لم يكن غياب علي لاريجاني عن المشهد الإيراني حدثًا عابرًا؛ فقد قُتل في ضربة إسرائيلية استهدفت مقره في طهران، وفق تأكيدات رسمية، في لحظة كاشفة من مسار نظام طالما أجاد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة البراغماتية.
فالرجل الذي عُرف بثقله السياسي وحضوره داخل دوائر القرار، جاء رحيله – في سياق تصعيد إقليمي متسارع – ليطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل توازنات القوة داخل النظام الإيراني، خاصة في معسكر المحافظين.
قبل هذا الغياب، حمل خطاب لاريجاني الأخير نبرة تصعيدية واضحة، دعا فيها الشعوب العربية والإسلامية إلى مواجهة ما وصفه بـ”قوى الاستكبار”، في إشارة تقليدية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
غير أن هذه اللغة، التي دأب عليها الخطاب الإيراني لعقود، تبدو اليوم موضع مساءلة أكثر من أي وقت مضى، خاصة حين تُقارن بسجل طويل من السياسات التي اتسمت بقدر كبير من البراغماتية، بل والتناقض أحيانًا.
فبينما يُرفع شعار العداء للغرب، تكشف الوقائع عن قدرة لافتة للنظام الإيراني على إدارة علاقاته وفق منطق المصالح، حتى مع خصومه المعلنين. هذه الازدواجية بين الخطاب الأيديولوجي لتصدير الثورة والممارسة البراغماتية الراعية للمصالح لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل شكلت ركيزة أساسية في تمدد النفوذ الإيراني داخل الإقليم خلال العقود الماضية.
لقد استفاد النظام الإيراني من تحولات كبرى في المنطقة، مكنته من إزاحة خصومه التقليديين، كما حدث في العراق وأفغانستان، حيث تلاقت نتائجه الاستراتيجية – ولو بشكل غير مباشر – مع التدخلات الدولية.
وفي موازاة ذلك، عزز حضوره عبر دعم كيانات ميليشياوية محلية مسلحة في عدد من الدول العربية، ما أسهم في إعادة تشكيل موازين القوى، ولكن بثمن باهظ تمثل في تفكك تلك الدول وجعلها عرضة للانهيار بسبب الصراعات والحروب.
اليوم، ومع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، يبدو أن هذه الاستراتيجية تواجه اختبارًا صعبًا.
فالضربات التي تستهدف مواقع وقيادات مرتبطة بالنظام الإيراني في إيران وخارجها، إلى جانب التحديات الداخلية، تضع النظام أمام مرحلة مختلفة قد لا تنفع فيها الأدوات القديمة بذات الفاعلية.
في هذا السياق، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمصير جناح المحافظين، بل بمستقبل النموذج السياسي نفسه “لنظام ولاية الفقيه”.
هل يستمر النظام في نهجه القائم على المزج بين الأيديولوجيا والبراغماتية؟ أم أن التحولات المتسارعة ستفتح المجال أمام تيارات إصلاحية تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الداخل والخارج؟
مع بداية عام فارسي جديد يتزامن مع أعياد النيروز، تبدو إيران أمام مفترق طرق حقيقي. وبين خطاب يتكرر وواقع يتغير، يبقى الرهان معلقًا على ما إذا كانت طهران قادرة على مراجعة خياراتها، أم أنها ستواصل السير في المسار ذاته، بكل ما يحمله من كلفة ومخاطر.
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.