“الصين والجائحة “حان الوقت للتفكير بصيغة مختلفة
محمد السلامي/باحث في الشأن الصيني
المثل العربي يقول “رُبّ ضارة نافعه ” ، قد يكون في ظاهر الكثير من الكوارث والاوبئة شرًا للبشرية لكنها قد تُخفي بداخلها خيرا للبشرية والعالم من ناحية أُخرى ، فكما أن الاغلاق في كثير من مُدن العالم يتسبب في الإضرار بالاقتصاد ومعيشة الناس ، إلا أنه من ناحية أخرى يتسبب في تنظيف هواء المُدن من عوادم السيارات وتخفيف ضغط التلوث البيئي المُدمّر لعالم النبات والحيوان ، وكبح جماح شرّ البشرية عن الإضرار بالطبيعة ، ولعل مثل هذه الجائحة وغيرها من الأوبئة بمثابة تحذير وجَرس إنذار للبشرية بضرورة الانسجام مع الطبيعة بشكل أكثر وِئاما ً .
ومن المعلوم أن الحياة في الارض تَحكمها سُنن وقوانين كونية لا تتبدل ولا تتغير ، كما تحكم تلك القوانين والسُنن الفضاء والاجرام السماويه ، ولا يَختلف اثنان أنّه ومهما أوتي الإنسان من قُوة فإنها تظل صغيرة وضعيفةً أمام قوة السُنن الطبيعة والكونية ، وأنّه كلما حاول الإنسان مُغالبة تلك السُنن الكونية كُلما ازداد شقاءه وتعاسته ، وانتهى به الأمر في نهاية المطاف الى الشقاء والدمار والخُسران المُبين .
بعد عامين ونصف على بدء جائحة كوفيد -19 دخل العالم في دوّامة مواجهة الوباء واختلفت طُرُق المُواجهة ووسائل الوقاية من دولة لأُخرى ، وتنوعت درجات الإغلاق وأساليب الحجر الصحي باختلاف الدُول ، ورفعت مُعظم الدول جاهزيتها ، وانطلق العلماء في سباق محموم مع الزمن في سبيل انتاج لقاح ناجع أو تِرياق نافع ، وبالفعل ظهرت العديد من اللقاحات والعديد من العقاقير وطرق العلاج في دول العالم المختلفة لا سيما المُتقدمة منها ، واستطاعت كثير من تلك الدول في فترة وجيزة ان تلقح معظم السكان لتتجاوز نسبة التلقيح المعزز 80%,و 90% ، ومنحت منظمة الصحة العالمية إجازة للعديد من الادوية التي اثبتت نجاحات سريرية معتمدة ، غير أن كل تلك الاجراءات لم تنجح في ايقاف الجائحة والقضاء على الفيروس ، لكنها نجحت الى حدّ ما في كبح جِماح عُنفوانها وشراستها ، ويبدو ان الطريق ما يزال طويلاً امام العالم في سبيل ايقافها لا سيما في ظل ظهور متتالية مُستمرة من الطفرات والتحورات الجينية للفيروس العنيد أسرع وأسهل انتشاراً من النسخة الأولى للفيروس ، لكنّ السار في الأمر أن سُمِّيَّة الفيروس تضعف تدريجياً بظهور المتحورات الجديدة .
وبعيداً عن نظرية المؤامرة وتسييس منبع ونشأة الفيروس فإن الصوت الأول والأخير ينبغي أن يكون للعلم والعُلماء في مواجهة الجائحة سواء من ناحية إجراءات الوقاية والعلاج والتطعيم أو من ناحية اتخاذ اجراءات الحجر والإغلاق والحدّ من الحركة والسفر … الخ ذلك من الاجراءات والتدابير ، وكما أخطأت الولايات المتحدة في بداية المطاف مُمَثّلة بإدارة الرئيس ترامب بإهمال وتجاهل تلك الاجراءات العلمية في مواجهة الوباء والتركيز على تسييس الجائحة ومنشأ الفيروس الأمر الذي أدّى الى فقدان السيطرة على الوباء وانتشار الفيروس بشكل مُذهل وارتفاع كبير للوفيات التي تجاوزت سقف المليون وفاة في الولايات المتحدة فقط ، فإنه لا يجب أن تُخطئ الصين أيضاً في نهاية المطاف في التعامل مع الجائحة بعيداً عن العلم واجتهادات العُلماء وتنحية كل ُذلك جانباً واعتماد سياسات ذات أبعاد أُخرى .
