مهندس الاتصالات عمر شوتر: أربعون عامًا في دائرة الفراغ المُحَرّف؟!

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
في هذا المقال، يناقش أ.د عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة في جامعة صنعاء، أطروحة نقل جغرافية التوراة إلى اليمن، كما طرحها المهندس عمر شوتر، ويعيد النقاش إلى سؤال منهجي جوهري يتعلق بإثبات تاريخية النص التوراتي قبل البحث في جغرافيته، مستندًا إلى قواعد النقد التاريخي والأثري وتحليل السرديات المتداولة.

بقلم: أ.د عارف المخلافي
أستاذ التاريخ والآثار القديمة – جامعة صنعاء

في لقاء تلفزيوني على منصة "مجتمع" قدم لنا الدكتور باسم الجمل لقاء مع مهندس الاتصالات عمر شوتر الذي بشر بقرب صدور كتاب له بحث فيه على مدى أربعين عامًا في جغرافية التوراة، ليتوصل إلى أكثر من (200) دليل على أن بلاد اليمن هي أرض الميعاد.

فمن هو المهندس عمر شوتر؟

المهندس عمر شوتر من الأردن الشقيق على قلوبنا الذي تربطني صداقات عميقة وصادقة مع مجموعة من العلماء والأكاديميين في هذا البلد العزيز، والذين أعدهم من أنبل من عرفت وأكثرهم أخلاقًا وخلقًا؛ حاصل على بكالوريوس هندسة اتصالات عام ١٩٧٩ وعمل في مجال هندسة وصيانة أجهزة الاتصالات في محطة الأردن للاتصالات الفضائية. وفحص المحطات الأرضية في المنظمة العالمية للاتصالات الفضائية- انتلسات- واشنطن دي سي. وشغل مناصب مدير التشغيل والتسويق في المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية- عربسات، والمدير الإقليمي للعالم العربي منظمة الاتصالات الجوية والبحرية الفضائية المتنقلة- انمارسلت- لندن، ومساعد مدير عام عربسات، والرئيس التنفيذي لشركة نورسات للإتصالات الفضائية ونائب الرئيس الإقليمي لشركة يوتلسات، ورئيس الأمانة العامة للبث المشترك بالاتحاد العام للمنتجين العرب ونائب رئيس الإتحاد لشؤون البث التلفزيوني الفضائي.

 

كم كنت أتمنى أن يعلن المهندس عمر شوتر عن ابتكار دائرة إلكترونية تحمي أجواء الأمة العربية من التجسس، وتعينها على التصدي للحروب الإلكترونية في القرن الحادي والعشرين، لكنه -كما قال- قضى أربعين عامًا من عمره يبحث عن أرض الميعاد في اليمن، أي من عام 1985م حين صدر كتاب كمال الصليبي "التوراة جاءت من جزيرة العرب، وحتى 2025م؛ ولا يزال العمل في طور الاكتمال.

لا أدري ما الذي جعل المهندس عمر شوتر يقضي كل هذه السنين في دائرة فراغ النص التوراتي المُزوّر والمُحَرف أصلًا. هل يبحث عن شهرة؟ بالتأكيد لا، فهو لا يحتاجها كما يظهر من سيرته أعلاه. هل هو من أجل العلم؟ لا أظن ذلك لأنه يخوض في غير تخصصه!! هل هو من أجل الدفاع عن فلسطين؟ لا دليل على ذلك. هل هو من أجل إنقاذ النص التوراتي المُزوّر والمُحَرف؟ وما الذي جعله يتجشم عناء البحث عن أرض الميعاد الخرافية داخل نص توراتي سقيم؟ وما الذي جعله يستميت من أجل إنقاذ النص التوراتي من ورطته التي يجمع العلماء في الغرب وحتى من اليهود والصهاينة أن النص التوراتي لا يجمل في طياته سوى "ماض خرافي" كما وصفه "توماس طومسون" في كتابه "الماضي الخرافي (التوراة والتاريخ)، أو كما تناوله "كيث وايتلام" في كتابه "اختلاق إسرائيل القديمة، إسكات التاريخ الفلسطيني"، أو كما أكد ذلك مجموعة من المؤلفين في كتاب "القدس أورشليم العصور القديمة بين التوراة والتاريخ"، وغير ها كثير.

