تحريم تقديس فتاوى الفقهاء في أدبيات مدرسة الاجتهاد اليمنية
مجيب الحميدي
تأسست مدرسة الاجتهاد اليمنية على نسف خرافة كهنوتية الفتوى و تفنيد دعوى إلزاميتها والثورة على التقليد وتحطيم أصنام الكهنوتية والتعصب، وقد وضع المؤسس الأول لمدرسة الإحياء اليمنية محمد بن إبراهيم الوزير المولود في القرن الثامن الهجري البذرة الأولى للثورة على بدعة تقديس الفتوى في كتابه الشهير ” إيثار الحق على الخلق “ويشير الشوكاني في البدر الطالع إلى أن الديار اليمنية تميزت في تلك المرحلة بظهور عدد كبير من العلماء المحاربين للتقليد ويؤكد أن هذه الظاهرة كانت مقتصرة على اليمن ولم تظهر في الديار المصرية والشامية إلا في حالات نادرة كظهور ابن تيمية وأمثاله.
ورغم المعارك التي واجهها ابن الوزير مع أبناء عموميته من الكهنوتيين و عبيد التقليد وصنوف الأذى الذي ناله في طريق تحرير الوعي من خرافة قدسية الفتوى فقد شقت صيحته الشهيرة ” إيثار الحق على الخلق” طريقها إلى الأجيال التالية وتبلور رجع الصدى الايجابي في مؤلفات العلامة الحسن بن أحمد الجلال ت 1084هـ المشهور بالزهد ومحاربة ظلم الأئمة و الدعوة إلى التحرر من التقليد و خوض المعارك الشرشة مع المقلدين والمتعصبين وهكذا سار الجلال على نهج ابن الوزير في النضال من أجل التحرير من التقليد والتعصب وبعد انتقاله إلى رحمة الله استلم راية التجديد ومواجهة عبيد الكهنوتية وسدنة تقديس الفتوى، عملاق جديد من عملاقة الفكر الإسلامي تجددت فيه صرخة ” إيثار الحق على الخلق” وتبلورت في كتابه ” العلم الشامخ في ايثار الحق على الآباء والمشايخ” إنه العلامة صالح بن مهدي المقبلي.ت 1108هـ وكما تصدى العلامة لمقبلي لكهنوتية الفتوى فقد انتقد بشدة عنصرية مفهوم آل البيت وله قصيدة مطلعها” قبح الإله مفرقاُ ..بين القرابة والصحابة” و رد عليه أحد العنصريين بقوله” أطرق كرا يا مقبلى فلأنت أحقر من ذبابة” وفي دراسته المعنونة بـ” المقبلي مفكر إسلامي لم يستوعبه عصره” لخص الدكتور عبدالعزيز المقالح دراسة المؤرخ الروسي البروفيسور-أي.يو. كراجوفسكي- حول تأثير المقبلي في داغستان على بعض المسلمين وانتسابهم إلى مذهب المقبلي الذي يطلقون عليه مذهب- الشيخ صالح اليمني.
وعندما اشتدت مضايقات سدنة الفتوى والتعصب المذهبي على العلامة المقبلي خرج من صنعاء وهو يردد”هيهات هيهات لقد أعمي التعصب البصائر وأفسد التمذهب السرائر غير أني ذاهب الي ربي سيهدين”.
و خصص الشوكاني رحمه الله رسالة لتنفيد القول بإلزامية تقليد الفقهاء و أطلق عليها ” القول المفيد في تحريم التقليد” وفند في الرسالة جميع الأدلة التي يستند إليها سدنة التقليد لفتاوى الفقهاء وفي مقدمتها قوله تعالى ” فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” وقال أن هذه الآية الشريفة واردة في سؤال خاص خارج عن محل النزاع، وأنها نزلت على رد المشركين لما أنكروا الرسول بشرا . ورأي المدرسة اليمنية في تحريم تقديس الفتوى ورفض القول بإلزاميتها هو رأي عمالقة المجتهدين المطلقين ومنهم ابن حزم و ابن تيمية، و أكد ابن ايمية أن القول بقدسية رجال الفتوى وأنهم هم الذين يحفظون الشريعة بدعة شيعية تتناقض مع عقيدة التوحيد يقول ابن تيمية”أيضا لو نص على معين ليؤخذ الدين منه كما تقوله الرافضة،بطلت حجة الله فإن ذلك لا يقوم به شخص واحد غير الرسول إذ لا معصوم إلا هو ومن تدبر هذه الأمور وغيرها علم أن ما اختاره الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته أكمل الأمور “
ويؤكد ابن تيمية أن الشريعة لا تحتاج إلى مرجعية معينة لحفظ الشريعة لأن مسؤولية حفظ الشريعة هي مسؤولية الأمة” أنا لا نسلم أنه-أي الإمام المرجع- يجب أن يكون حافظا للشرع بل يجب أن تكون الأمة حافظة للشرع وحفظ الشرع يحصل بمجموع الأمة”. وهكذا يشير ابن تيمية بوضوح إلى أن الشعب هو المسؤول عن حمايته دينه وليست المرجعيات الفقهية ولا الإمام المرجع ويقول””إن أريد به-أي الإمام المرجع- أنه يطاع كما يطاع الرسول في كل ما يأمر به وينهى عنه ويبيحه وليس لأحد أن ينازعه في شىء كما ليس له أن ينازع الرسول وأنه يستبد بالأحكام والأمة معه كما كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يكون لأحد بعد الرسول ولا يمكن هذا لغيره فإن أحدا بعده لا يأتيه الوحي كما كان يأتيه ولم يعرف أحد كل ما عرفه الرسول فلم يبق سبيل إلى مماثلته لا من جهته ولا من جهة الرب تعالى”. ونقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه قال حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله، فقلت له: صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة؟ قل: هذا حكم زفر، ولا تقل هذا حكم الله”. وهذا المنهج الذي تبنته المدرسة اليمنية في تحريم القول بإلزامية الفتوى والتأكيد على أن الفتوى الشرعية مجرد رأي لا إلزامية فيه هو أيضا رأي الراسخين من علماء المدرسة الوهابية وتواترت تصريحات الكثير منهم لتؤكد أن فتاوى العلماء مجرد رأي غير ملزم ولعل أخر هذه الفتاوى فتوى ابن باز في الرد على من سأله هل الفتوى ملزمة فقال: ليست ملزمة وللمستفتي أن ينظر ويتأمل ويستفتي غير من استفتاه أولاً إذا لم يطمئن. وفتوى بن باز كما تتفق مع رأي المدرسة اليمينة تتفق أيضا مع تعريف الافتاء في كتاب ” مواهب الجليل” للإمام الحطاب المالكي” من علماء القرن التاسع بأنه “الإفتاء الإخبار عن حكم شرعي، لا على وجه الإلزام”.