تُباع قهوة «أرابيكا» حول العالم بوصفها فئة واحدة عالية الجودة، لكن دراسات علمية حديثة تشير إلى أن هذا الاسم يخفي وراءه عشرات السلالات الوراثية المختلفة، لكل منها خصائص زراعية وحسية متباينة، وهو ما يفسّر لماذا يختلف الطعم والرائحة من كوب إلى آخر حتى قبل دخول الحبوب مرحلة التحميص.
فعلميًا، لا تمثل الأرابيكا مجموعة أنواع مستقلة، بل نوعًا نباتيًا واحدًا يحمل داخله أصنافًا متعددة تعود أنساب معظمها إلى خطين وراثيين رئيسيين هما «تيبيكا» و«بوربون»، إضافة إلى أصناف محلية في إثيوبيا وأخرى ناتجة عن التهجين الزراعي عبر عقود طويلة. ويشير باحثون في علم الجينوم إلى أن هذا التنوع المحدود نسبيًا هو نتيجة تاريخ طويل من الانتقال والزراعة الانتقائية خارج موطن القهوة الأصلي في شرق أفريقيا.
وفي دراسة جينومية نُشرت عام 2024 في مجلة Nature Genetics، قال باحثون إن الأرابيكا نشأت في الأصل من تهجين طبيعي قديم بين نوعين بريين في المرتفعات الإثيوبية، قبل أن تنتشر عالميًا من خلال عدد محدود من السلالات، ما أدى إلى ما وصفه العلماء بـ«عنق الزجاجة الوراثي».
ونقلت وكالة رويترز عن فريق البحث أن هذا التاريخ الوراثي الضيق جعل الأرابيكا أكثر عرضة للأمراض والتغيرات المناخية مقارنة بأنواع أخرى من القهوة، رغم هيمنتها على سوق القهوة المختصة عالميًا.
ويقول مختصون في علوم النبات إن الصنف الوراثي يحدد مجموعة من السمات الأساسية، مثل حجم الحبة وشكل الشجرة والإنتاجية وقابلية الإصابة بالأمراض، إضافة إلى ما يسمّى «سقف الخصائص الحسية الممكنة»، أي الحدود القصوى لما يمكن أن يظهر في الكوب من نكهات وروائح عندما تتوفر الظروف المثالية.
غير أن هؤلاء يؤكدون أن الوراثة وحدها لا تصنع الطعم النهائي. فالارتفاع عن سطح البحر، ونوع التربة، وكمية الأمطار، ودرجة الحرارة، ووجود الظل، ثم طريقة المعالجة بعد الحصاد، كلها عوامل تشترك في تحويل الإمكان الوراثي إلى نتيجة فعلية في المشروب الذي يصل إلى المستهلك.
وتعتمد مؤسسات بحثية متخصصة مثل World Coffee Research على تصنيفات تفصيلية لأصناف الأرابيكا المزروعة تجاريًا، تشمل بيانات عن الأداء الزراعي والجودة المحتملة. ويُعد صنف «بوربون» من أكثر الأصناف أهمية تاريخيًا، وغالبًا ما يرتبط بجودة مرتفعة عند زراعته في المناطق الجبلية، في حين يُعرف صنف
SL28 في شرق أفريقيا بقدرته النسبية على تحمّل الجفاف وجودته المستقرة، مع بقائه حساسًا لأمراض رئيسية مثل صدأ أوراق القهوة.
وفي السنوات الأخيرة، حظي صنف «غيشا» أو «جيشا» بشهرة واسعة في مسابقات القهوة المختصة، بسبب ما تصفه تقارير تذوق متخصصة بملف عطري زهري وطابع شبيه بالشاي مع حموضة واضحة، خصوصًا عند زراعته في ارتفاعات عالية في بنما وأمريكا الوسطى. غير أن خبراء يشيرون إلى أن هذه السمعة تعكس أيضًا ندرة الصنف وارتفاع أسعاره في المزادات الدولية، لا تفوقًا مطلقًا في جميع البيئات الزراعية.
وتدعم هذا الطرح دراسات مقارنة حديثة قارنت عدة أصناف من الأرابيكا في ظروف زراعية موحدة، وخلصت إلى أن الفروق الحسية التي يرصدها خبراء التذوق تتأثر بدرجة كبيرة بإدارة الحقول وطرق المعالجة بعد الحصاد، إلى جانب العامل الوراثي. كما أظهرت أبحاث أخرى نُشرت عام 2025 في مجلة Frontiers in Sustainable Food Systems
أن اختيار الجينوتايب داخل الأرابيكا يمكن أن يؤدي إلى ملفات حسية مميزة قابلة للتطوير ضمن برامج التحسين الزراعي.
ويرى باحثون أن سؤال «أي أصناف الأرابيكا أفضل؟» لا يملك إجابة واحدة. ففي سوق القهوة المختصة مرتفعة السعر، تميل الشركات إلى تفضيل أصناف تمنح نكهات استثنائية حتى لو كانت أقل إنتاجية وأكثر حساسية للأمراض، بينما تعطي الزراعة التجارية الواسعة الأولوية لأصناف هجينة تجمع بين مقاومة الآفات والإنتاج المستقر وجودة مقبولة.
ويخلص هؤلاء إلى أن «أرابيكا» لم تعد مجرد تسمية تجارية، بل مظلة علمية تضم تنوعًا وراثيًا محدودًا لكنه مؤثر، تتقاطع فيه الوراثة مع الجغرافيا والمعالجة الزراعية لتحديد ما يصل في النهاية إلى فنجان المستهلك.