حاصر حصارك لا مفر درويش
في 16 يناير 2018، أقمنا ندوة علمية بعنوان "الهاشمية السياسية وخطرها على الأمة اليمنية"، وكان لحضور ضيف الشرف الفنان الكبير فهد القرني الأثر الكبير في إثراء الندوة وجذب عشرات الآلاف من المشاهدات على صفحة مركز يمينون. انتبهت لجنون العدد حين شاهدت الأرقام تتصاعد من خلال هاتفي المحمول وأنا في القاعة، فأغلقت تلفوني فورًا. لا مجال للتوتر الآن، لست مهتمًا بالنقد، ولا بما يُقال. يهمني فقط أن أضع النقاط على الحروف، ليس عندي ما أخفيه. هناك مشكلة في بلدي، سأفعل ما بوسعي لحلها وإن غضب العالم أو حتى نام. ليست مشكلتي، وردود الأفعال ليست مهمة. إن غرس المصطلحات في الأذهان والإعلام ليس مهمة سهلة.
مصطلح "الهاشمية السياسية" جذاب ومثير للجدل وغامض، لكنه تحول في الندوة إلى تعريف إجرائي. وهذا جهد الباحث الذي يحول الغموض والجدل والجاذبية إلى تعريف واضح ومحصور. لم نقصد في الندوة سوى ما يتعرض له شعبنا من قتل وتشريد وتدمير من قبل عصابة تدّعي أفضليتها على شعبنا بأربع تفضيلات: اقتصادية، حيث تأخذ خمس أموال الناس، أي ما يساوي 20% من دخلهم؛ وسياسية، فبحسب خرافتي الوصاية والولاية، لهم الحق في الحكم دون الناس؛ واجتماعية، فهم طبقة عنصرية عليا وليسوا كالبشر، ولَّدت هذه العنصرية في البلد نظامًا طبقيًا منذ أكثر من ألف عام؛ ودينية، فهم قرناء القرآن ومن لهم حق تأويله ومنح الناس صكوك الغفران والجنة والنار، ويعتبرون محبتهم عبادة لله سبحانه.
الهاشمية السياسية يُقصد بها العنصريين من الهاشميين الذين يعتقدون أحقيتهم الدينية في الوصول إلى السلطة، بسبب نسبهم أو ما عُرف بنظرية حصر الإمامة في البطنين، كما هو معروف في النظرية السياسية للإمامة الهادوية في اليمن. وهذه حدودنا في التعريف، ولم نتجاوزها إلى العنصريات ولا العرقيات، إيمانًا منا بأن فكرتنا نابعة من فكرة الدولة اليمنية الحديثة القائمة على قيم المواطنة. واليمن في فكرنا دولة لا قبيلة، ولا عرق، ولا عصبية.
ومع ذلك، هناك من أوَّل التعريف إلى اتهام صريح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاشمية السياسية وإلى أنه عداء للهاشمية، فتحول الأمر إلى ما يشبه العداء للسامية. وقد فرَّق الباحثون من قبلنا بين الصهيونية كحركة عنصرية وبين اليهودية كديانة سماوية. وهنا، تُعدّ الهاشمية السياسية حركة عنصرية تشبه الصهيونية من حيث الجرائم والأعمال الإرهابية بغرض تحقيق المكاسب السياسية.
تشرفتُ الأمس بحضور ندوة بعنوان "الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر هوية وطن"، وقدمتُ ورقة عمل حول "تصحيح مسار الثورة اليمنية". أثناء التقديم، التفتُّ نحو رئيس الاتحاد الصديق محمد الرشيدي وقلتُ إنه طلب مني عدم ذكر الهاشمية السياسية. قلتها مبتسمًا لكسر الملل والجمود في مثل هذه الندوات. ذكرتُ المصطلح عددًا من المرات، فلا الرشيدي يستطيع منعي ولا غيره. هذا المصطلح صار ملتصقًا بي، فأنا قد ذهبتُ في القول بضرورة استخدام مصطلح الهاشمية السياسية في التعامل الأكاديمي والإعلامي والسياسي والقانوني. بل ما زلتُ أحث على ضرورة استخدامه في الخطاب الرسمي للشرعية والحكومة والأحزاب، فما دونه من المصطلحات كالملكية والحوثية والسلالة والإمامة لم تعد صالحة للاستخدام، واستخدامها لا يفي بالغرض في الدلالة على خطر هذه الكارثة.
