أزمة الدولة الوطنية العربية كما يشخِّصها هشام جعيط
مجيب الحميدي
استفزني قبل يومين تداول عبارة منسوبة للمفكر التونسي الراحل هشام جعيط تضمنت نقداً لاذعاً للدولة الوطنية، وتم توظيفها في أتون الصراع السياسي التونسي الراهن بطريقة أوحت أن المقصود بالعبارة هي الدولة التونسية الحديثة تحديداً، و التي تقدّم نموذجاً متقدماً في التحول الديمقراطي وتواجه تحديات اقتصادية ومحاولات لإعادة انتاج تسلطية الحكم الفردي. وتبين لي أن العبارة تعرضت للتحوير والإضافات، وإخراجها عن سياقها الزمني والموضوعي، فالعبارة وردت في مقال منشور بتاريخ 1989 وأعيد نشر المقال في كتاب ” أزمة الثقافة الإسلامية” الصادر عام 2000م وجاءت في معرض نقد الدولة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي ولا تخص تونس.
ودفعتني العبارة المنسوبة إلى قراءة الكتاب “أزمة الثقافة الإسلامية” وابحرت مع الكاتب وهو يستعرض أزمة الدولة الوطنية العربية العسكرية المزيفة التي أطفأت كل فكر حر، ويتعقب الزعماء والمفكرين الذين وصفهم بأنهم “اعتقدوا أنه يمكن التخلص من الإسلام بشطبة قلم”(1)، ويفند الاعتقاد السائد أن الدولة الوطنية العربية التي ظهرت في مرحلة ما بعد الاستعمار هي نتاج سياسة التجزئة الاستعمارية، ويشير إلى جذور هذه الدولة قبل الاستعمار في مصر الفاطمية والمغرب الإدريسية وأفريقية الأغالبة واليمن الزيدية، ومع تأكيده على أن الدولة الوطنية أصبحت واقعاً في ظل النظام الدولي الحديث يقول جعيط” ولكنني أنا – أي المثقف العربي- لا أستطيع أن أحب هذه الدولة الوطنية ولا تحثني أي وطنية على تأييدها، أشعر أنني مهان في انتمائي إلى دولة بلا أفق ولا طموح، دولة متسلطة لا يوجد فيها علم ولا عقل ولا جمال و لا حياة و لا ثقافة حقيقية. هذه الدولة تقمعني، وأنا أختنق في هذا المجتمع الإقليمي المزيف و الجاهل”(2) وهذه العبارة الأخيرة هي التي أشرتُ إليها في مقدمة هذه التناولة.
وفي ثنايا الكتاب يشخص جعيط أزمة هذه الدولة الوطنية القُطرية، فهذه الدولة استعارت من الأنظمة الشيوعية أساليب القمع بلا عدالة، ومن الغرب حداثة مزيفة بلا ديمقراطية ولا حقوق إنسان، ومن الإسلام إسلاماً تاريخيا محنطاً بلا قيم ولا مقاصد تأمر بالعدل والإحسان وتمنع جرائم القتل بغير حق والتجسس على المواطنين وانتهاك كرامتهم واعتمدت هذه الدولة على المشاعر الوطنية والنظريات القومية العاجزة عن تلبية الاحتياجات الروحية والفكرية العميقة والتي لا تمثل أي قيمة في حد ذاتها ولا أفقاً للضمير الإنساني(3).
واعتبر جعيط ظهور المد الإسلامي رد فعل على هذا الخواء الروحي و الفكري، وأشار إلى أن هذا المد الاسلامي “يشهد على أهمية جذورنا الإسلامية التي تناساها المثقفون والنخب الحاكمة وسحقوها أو تلاعبوا بها، ومن النقص الفادح لدى المثقفين ومن ضمنهم القوميون، أن يكونوا قد محوا الإسلام من أفقهم العقلي، وأن يرتدوا عنه بهذه السهولة من دون أي تمزق في الوجدان”( 4).
وانتقد جعيط الإسلاميين الذين قال أنهم يقودون قطيعاً من المحرومين العاجزين عن القيام بشيء غير الانتفاضات والتضحيات. وأشار إلى ضعف القواعد الفكرية التي تأسست عليها الحركة الإسلامية، وتمسكها بصورة تاريخية لتطبيق الشريعة تتنافى مع القيم الإنسانية وحقوق الإنسان. وفي سياق نقده للثقافة الإسلامية أشار إلى غياب الثقافة الإسلامية العليا التي قال أنها ماتت من القرن الخامس عشر الميلادي، وبموتها غابت الثقافة الإسلامية الأصيلة المبدعة التي تأخذ عمقها من داخل التقليد للمعطى الديني و من داخل نسق العلوم الإسلامية التقليدية، واستثنى الجهود التي بذلتها مدرسة الاجتهاد اليمنية مع الشوكاني على المستوى العربي، مشيراً إلى انقطاع تأثير هذه الجهود (5).
ويخلص جعيط في نقده للدولة الوطنية إلى رؤية إصلاحية تؤكد على ضرورة إجراء عدة تغيّرات أهمها:
1- التخلص من عنف الدولة وعنف حركات التمرد والجماعات الراديكالية المفرطة في العدوان باسم السياسة والدين والطوائف والاستغلال الشنيع للأهواء والعنصرية الملتهبة.
2- تطبيق الديمقراطية في الواقع والتخلص من الاستبداد والحكم الفردي و الأساليب التسلطية.
3 – استبعاد الأوهام والدخول في تحولات هادئة من الوجهة السياسية والاقتصادية وتركيبة سلم داخلية وخارجية.
4- تكوين طموح عالي وعميق في مجالات الفكر والمعرفة والعلم والفن والأدب مع ضرورة الإفادة مما أبدعته الحداثة في هذه المجالات(6).
هوامش:
1- أزمة الثقافة الإسلامية، دار الطليعة بيروت، 2000، ص5.
2- ص125 هذه هي العبارة التي تم تداولها وكأنها عبارة جديدة تخص الوضع الراهن في تونس والنص منقول في الكتاب من مقال للكاتب مؤرخ بسنة 1989.
3- مستخلص بتصرف من كلام متفرق من ص 8- 14.
4- ص126.
5- ص 17.
6- مستخلص بتصرف يسير من ص14- 16.