إنها مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حين ينبري ثلة من هواة التاريخ العرب لإنقاذ التوراة من ورطتها، أو كما عبر الأستاذ فكري آل هير في كتابه "جغرافية التوراة وحاخاماتها العرب" بقوله: إنهم ينقذون التوراة ولا ينتقدوها، في حين يتصدى الغربيون بمن فيهم يهود وصهاينة للزيف والسردية الخرافية التي تضمنها النص التوراتي وحقيقتها!!

صحيح إن كتاب عمر شوتر لم يصدر بعد، وكأنه أراد من ظهوره الترويج له، أو الاستفادة مما سيكتب عن مقابلته هنا أو هناك، وربما كذلك قياس ردود الأفعال..، ولكن طالما تكلم فلا بد لنا من وقفة، وخاصة بعد ما تلقيت عشرات الرسائل مرفقة بمقطع ترويجي للحلقة تطالبني بالرأي والرد، كوني أصدرت كتبًا ترد على من سبقوه.

لمن لا يعرف، فالمهندس عمر شوتر لم يقدم في حديثه جديدًا، وإنما يكرر أطروحات من سبقوه بسردية مماثلة ومشابهة ومعادة التدوير. بل يعلن انضمامه إلى "جماعة التاريخ المُقًنّع.

فقبله قدم كمال الصليبي، وزياد منى، وأحمد داود، وفرج الله ديب، ولطيف إلياس، وفاضل الربيعي، وجودت فريحات، وغيرهم، مئات المواقع التي ينسخونها من بعضهم البعض، أو يستخرجونها من معاجم البلدان، ثم يقومون بتقديم سردية تعتمد المتشابه والمتماثل والمخترع في خارطة مشتتة وممزقة الأوصال، لا تتفق حتى مع أبسط قواعد الجغرافيا المتكاملة والمترابطة.  

والأمر الآخر، لوحظ تتبع "جماعة التاريخ المُقًنّع" لما يكتبه بعض اليمنيين من منشورات لنقوش يمنية قديمة بخط المسند تذكر اليهود أو يهودا أو بعض المسميات التوراتية، وجميعها بدون استثناء تعود إلى القرون الميلادية المتأخرة من تاريخ اليمن القديم حين انتشرت الديانة اليهودية كدين سماوي اعتنقه بعض اليمنيين وعبروا عن هويتهم الدينية بعدد من النقوش التي لم تتجاوز أصابع اليد، والتي تدل على تعايش اليمنيين بمختلف عقائدهم، وليس على وجود أرض التوراة في اليمن، وخاصة إن تلك النقوش متأخرة جدًا وتسبق ظهور الإسلام بقرن أو قرنين أو ثلاثة. والأكثر غرابة إن أولئك اليمنيين يقدمون تلك النقوش على أنها إثبات لأطروحات فاضل الربيعي، ربما بقصد أو بحماس دون تبصر ولا تدبر ولا غيرة على وطن تتخطفه مخالب الطامعين من كل اتجاه.

من خلال حديث المهندس عمر شوتر، يتضح أنه يؤمن بصحة النص التوراتي وخطأ جغرافية التوراة، تمامًا كمن سبقوه، ويشكك، ويذكر أن اللغة العبرية لا يوجد ما يشابهها سوى في اليمن، ولعله لا يعرف أن علماء اللغات القديمة وضعوا العبرية إلى جانب اللغات العربية القديمة، واللغات الأكدية، والأمورية، والآرامية، والجعزية، والكنعانية، والفينيقية، وأطلقوا عليها "عائلة اللغات السامية" بسبب تشابه مفرداتها ونحوها. بل عندما تنظر في القاموس الأكدي (نسبة إلى الأكديين في العراق)، وهي اللغة التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد؛ تجد مئات الكلمات المشابهة لكل تلك العائلة اللغوية، وحتى اللغة العربية الفصحى. ولكن المهندس عمر شوتر لم يجد التشابه سوى بين العبرية واليمنية القديمة؟! ولا غرابة في ذلك، فهو بعيد عن التخصص وفضل أن يخوض مع الخائضين.

