يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

لم يكن غياب علي لاريجاني عن المشهد الإيراني حدثًا عابرًا؛ فقد قُتل في ضربة إسرائيلية استهدفت مقره في طهران، وفق تأكيدات رسمية، في لحظة كاشفة من مسار نظام طالما أجاد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة البراغماتية.

فالرجل الذي عُرف بثقله السياسي وحضوره داخل دوائر القرار، جاء رحيله – في سياق تصعيد إقليمي متسارع – ليطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل توازنات القوة داخل النظام الإيراني، خاصة في معسكر المحافظين.

قبل هذا الغياب، حمل خطاب لاريجاني الأخير نبرة تصعيدية واضحة، دعا فيها الشعوب العربية والإسلامية إلى مواجهة ما وصفه بـ”قوى الاستكبار”، في إشارة تقليدية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

غير أن هذه اللغة، التي دأب عليها الخطاب الإيراني لعقود، تبدو اليوم موضع مساءلة أكثر من أي وقت مضى، خاصة حين تُقارن بسجل طويل من السياسات التي اتسمت بقدر كبير من البراغماتية، بل والتناقض أحيانًا.

فبينما يُرفع شعار العداء للغرب، تكشف الوقائع عن قدرة لافتة للنظام الإيراني على إدارة علاقاته وفق منطق المصالح، حتى مع خصومه المعلنين. هذه الازدواجية بين الخطاب الأيديولوجي لتصدير الثورة والممارسة البراغماتية الراعية للمصالح لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل شكلت ركيزة أساسية في تمدد النفوذ الإيراني داخل الإقليم خلال العقود الماضية.

لقد استفاد النظام الإيراني من تحولات كبرى في المنطقة، مكنته من إزاحة خصومه التقليديين، كما حدث في العراق وأفغانستان، حيث تلاقت نتائجه الاستراتيجية – ولو بشكل غير مباشر – مع التدخلات الدولية.

وفي موازاة ذلك، عزز حضوره عبر دعم كيانات ميليشياوية محلية مسلحة في عدد من الدول العربية، ما أسهم في إعادة تشكيل موازين القوى، ولكن بثمن باهظ تمثل في تفكك تلك الدول وجعلها عرضة للانهيار بسبب الصراعات والحروب.

اليوم، ومع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، يبدو أن هذه الاستراتيجية تواجه اختبارًا صعبًا.

فالضربات التي تستهدف مواقع وقيادات مرتبطة بالنظام الإيراني في إيران وخارجها، إلى جانب التحديات الداخلية، تضع النظام أمام مرحلة مختلفة قد لا تنفع فيها الأدوات القديمة بذات الفاعلية.

في هذا السياق، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمصير جناح المحافظين، بل بمستقبل النموذج السياسي نفسه “لنظام ولاية الفقيه”.

هل يستمر النظام في نهجه القائم على المزج بين الأيديولوجيا والبراغماتية؟ أم أن التحولات المتسارعة ستفتح المجال أمام تيارات إصلاحية تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الداخل والخارج؟

مع بداية عام فارسي جديد يتزامن مع أعياد النيروز، تبدو إيران أمام مفترق طرق حقيقي. وبين خطاب يتكرر وواقع يتغير، يبقى الرهان معلقًا على ما إذا كانت طهران قادرة على مراجعة خياراتها، أم أنها ستواصل السير في المسار ذاته، بكل ما يحمله من كلفة ومخاطر.

الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

مقالات قد تهمك

التوراتيون العرب: بين منهجية الجبال والوديان وصدمة التاريخ من كمال الصليبي إلى عمر شوتر
آراء

التوراتيون العرب: بين منهجية الجبال والوديان وصدمة التاريخ من كمال الصليبي إلى عمر شوتر

يفكك أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، منهج «الجبال والوديان» الذي اعتمد عليه عدد من التوراتيين العرب، من كمال الصليبي إلى عمر شوتر، في نقل جغرافية التوراة إلى الجزيرة العربية واليمن، ويختبر هذه الأطروحات في ضوء الوثائق والنقوش والأدلة الأثرية والسياق التاريخي.

منذ 7 ساعات
من أرض الميعاد إلى فرعون وموسى.. عمر شوتر يعيد رسم جغرافية التوراة في «شبوة» اليمنية
آراء

من أرض الميعاد إلى فرعون وموسى.. عمر شوتر يعيد رسم جغرافية التوراة في «شبوة» اليمنية

يناقش أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، في الحلقة الرابعة من رده على عمر شوتر توسع أطروحته في نقل جغرافية التوراة إلى اليمن، من أرض الميعاد ومصر إلى فرعون وموسى ويوسف ودمشق والآراميين، ويختبر هذه المزاعم في ضوء الأدلة التاريخية والأثرية ومنهج المقارنة بين الأسماء والجغرافيا.

منذ 3 أيام
مهندس الاتصالات عمر شوتر يتحدى علماء الكرة الأرضية ويعلن استعداده للتخلي عن دراسته إن أثبتوا خطأه
آراء

مهندس الاتصالات عمر شوتر يتحدى علماء الكرة الأرضية ويعلن استعداده للتخلي عن دراسته إن أثبتوا خطأه

يتناول أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، في الجزء الثاني من رده على المهندس عمر شوتر، عددًا من المرتكزات التي استند إليها الأخير في نقل جغرافية التوراة إلى اليمن، متوقفًا عند «أور»، وطوفان نوح، ونهر الفرات، وغزة، ونخل مصر، وحران. ويقارن المخلافي بين هذه الطروحات وبين ما تقدمه النقوش والمصادر المسمارية والأدلة الأثرية والجغرافيا التاريخية، في سياق نقد منهج الاعتماد على تشابه أسماء المواضع لبناء سرديات تاريخية بديلة.

منذ أسبوع