وفي هذا المقام تَجدُر الإشارة الى حديث شخصيتين صينيتين رفيعتين تقفان على طرفي نقيض في التعامل مع الجائحة إحداهما علمية يُمَثلها البرفيسور جانغ وينغ هونغ المتخصص في علم الفيروسات والأمراض المُعدية بمركز ابحاث جامعة الفودان في شانغهاي : حيث يرى ان كل الدلائل تشير الى أن هذا الفيروس سيبقى ويستوطن وانه ما من بُدّ للبحث عن وسيلة حكيمة لمواجهته والتعايش معه بنظرية الفأر في دُكان صحون البورسلان ، حيث يتوجب علينا البحث عن الفأر لقتله بدون تكسير الصحون ، لكن اذا قتلنا الفأر وكان ثمن ذلك تكسير صحون البورسلان فالثمن حينها سيكون باهضاً ، في مقابل فريق البروفيسور جانغ ونغ هونغ يقف الخبراء والمسئولون في الجانب الرسمي موقفاً مغايرا ً حيث يرى وزير الصحة الصيني الأسبق “قاو تشيانغ” في ردّه على رؤية البروفيسور أن التعايش مع الفيروس أمر غير مقبول ، فإما بقاء الفيروس أو موتنا ، او العكس والتاريخ البشري لم يسجل تعايشا بشريا ًمع فيروس قاتل ، لكن الخطاب الرسمي ومع تطورات الاحداث وتنامي الاصابات في الفترة الاخيرة بدأ يلين قليلا ً ففي مقابلة تلفزيونية مع أحد كبار الخبراء في اللجنة الطبية “ليانغ وانغ نيان “واجابته عن سؤال مُقدم البرنامج : إلى متى ستظل الصين تعتمد سياسة تصفير الحالات المُرهقة والمُكلفة ومتى ستحذو حذو باقي دول العالم في رفع القيود والاتجاه نحو مناعة القطيع ؟ فأجاب بأنه لو افترضنا ان الصين تخلت عن سياستها التصفيرية للحالات ، وحذت حذو الاخرين ، فإن شريحة كبار السن وذوي الامراض والضعفاء الكبيرة جداً ستكون الاسهل عرضةً للعدوى ، وهذا ما يجعلنا نتمسك باستمرار سياستنا تجاه الوباء بدون تغيير ، على الاقل في الوقت الراهن ، وربما لاحقاً قد تلوح فُرصةً يتغير فيها متحور اوميكرون الى متحور أقل حِدّة ، وأقَلُّ عدوى ، وفي ذلك الحين ربما قد تكون قد برزت فرصة افضل ، ولذلك فإنه يتوجب علينا الانتظار في الوقت الحالي ، والتمسك بسياستنا العامه في التحكم بالوباء بدون تغيير ، ويعتبر ذلك هو افضل خيار في الوقت الراهن ، ويتطابق مع ما يتطلبه الواقع من اجراءات .
الجدير ذكره أن نسبة التلقيح في الصين قد تجاوزت سقف 88% ، مما يعني أن الصين قد نجحت باستغلال الفترة الذهبية خلال العامين والنصف الماضيين من بناء جدار تطعيم واقي لخُمس سكان الارض في ظل بيئة صفرية خالية من الفيروس ، غير أن الاستمرار في مثل هذه السياسة مُنهك ومُكلّف جداً وسيصطدم في النهاية بواقع العالم الذي تعتبر الصين جزءا لا يتجزأ منه ، ومن هذا المنطلق فإني أرى أن يُترك تقدير السياسة المناسبة للعلم والعلماء بعيدا ً عن الحسابات السياسية والايديولوجية ، فربما قد يكون وصول الفيروس الى مدينةٍ ما فُرصةً لإكتساب المناعة الجماعية لجميع سكان المدينة ، في ظل عزل هذه المدينة عن المُدن الاخرى حتى لا تُخرج الامور عن السيطرة ، حتى يغادر الفيروس تلقائيا وينتقل الى منطقة أخرى وهكذا تتحقق المناعة الجماعيه تدريجيا ً في كافة المدن والمناطق ، وربما يكون هذا السيناريو متوافقاً مع نظرية قتل الفأر بدون تكسير الصحون التى دعا لها “جانغ وين هونغ “