والسؤال الذي أطرحه هنا على المهندس عمر شوتر قبل أن يصدر كتابه. هل قمت بإثبات صحة النص التوراتي قبل أن تعتمده كمصدر ودليل؟ أقولها صراحة إنك لن تستطيع فعل ذلك، ليس من قبيل البخس والتشكيك في قدراتك، ولكن صعوبة إحياء الميت!

هل تعرف يا مهندس عمر شوتر ماذا يعني " النص السقيم"؟

في منهج النقد التاريخي وهو منهج لا يجيده إلا المتخصص في التاريخ، عندما نقرأ وثيقة -أي وثيقة- تاريخية نقوم بفحصها، فإذا وجدنا أن فيها "تحريف"، أو "تزوير"، أو "حشو" (الحشو يعني قيام الناسخ بزيادات داخل النص الأصلي لتوضيح ما يراه غامضًا)، فحينئذ يعد ذلك النص التاريخي "نصًا سقيمًا"، أي لا يعتد به ولا يصلح، لا لوصف الحدث، ولا للتدليل على واقعة ما، طالما أن النص الأصلي لم يعد كما هو في الأصل.

فما بالنا بالنص التوراتي الثابت تحريفه وتزويره، وتحويله إلى سردية (تاريخية) متخيلة، رغم إنه نص ديني. يقول سبحانه وتعالى في ذلك في سورة البقرة آية 79: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾، وفي سورة آل عمران الآية 78: ﴿وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِیقࣰا یَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَـٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَیَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَیَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ﴾، وفي سورة النساء الآية 46: ﴿مّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

وقد كانَ أهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَهَا بالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136].

الراوي: أبو هريرة | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4485 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح] التخريج: من أفراد البخاري على مسلم. (المصدر: الموسوعة الحديثية). وهذا يعني أنه طالما أنزل الله آية تحريف التوراة، فلا ندري ما هو الصحيح منها وما هو الدخيل، ومن ثم إذا أردنا أن نستدل بالنص التوراتي، فلا بد أولا من إثبات صحته ودقته، وهو مالا يقدر المهندس عمر شوتر على فعله، كما لم يستطع من سبقوه فعل ذلك.

ومن الحجج العجيبة التي نسمعها دائما وذكرها المهندس عمر في حديثه، هي إنكار حقيقة خروج موسى وبني إسرائيل من مصر عبر سيناء، ودليلهم أن ذلك لم يذكر في أي نص مصري قديم، ولا يوجد دليل مادي واحد على حدوثه. ونرد على ذلك:

لماذا صمتت الوثائق والآثار المصرية القديمة عن هذه الحادثة المهمة والشهيرة، ولم تشر إلى أحداثها لا من قريب ولا من بعيد؟

أما لماذا لم تذكر السجلات المصرية القديمة حادثة خروج بني إسرائيل، فهذا أمر طبيعي، لأن الفراعنة ينظرون لأنفسهم كممثلين للإله في الأرض، بل إن الفرعون رمسيس الثاني المعاصر لموسى عليه السلام قال: " مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي"، (القصص آية (38))، وقولة: "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي" (الزخرف 51) وقال: "أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ"، (النازعات آية (24). ولذلك من عادة السجلات القديمة أنها تتحدث عن الانتصارات وليس عن الهزائم، فما بالنا بحادثة ممكن أن تدمر دينهم الوثني إن علمها الناس؛ لأنهم سيتحولون جميعًا إلى دين الله، ولذلك كتموها تمامًا، كما يفعل المهزومون في عصرنا الحاضر، ولكي يستمرون أربابًا من دون الله أمام شعبهم. فإذا كان بعض الحكام في عصرنا الحاضر لا يطيقون معارضيهم، ولا يذكرونهم في وسائل إعلامهم، فكيف نطلب ممن قال أنا ربكم الأعلى، فعل ذلك؟! (التاريخ المُقًنّع ص 247).

