة الشاعر وغرض القصيدة.. انقلوا المغناطيس لكن بشرط .. دون الجاذبية !
وحدة البيت في الشعر ليست وحدة مفككة كما يزعم الزاعمون بل وحدة جوهرية يشبهها الجرجاني بالجوهرة التي تكون واسطة العقد .. مترابطة متألقة متصلة .. تقوم بوظيفتها: التطريب والتزيين والإمتاع.
وكم كانت سعادتي كبيرة أثناء الجمع للكتابة بكتاب وقع نظري عليه فقمت بتحميله بعنوان” قصيدة البيت الواحد” كتاب مؤلف من 357 صفحة للعالم الليبي الضليع ثقافة وعلما خليفة محمد التليسي رحمه الله فهو إلى إتقانه للغة العربية يتقن كذلك اللغة الإيطالية والإنجليزية والفرنسية مما يشعر القارئ بإزاء النتائج التي توصل إليها بشيء من الاطمئنان. فهو يؤكد على ما أشرنا إليه آنفاً من أن الأصل في الشعر العربي هو البيت الواحد. ويشير أن الشاعر العربي عندما كان يرسل بيتاً واحداً، لم يكن يعاني قصوراً في الخيال كما يزعم الشابي في كتابه “الخيال عند العرب”. يقول التليسي: “بل كان هذا البيت يستوعب اللحظة الشعرية بكل أبعادها”.
يا سلام! أي عمقٍ في الفهم، ورفعةٍ في الذائقة.. ونصَفةٍ للحقيقة!
إضافة إلى ميزة أخرى أفدتها من سيد قطب رحمه الله أثناء سرديته للصور الفنية في القرآن وهو قوله فيما معناه:” وقد أضافت الصورة الفنية القرآنية كذا وكذا” في ذات السياق أقول تعقيبا على كلام العلامة خليفة التليسي إضافة على استيعاب البيت الواحد للحظة الشعرية.. استيعاب عنصر التكثيف والتركيز ليدخل في معمل السياق الواحد: الإضمار والحذف والطي والنشر والإيحاء.
ومن عجيب الاتفاق بيني وبين الكاتب يعلم الله هو اتفاقنا الضمني أن عبقرية الشاعر تكمن في قدرته على حشد معانٍ واسعة في مبنى موجز وسريع، وهو ما يجعله يتفوق أحياناً على صفحات طوال من النثر.
وأنا حين قلت ذلك ، كنت أستصحب تعريف الشعر عند الشاعر البحتري لأبيات أحفظها.. وانظروا إلى النضج في فهم طبيعة الشعر العربي وبلاغة الشعر عند النخب الأدبية المثقفة آنذاك:
وَالشِعرُ لَمحٌ تَكفي إِشارَتُهُ..
وَلَيسَ بِالهَذْرِ طُوِّلَت خُطَبُه
لَو أَنَّ ذاكَ الشَريفَ وازَنَ بَيــنَ اللَفظِ وَاِختارَ لَم يَقُل شَجَبُه
وَاللَفظَ حَلْيُ المَعنى لَيسَ يُريـكَ الصِفْرُ حُسناً يُريكَهُ ذَهَبُه
يا سلام!
أنا لو أردت القراءة في الفلسفة علي أن أذهب لكتب الفلسفة .. لماذا أحشر الفلسفة بالشعر؟
فعلاً، الشعر لمحٌ تكفي إشارتُهُ ..
والوحدة العضوية لم تكن أجنبية عن الشعر العربي ولم يغفل النقاد العرب الحديث عنها. وقد أثار إعجابي الكاتب رحمه الله في استعراضه حول تطور مفهوم الوحدة عند النقاد العرب فهو يستشهد بابن قتيبة مثلا فيشير إلى أن ابن قتيبة قدم نظرة تبريرية لتعدد الأغراض، “معتبراً إياها وسيلة لاستدراج إصغاء السامع والتدرج النفسي معه”. – وبمثل هذا أشار الدكتور محمد عبد المطلب في كتابه” البلاغة والأسلوبية” ناقلاً عن العرب قولهم في تنوع الخطاب الأدبي : لو استمر الكلام على وتيرة واحدة لمجّته الآذان. يمكن الرجوع للكتاب والتدقيق في العبارة ، فأنا أمتحها من عقلي الساعة. وتطبيق ذلك ما نراه في كتب الأدب العربي من تنوع الأبواب .. وتنوع أساليب الكتابة من هزل إلى جد ومن خبر إلى شعر .. وهكذا-.
وكذلك ابن طباطبا حين طالب بأن “تكون القصيدة “ككلمة واحدة”، بحيث لا تناقض في معانيها ولا وهن في مبانيها”. وغيرهم من أعمدة صروحنا الثقافية في البلاغة العربية. يمكن أن يرجع إلى الكتاب ويستفاد منه.
أهناك أجمل من هذا الرد الفاره ذوقا، والباذخ سحراً .. للحصري حين كتب المعتمد بن عباد يطلبه وكان بالقيروان:
أمرتنى بركوبِ البحر أقطعهُ … غيري، لك الخيرُ، فاخصصه بذا الداءِ
ما أنت نوح فتنجينى سفينته … ولا المسيح أنا أمشي على الماءِ
يقصد أن البحر كان على ممر الروم آنذاك .. وقد يقع في الأسر فيخسر على أيدي الروم حياته!.
يا سلام! تلطفٌ في الكلام .. وصورة فنية كذلك مستوعبة للمضمون لفظا ومعنى .. وتكثيف وإيحاء.. مع إضافة بعد آخر للصورة التي يتهمونها بالجزئية وهي : الظرافة.
وفي كتاب زهر الآداب نجد منتجعاً للتأطير والتأصيل والتأسيس والتأثيث لمفهوم “مركزية البلاغة العربية”.
على سبيل الترويح لا غير، يصف أحدهم صوت مغنيةٍ فيقول:
يستنبطُ الروحَ اللطيفَ نسيمُهُ … أَرَجَاً، ويُؤكلُ بالضمير ويُشربُ
يا إلهي!
نحن بحاجة إلى روح لطيف .. ونسيمٍ أَرِجٍ .. لا إلى مداد ولا إلى أوراق .. حتى نستنبط ما لهذه اللغة من شفافية وعطر وماء! فلا المداد مصنوع من دمع الإنسان .. ولا أوراق منسوجة من خلايا الروح .. لكن اللغة العربية كذلك.
ويؤكل بالضمير ويُشربُ!
أمة العرب أمة بيان لا أمة قطع غيار .. لغتها شاعرية وليست لغة معلَّبة .. صورها الفنية خلاقة ، وليست فيزياء ولا معادلات رياضية .. موسيقاها من رمال صحارينا .. وأشعة شموسنا ، وظلال أقمارنا .. ومن أنفاسنا وأحزاننا وأسمارنا وابتهاجاتنا الباسلة .. وليست عجلة في قطار ، ولا دخان من غليون.