تدور رحى المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، وسط خطاب ديني متشدد يسعى كل طرف من خلاله إلى تصوير معركته باعتبارها مواجهة بين الخير والشر.
ويجد هذا الخطاب صدى لدى أنصار الأطراف المتصارعة، حيث يُقدَّم الصراع أحياناً بوصفه معركة مقدسة تهدف إلى القضاء على الإرهاب أو إزالة الشر، وفق الرواية التي يتبناها كل معسكر، سوءا كانت تلمودية إنجيلية يرتكز عليها المشروع الصهيوني،أو كهنوتية سلالية شيعية يتكأ عليها نظام الملالي الإيراني.
وعلى امتداد التاريخ، لم يكن استدعاء النبوءات الدينية أو الرموز العقائدية في زمن الحروب أمراً جديداً؛ فكثيراً ما يلجأ القادة والزعماء إلى توظيف الخطاب الديني ضمن أدوات التعبئة السياسية والنفسية، بهدف تحشيد الرأي العام ورفع معنويات الجنود وإضفاء قدر من الشرعية الأخلاقية على قرار الحرب.
وفي هذا السياق، تتحول المعارك من صراعات سياسية أو استراتيجية إلى مواجهات ذات طابع رمزي أو عقائدي.
وغالباً ما يظهر هذا التوظيف في اختيار أسماء العمليات العسكرية الحالية ذات الدلالات الدينية أو الأسطورية، مثل: “الوعد الصادق”، “الأسد الصاعد”، أو “الغضب الملحمي”.
فهذه التسميات ليست مجرد عناوين إعلامية، بل أدوات رمزية تهدف إلى إضفاء بعد قدسي على الصراع، وتعزيز صورة المعركة باعتبارها جزءاً من مسار تاريخي أو عقائدي أوسع، قد يرتبط في بعض الخطابات بانتظار “المخلّص” أو “المسيح” أو “المهدي” وفق المرجعيات الدينية المختلفة.
غير أن قراءة أخرى لهذه المواجهات ترى أن جوهر الصراع لا يكمن في النبوءات أو العقائد بقدر ما يرتبط بحسابات الجغرافيا السياسية ومصالح القوى الكبرى.
فالمناطق التي تشهد هذه التوترات تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من حيث الطاقة والموارد الحيوية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يضم أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
ومن هذا المنظور، تبدو الحروب الدائرة أقرب إلى صراعات نفوذ تهدف إلى تعزيز السيطرة على مصادر الطاقة وتأمين طرق التجارة العالمية، بينما يُستخدم الخطاب الديني في كثير من الأحيان كغطاء تعبوي أو أداة سياسية لتبرير القرارات العسكرية أمام الرأي العام.
ومع اتساع رقعة المواجهات زماناً ومكاناً، تبرز مخاطر متزايدة لا تقتصر على أطراف الصراع وحدها، بل تمتد لتشمل أمن واستقرار المنطقة والعالم.
فالحروب في المناطق الحيوية للطاقة تترك آثاراً مباشرة على الاقتصاد الدولي، إذ يؤدي استمرار التوترات إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، ما ينعكس بدوره على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
هذه التداعيات الاقتصادية لا تبقى محصورة في نطاق الدول المتحاربة، بل تمتد إلى حياة المواطنين في مختلف أنحاء العالم. فارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف المعيشة، وارتفاع أسعار السلع، وتباطؤ النشاط الاقتصادي، فضلاً عن تصاعد معدلات التضخم في العديد من الدول، خصوصاً في الاقتصادات الغربية.
ومع تفاقم هذه الضغوط الاقتصادية، تتسع حالة القلق الشعبي وتتراجع مستويات الثقة في قرارات القيادات السياسية التي تخوض هذه المواجهات. إذ يتساءل كثيرون عن جدوى الحروب التي تُخاض تحت شعارات أخلاقية أو دينية، بينما تتحمل الشعوب تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي خضم هذه الخسائر المادية والمعنوية التي يتحملها أطراف الصراع، تبدو بعض القوى الدولية وكأنها المستفيد غير المباشر من استمرار التوترات. فالصين، على سبيل المثال، قد تجد فرصة للحصول على كميات كبيرة من الطاقة بأسعار أقل في ظل اضطراب الأسواق، بينما تستطيع روسيا جزئياً تعويض بعض الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها خلال سنوات الحرب الطويلة في أوكرانيا.
وهكذا تكشف هذه الصراعات، مرة أخرى، عن مفارقة مألوفة في التاريخ السياسي: فبينما يدفع البعض كلفة الحروب من دمائهم واقتصادهم واستقرارهم، يجني آخرون ثمارها بهدوء. ولعل المثل العربي القديم يختصر هذه الحقيقة حين يقول: “مصائب قوم عند قوم فوائد”.