ومن ناحية أخرى نجد أن هذه الحادثة التي ذُكرت في الكتب المقدسة أُريد بها استخلاص الدرس والعبرة عبر الأجيال. ويبدو أن إغفال المصادر المصرية لذكرها يعود إلى أسس عقائدية، فمن غير المعقول أن تسجل النصوص الهيروغليفية غرق (إلههم فرعون) ونجاة أعداءه. ومن هنا كان من الصعب العثور على آثار تتحدث عن موسى وقومه. وليس من المعتاد في التاريخ القديم كله تسجيل انتصارات العدو تحت أي ظرف. ولم تسجل لنا الكتابات في الشرق القديم والجزيرة العربية تحديدًا أخبار الأعداء إلا من قبيل الحديث عن هزيمتهم فقط، حتى ولو كان الأمر غير ذلك؛ لأن كتاباتهم إلى جانب توثيق أخبار الملوك، كانت تؤدي الدور نفسه الذي يؤديه (الإعلام) في عصرنا الحاضر؛ والهدف من ذلك إرعاب الخارج، وترهيب الداخل.

وهناك من يرى كذلك أن عدم ذكر قصة الخروج في وثائق الدول المعاصرة لها والمجاورة لمصر حتى بمجرد الإشارة إلى أحداثها، مرده إلى أن هذه القصة لم تكن ذات وزن دولي تجعل الشعوب (الوثنية) تسجلها في مصادرها. وفي رأينا أن إغفال الإشارة إلى هذه القصة في مصادر الحضارات الأخرى المعاصرة لها يرجع إلى أمرين، أولهما: صمت وتعتيم الكتابات الهيروغليفية عنها على المستوى الداخلي، بسبب ما سبق ذكره، وخوفًا على ضياع نفوذهم في الشرق القديم إذا ما ضاعت هيبتهم. وثانيهما: حرص الدول الأخرى على عدم تسجيلها أو حتى مجرد الحديث عنها حتى لو علمت بها؛ لأن نشر أخبارها سيعني الحديث عن معجزات دين سماوي قد يؤدي إلى صرف الناس عن عبادة الملوك والأوثان، وهو ما لا يرغب به طواغيت ذلك الزمان. (التاريخ المُقًنّع ص 263 – 264).

وللإنصاف، فإن الشيء الإيجابي الوحيد في حديث المهندس عمر شروتر قوله: إن الشعب في فلسطين كأي شعب آخر مر بالتوحيد، ثم الوثنية، ثم اليهودية، ثم المسيحية، ثم الإسلام. فالشعب هو نفسه لم يتغير. ونضيف إلى ذلك إن الشيء لوحيد الذي تغير هو هجرة اليهود من خارج فلسطين إليها، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى قبيلتهم الأصلية "يهود الخزر" التي ما تزال حتى اليوم بين البحر الأسود وبحر قزوين، وهي القبيلة التي ينحدر منها معظم يهود أوروبا.

وختامًا: أدعو المهندس عمر شوتر وكل جماعة التاريخ المُقَنّع أن يثبتوا صحة النص التوراتي، أولًا وأخيرًا. وإن نجحوا في ذلك فمن حقهم تقديم سردية تقوم على العلم والمنهج، وليس على صحة النص التوراتي وخطأ الجغرافيا، وإنكار كل الوثائق التاريخية والأثرية لصالح تكريس تشتيت الذاكرة الجمعية للأمة. وأؤكد إن المهندس عمر شوتر -مع احترامي له- لو قضى أربعين عامًا أخرى من عمره في إثبات صحة النص التوراتي فإنه لن يستطيع ذلك؛ لأنه ببساطة نص مُحَرّف ومُزَوّر بالإجماع.

