تحولت نتائج الانتخابات البرلمانية في المجر من استحقاق سياسي داخلي إلى حدث أوروبي بامتياز، أعاد طرح أسئلة عميقة حول مستقبل التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي، بما قد ينعكس على توازنات الشرق الأوسط، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الممرات البحرية وموقع اليمن في البحر الأحمر وباب المندب.
فخسارة فيكتور أوربان، أحد أبرز رموز اليمين الشعبوي في أوروبا، بعد ستة عشر عاماً من الحكم، لم تُقرأ فقط بوصفها تحولاً سياسياً في بودابست، بل باعتبارها اختباراً جديداً لقدرة المشروع الأوروبي على استعادة تماسكه في مواجهة التحديات الجيوسياسية المتصاعدة، من الحرب في أوكرانيا إلى صعود التيارات القومية في القارة.
جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية المجرية لتشكّل حدثاً سياسياً لافتاً في المشهد الأوروبي، إذ قرأها كثيرون بوصفها ضربة قوية لأحد أبرز معاقل اليمين الشعبوي في القارة بزعامة فيكتور أوربان، بينما اعتبرها آخرون خطوة مهمة نحو استعادة الاتحاد الأوروبي زمام المبادرة وتعزيز قدرته على حماية جناحه الشرقي في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
فقد أسفرت الانتخابات عن فوز المعارضة المجرية بقيادة بيتر ماجيار، زعيم حزب “تيسا”، بنسبة تقارب 54 في المئة من الأصوات، ما منحها أغلبية الثلثين في البرلمان بحصولها على 138 مقعداً من أصل 199.
وبهذه النتيجة تكبّد رئيس الوزراء السابق وزعيم الحزب الحاكم فيكتور أوربان خسارة سياسية كبيرة أنهت ستة عشر عاماً من بقائه في السلطة، وهي فترة يصفها معارضوه بأنها اتسمت بالنزعة السلطوية والتضييق على مؤسسات الدولة والمجتمع.
وقد استقبلت المعارضة وأنصارها النتائج باحتفالات شعبية واسعة، واعتبرتها لحظة تاريخية وانتصاراً للديمقراطية في مواجهة ما يرونه نهجاً سياسياً استبدادياً قاده أوربان خلال سنوات حكمه الطويلة.
في المقابل، تابع قادة الاتحاد الأوروبي تطورات المشهد السياسي في بودابست عن كثب، وسارع عدد منهم إلى الترحيب بنتائج الانتخابات، معتبرين أنها تعكس تمسك قطاع واسع من الشعب المجري بقيم الديمقراطية الليبرالية وبموقع بلاده داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، اعتبر المستشار الألماني ميرتز في تصريح متلفز أن نتائج الانتخابات تمثل فرصة للاتحاد الأوروبي ومؤسساته لاستعادة زمام المبادرة في الدفاع عن مصالحه وسيادته وأمنه الجماعي، مشيراً إلى أن التحولات السياسية في بودابست قد تسهم في تسريع دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي.
من جانبها، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية دير لاين أن نتائج الانتخابات تمنح مؤسسات الاتحاد الأوروبي زخماً سياسياً جديداً لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه القارة. كما أشاد الرئيس الفرنسي ماكرون، في تغريدة نشرها عبر حسابه على منصة “إكس”، بما وصفه بانتصار الديمقراطية وتجدد الالتزام بقيم الاتحاد الأوروبي.
أما رئيس الوزراء البولندي توسك فاعتبر أن ما جرى في المجر يمثل خطوة مهمة في مسار مواجهة النزعات الاستبدادية في أوروبا، مؤكداً أن التغيير السياسي في بودابست يعكس تحولات أوسع داخل المجتمعات الأوروبية.
ويرى مراقبون أن نجاح بيتر ماجيار في توحيد أطياف المعارضة المجرية كان عاملاً حاسماً في هذه النتيجة، إذ تمكن من بناء تحالف سياسي واسع استطاع منافسة أوربان وحزبه الحاكم “فيداس”، الذي حمّلته قوى المعارضة مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع الاستثمارات وتفاقم الفساد السياسي والمالي خلال سنوات الحكم الماضية.
