في البدئ، نرفض العنف والتطرف والعنصرية بكل أشكالها وأنواعها.
توجد عبارة في علم الأدلة الجنائية تقول ” إذا أردت أن تعرف المجرم الحقيقي، فابحث عن المستفيد”. وفي البحث عن خلفيات حادثة مدينة نيس الفرنسية، التي خلفت ثلاثة قتلى وإصابة آخرين، وما سبقها من حوادث وما يمكن أن يلحق بها من حوادث، في ظل موجات الشحن والكراهية المستمرة في الدول الغربية من قبل رؤساء دول وحكومات ووسائل الإعلام. وبالنظر في بعض المعطيات والحيثيات للحادثة وما سبقها من حوادث، كمقتل مدرس التاريخ الفرنسي صمويل قبل أيام، بعد عرضه لتلامذته صور نشرتها صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة من الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، بدعوى مناقشته حرية التعبير مع الطلاب.
يرجع البعض أسباب تلك الحوادث وغيرها، بأنها نتيجة للحملات المتكررة من قبل الرئيس الفرنسي ضد الإسلام بدعوى محاربة “الإسلام الانعزالي” بحسب تعبير ماكرون ،والإجراءات التي يتخذها وحكومته حيال ذلك، للحفاظ بزعمهم على حق حرية التعبير وقيم الجمهورية الفرنسية.
وهنا يمكننا القول أن ما مهد للوصول إلى هذه المرحلة الخطيرة، هو تصاعد خطاب اليمين الشعبوي المتطرف في المجتمعات الاوربية، بل إن الخطاب يرافقه الحضور والانتشار والتوسع منذ سنوات. بحجة إعلان استراتيجية ” الإسلام فوبيا” التي ينطلقون منها لإظهار عدائهم وكراهيتهم للإسلام والمسلمين وللمهاجرين أيضاً، بدعوى أنهم جميعا يمثلون تهديداً للثقافة والهوية والقيم الاوربية.
لقي ذلك الخطاب العنصري المقيت، الذي يتناقض ويتصادم مع مبادئ معظم الدساتير الأوروبية وقيم مجتمعاتهم الديمقراطية الضامنة للحرية والعدالة والمساواة، قبولا في أوساط بعض الشخصيات والأحزاب اليمنية العنصرية المتطرفة، واستطاعت أن تسوقه وتحقق به بعض المكاسب السياسية، منها الفوز ببعض الانتخابات الرئاسية وتحقيق حضور لافت في المجالس البرلمانية لتلك الدول، ناهيك عن الحضور والتأثير في البرلمان الأوروبي. ولعل أبرز شخصيات هذا التيار الشعبوي المتطرف في الغرب الرئيس الأمريكي ترامب والفرنسي ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني جونسون بالإضافة الى رؤساء بعض الحكومات الأوربية.
يتخذ هذا التيار الشعبوي المتطرف في المجتمعات الغربية، من إثارة قضايا الإرهاب والهجرة رافعة للحضور المجتمعي ولتحقيق المكاسب الانتخابية قبيل كل استحقاق. وهذا ما يمكن متابعته حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حملة مرشح الرئاسة الجمهوري الرئيس دونالد ترامب، هو ذات الخطاب لذات المشروع تبناه رئيس الوزراء البريطاني جونسون خلال الانتخابات الأخيرة، لأجل تنفيذ البريكست وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
يمثل الرئيس الفرنسي ماكرون أحد اضلاع هذا المثلث المتبّني لسياسة اليمين الشعبوي، المثير لنزاعات الكراهية والعنصرية والعنف بحجة محاربة “الإرهاب الإسلاموي” كحملة دعائية لتسويق نفسه وحزبه لدى الشعب الفرنسي لكسب الانتخابات المقبلة. لعل تلك الممارسات الانتهازية الوصولية التي يقومون بها، لمعرفتهم المسبقة بمستوى التعثر والفشل في تحقيق مطالب الفرنسيين خلال فترة حكمهم، يأتي على رأسها تحسين الوضع الاقتصادي، والمعيشي للمواطنين. لكن ما يحدث على أرض الواقع هو العكس من ذلك؛ ركود اقتصادي كبير، تتجلى مظاهره نمو لا يتجاوز 2%، وأكثر من 3 مليون عاطل، وعجز متفاقم في المديونية. وبلغت الأزمة بالاقتصاد الفرنسي أنه لم يعد قادراً على منافسة القوى الصاعدة، فضلاً عن خسارته لمناطق نفوذ اقتصادية كبيرة.