ثم أسأل لماذا يجتهد "جماعة التاريخ المُقًنع" في البحث عن المجهول، بينما المعلوم بين أيديهم، فلا يوجد "مصر" و "مصر الأخرى"، ولا "لبنان المتوسطي" و "لبنان التوراتي" ولا أي شيء من ذلك. وكل ما في الأمر أنهم يريدون الناس قبل خمسة آلاف سنة أو ثلاثة آلاف سنة من عصرنا، ينطقون الكلمات كما ننطقها نحن وإلا أقاموا الحجة عليهم.

فمثلا يقول عمر شوتر لماذا كتبت المصادر "ديماسكوس" ولم تكتبها "دمشق" ولماذا كتبت "باليشتو" ولم تكتب "فلسطين"، ولماذا كتبت "ليبانون" ولم تكتب "لبنان". ونضيف إلى ذلك ولماذا كتبو "ممفيس" وليس "منف" ولماذا كتبوا "إليازوس" وليس "إلعز"، ولماذا كتبوا "شيبا" وليس "سبأ"، وهكذا لدينا عشرات الأمثلة.

ونرد عليهم في ذلك: لماذا تسمي المصادر الغربية، المغرب "موروكو"، ولماذا يسمون مصر "إيجيبت"، ولماذا يسمون الجزائر "الجيريا"؟

ومن ثم لا يمكن أن تكون هذه حجة علمية، ولا يحق لنا مطالبة من سبقونا بآلاف السنين أن ينطقوا الأسماء كما ننطقها نحن.

وعلى ذلك فإن كتابة الأسماء ونطقها تكون بحسب قدرة الكاتب وفهمه، ولهجة أولئك الأقوام الذين لا نستطيع لومهم على ذلك ونحن نعيش اليوم الصورة نفسها في كتابة أسماء بعض البلدان كما أسلفنا.

مقالات قد تهمك

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ أسبوع
حرب النبوءات بدوافع الاستحواذ والنفوذ
آراء

حرب النبوءات بدوافع الاستحواذ والنفوذ

في هذا العمود الصحفي يقرأ الدكتور بكر الظبياني مشهد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران وميليشياتها من جهة أخرى بوصفه صراعًا يتجاوز الشعارات الدينية إلى حسابات النفوذ والجغرافيا السياسية. يوضح أن استدعاء النبوءات والرموز العقائدية يُستخدم أداةً للتعبئة وإضفاء الشرعية على المواجهة، فيما يكمن جوهر الصراع في السيطرة على الطاقة والممرات الاستراتيجية. ويرصد انعكاسات التوترات على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، مشيرًا إلى أن كلفة الحروب تتحملها الشعوب، بينما تجني بعض القوى الدولية مكاسب غير مباشرة من استمرارها.

منذ أسبوعين
د. أمير غالب | محاكمة الهوية: من قاعات الطب إلى مكتب العمدة
آراء

د. أمير غالب | محاكمة الهوية: من قاعات الطب إلى مكتب العمدة

يروي الدكتور أمير غالب مسيرته من طالب طب مهاجر إلى عمدة مدينة هامترامك في ولاية ميشيغان، ثم تجربته مع محاكمات الهوية والاستجواب في الكونغرس والحملات السياسية والإعلامية التي انتهت بإقصائه من التعيين سفيرًا في الكويت. النص شهادة شخصية وسياسية عن كلفة الانتماء في المجال العام الأمريكي، وعن التمييز حين يتحول إلى أداة إقصاء، وعن العلاقة المعقدة بين الأخلاق المهنية والسلطة والسياسة.

منذ شهرين