في مقال نشرته سابقًا في موقع الصحوة نت بمناسبة الذكرى الثامنة والعشرين لتأسيس الإصلاح بعنوان "الإصلاح بين الحزب والجماعة"، أوردتُ فيه أن: "معضلة الهاشمية السياسية التي يرى اليمنيون اليوم بشاعتها، هي مشكلة فوق مسألة التربية. وبدون المساهمة من قبل كل الأحزاب السياسية في تجريم الهاشمية السياسية، فستعود تحت أي مسمى للانقضاض على الدولة والجمهورية والثورة واليمن. هذه عصبية عرقية عنصرية تستند إلى الحق الإلهي والنصوص المخالفة للكتاب المقدس. وإن ظهرت عند متشيعة القوم، فقد مهَّد لها سنتهم وصوفيتهم. ليس المطلوب من الإصلاح سوى المساهمة في الحد من الظاهرة، وأفراده ممن يقولون إنهم هواشم عليهم أن يكونوا أعضاء في التجمع اليمني للإصلاح بيمنيَّتهم بصفتهم مواطنين، لا بعرقيتهم المثيرة للشكوك والجدل. إن تجريم الهاشمية السياسية هو ما سيخلِّص الهاشميين أنفسهم من معضلة (أنا خير منه) الإبليسية، وستُخلِّص اليمن من كابوس التعصب والتخلف لينطلق نحو التنمية المستدامة".
وهنا، أكرر القول إن الصديق محمد الرشيدي يمني جدًا، لا هو هاشمي، وليس له علاقة بما قيل بعد استفزاز عابر القصد منه شد الانتباه. لكن الرسالة، بفعل حماس الشباب في القاعة وخارجها، ذهبت باتجاهين - أو هكذا يجب أن تكون: الاتجاه الأول نحو الشرعية والخارجية اليمنية بالتحديد، والسفارات التي تنوي إقامة احتفالات، بأن عليها ضرورة استخدام مصطلح "الهاشمية السياسية" عند الحديث عن الانقلاب والحوثيين. فقد صار المصطلح متفقًا عليه بين الشباب وبين قطاعات كبيرة في المجتمع اليمني ونخبه وقواه الحية. والاتجاه الثاني نحو الأحزاب حتى تستخدم المصطلح في بياناتها التي ستصدر بمناسبة أعياد الثورة السبتمبرية، التي كانت في الأساس ضد الهاشمية السياسية وليست ضد بيت حميد الدين، كما يحب البعض حصرها تدليسًا على الأمة اليمنية، كي تتغاضى عن تنامي هذه الظاهرة وتغلغلها في مؤسسات الدولة والأحزاب والمنظمات وفئات المجتمع اليمني.
الشكر للشباب اليمني الحر الغيور على هويته ووطنه بلا استثناء، ممن أشعلوا القاعة ووسائل التواصل الاجتماعي بغضبهم المبارك. الشكر لاتحاد الطلبة اليمنيين في ماليزيا على تدشينه لأعياد الثورة اليمنية، فهو صاحب الحق الأول بلا منازع في تدشين هذه الفعاليات الوطنية، كونه امتدادًا للحركة الثورية التي كانت أساس الثورة اليمنية الممتدة من 17 فبراير 1948 حتى 11 فبراير 2011. الشكر مكرر لرئيس الاتحاد محمد الرشيدي، الذي لم يسيء للحركة الطلابية، ولم يكن سوى شاب يمني وطني غيور على بلده، والدليل تدشينه لهذه الفعاليات اليمنية في المهجر.
يتوجب على شبابنا الغيورين على الهوية والدولة اليمنية، حاملي القضية اليمنية، أن يستمعوا جيدًا في هذه الأعياد الثورية لخطابات مسؤوليهم في الاتحادات والنقابات والأحزاب، وإلى خطابات الشرعية والحكومة والخارجية والسفارات، وكل من سيقومون بالاحتفالات بأعياد الثورة اليمنية في الداخل والخارج. هل سيجد مصطلح "الهاشمية السياسية" طريقه إلى مسامع الشعب، أم أنهم سيكذبون عليهم بمصطلحات مثل السلالة والخرافة والكهنوت والإمامة وما إليها من المصطلحات المطاطية التي لا معنى لها، ولا تحث على تجريم الهاشمية السياسية العنصرية التي دمرت بلادنا، وقتلت أهلنا، وشردتنا في أصقاع الأرض؟
نشر يوم الإثنين, 24 سبتمبر, 2018 - 07:17 مساءً على هذا الرابط أيضا