تلك الحقائق الاقتصادية المؤلمة للفرنسيين المتمثلة في إستمرار التردي المعيشي، نتيجة رفع الضرائب وزيادة أسعار السلع والخدمات، والتي عبروا عنها بموجات الاحتجاجات النقابية والشعيبة العارمة لما يعرف “بالسترات الصفراء ” لعدة جولات وماتزال الأوضاع الاقتصادية تراوح مكانها، بل تتزايد ترديا وسوءًا مع جائحة كورونا التي أظهرت سوءة وعجز الرئيس ماكرون وحكومته في تعاملهم لمواجهة هذه الجائحة.
يبدوا أنه لم يعد بجعبة الرئيس ماكرون ما يقدمه للشعب الفرنسي، في ظل هذا الفشل على المستوى الاقتصادي والتخبط على مستوى السياسة الخارجية لفرنسا في محيطها الإقليمي والدولي.
قد تكون المهمة سهلة بنظر الرئيس ماكرون، تتمثل بإشغال الشعب الفرنسي، وصرف انظارهم عن قضاياهم وهمومهم اليومية التي تلامس حياتهم وواقعهم المعيشي، بالعمل على اختلاق عدو وهمي يشغل به الرأي العام، من خلال حملات التحريض ونشر ثقافة الكراهية والعنصرية، والتي تتنافى مع قيم الثورة الفرنسية ودستور الجمهورية وأخلاقيات المجتمع المدني في فرنسا.
قد يتمكن ماكرون من الهروب ولو لبعض الوقت، من عدم تلبية المطالب الاقتصادية لمواطنيه، بإدخالهم دوامة العنصرية والكراهية المتطرفة التي تهدد سلامة واستقرار المجتمع الفرنسي، استجابة لنوازع الشر والتطرف لديه ولدى فريق العنصرية الغربي المتطرف، ناهيك عن حالة التحفيز والتزيين والدعم اللا محدود من بعض زعماء الأنظمة العربية الاستبدادية، المتخذين من حكام الإمارات العربية واجهة وقفازاً لممارسة العربدة بإثارة ودعم الحروب والصرعات في البلدان العربية، والعمل على شق الصف العربي وتسويق التطبيع مع الكيان الصهيوني. يتزامن هذا في الوقت الذي تعلن أبوظبي الحرب على الشعوب العربية والإسلامية التواقة للحرية والكرامة والديمقراطية من خلال الاستمرار في تقديم الدعم الكبير لما تبقى من مخلفات الدولة العميقة للأنظمة الساقطة، كثورات مضادة في محاولة لوأد ثورات الربيع العربي وإعادة أنظمة الاستبداد والفساد والعمالة من جديد، يحظى هذا المشروع الغير أخلاقي بقبول، وله أنصاره في دوائر صنع القرار الغربي من منطلقات إيديولوجية ومصالحية.
نجد أن الاستراتيجية التي يتبناها الرئيس الفرنسي ومن خلفه اليمين الغربي المتطرف وبتمويل وتزيين بعض أنظمة العمالة العربية لمحاربة الإسلام المعتدل والإسلاميين، تهدف بالأساس بحسب المفكر الفرنسي “فرنسوا بورجا” إلى إيجاد مسلمين في المجتمعات الغربية متجردين من كل مبادئ وقيم الإسلام، ليس لهم من دينهم سوى الإسم ، يسيرون على نهج الشيخ حسن شلغومي داعية التطبيع وحامي حمى السامية.
تفيدنا معطيات الواقع أن سياسة بث روح الكراهية والعنصرية التي يمضي فيها الرئيس ماكرون ومن يقفون معه ويساندوه غربياً وعربياً ، في محاولة تشوية صورة الإسلام والمسلمين لإضعاف حضورهم وتواجدهم في المجتمعات الغربية، بأفتعال مثل تلك الحوادث برعاية استخباراتية، وأجهزة الاستخبارات الغربية لها باع كبير في هذا المجال، حيث يعمدون لتجنيد بعض المتعصبين من كل الأديان والطوائف، واستخدامهم كخراف فداء، لتحقيق بعض الاجندات المصالحية الآنية الضيقة وهو ما يتم بالفعل، لكنها على المستوى المتوسط والبعيد سيكون لها آثارا وانعكاسات سلبية وكارثية تزعزع وحدة المجتمعات، وتهدد السلم والأمن والاستقرار السياسي والإجتماعي لشعوب تلك الدول.