كما تشير تقارير دولية حديثة إلى تراجع ترتيب المجر في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، حيث احتلت المرتبة 84 عالمياً، إلى جانب تراجع ملحوظ في مؤشرات الحريات العامة وحرية الإعلام، وفقاً لتقارير منظمة “مراسلون بلا حدود”.
وفي خضم هذه التطورات، خاضت المعارضة المجرية معركة انتخابية حادة مع حكومة أوربان، متهمة إياه بانتهاج سياسات تتقاطع مع أجندات دولية تتعارض مع توجهات الاتحاد الأوروبي، سواء من خلال دعمه لبعض تيارات اليمين الشعبوي في أوروبا أو من خلال مواقفه المتحفظة إزاء دعم أوكرانيا وفرض العقوبات على موسكو.
ويرى منتقدو أوربان أن هذه السياسات أثرت سلباً في قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات موحدة، خصوصاً أن آليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد تقوم في كثير من الملفات على مبدأ الإجماع، وهو ما جعل المواقف المجرية في بعض الأحيان عامل تعطيل للسياسات الأوروبية المشتركة.
كما أدى الخلاف بين بودابست ومؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى تجميد مليارات اليورو من الصناديق المالية الأوروبية المخصصة للمجر.
وفي ضوء هذه المتغيرات، ينظر كثير من المراقبين في أوروبا إلى وصول المعارضة المجرية إلى السلطة بقيادة ماجيار باعتباره تحولاً سياسياً مهماً قد يعيد رسم موقع المجر داخل المنظومة الأوروبية، كما قد يعزز من قدرة الاتحاد الأوروبي على توحيد مواقفه تجاه الملفات الاستراتيجية، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والأمن الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، تُقرأ خسارة أوربان وحزبه الحاكم بوصفها رسالة سياسية لقوى اليمين الشعبوي المتصاعدة في أوروبا، خصوصاً في ظل استعداد عدد من الدول الأوروبية لخوض استحقاقات انتخابية مهمة في السنوات المقبلة، من بينها فرنسا والتشيك وسلوفاكيا.
ولا يقتصر تأثير التحولات السياسية المحتملة داخل الاتحاد الأوروبي على القارة وحدها، بل قد يمتد إلى إعادة النظر في طبيعة علاقاته وتحالفاته الدولية، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. فمع سعي الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز استقلالية قراره الاستراتيجي وتقليل اعتماده على المظلة الأمنية والسياسية للولايات المتحدة، قد تجد بروكسل نفسها أكثر ميلاً إلى توسيع شراكاتها مع دول الخليج العربي، التي باتت تمثل أحد أهم ركائز أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي.
وبذات السياق، قد تدفع المتغيرات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي إلى تبني مقاربة أكثر انفتاحاً تجاه بناء شراكات استراتيجية مع دول الخليج، ليس فقط في مجالات الطاقة والاستثمار، بل أيضاً في ملفات الأمن الإقليمي وأمن الممرات البحرية.
وهو ما يزيد من أهمية عودة الاستقرار والسلام لليمن في الحسابات الأوروبية، نظراً لموقعه الجيوسياسي الحساس على أحد أهم طرق التجارة العالمية في البحر الأحمر وباب المندب.
ومن هذا المنظور، فإن أي تحول في موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي قد يفتح الباب أمام صياغة سياسة خارجية أوروبية أكثر استقلالية وواقعية تجاه الشرق الأوسط، تقوم على تنويع التحالفات وتعزيز المصالح المتبادلة، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية التي ظلت لعقود مرتبطة إلى حد كبير بالتوجهات الاستراتيجية للولايات المتحدة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم الذي ستكشف عنه المرحلة المقبلة:
هل ستتمكن مؤسسات الاتحاد الأوروبي وقادته من استثمار هذه التحولات السياسية في إعادة صياغة سياسات أكثر جرأة تعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، بما يعزز أمن ومصالح وسيادة دول الاتحاد الأوروبي، ويحد في الوقت نفسه من التحديات التي تواجه المشروع الأوروبي في عالم يشهد تحولات متسارعة؟