عشرين كيلوغرامًا من البن بيعت بـ600 ألف دولار في مزاد «أفضل قهوة في بنما»

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
بيع لوت نادر من قهوة جيشا بوزن 20 كيلوغرامًا مقابل أكثر من 600 ألف دولار في مزاد «أفضل قهوة في بنما»، مسجلًا أعلى سعر للقهوة في تاريخ المزادات. التقرير يروي قصة القهوة التي خرجت من مزرعة لا إزميرالدا في بوكيتي، وكيف تحولت من اكتشاف زراعي داخل المزرعة عام 2003 إلى واحدة من أغلى القهوة في العالم.

ستمائة وأربعة آلاف دولار.

هذا المبلغ دُفع مقابل عشرين كيلوغرامًا فقط من البن.

هذا هو المبلغ الذي دفعه مشترون في مزاد القهوة العالمي مقابل عشرين كيلوغرامًا فقط من حبوب البن. سُجلت الصفقة في مزاد «أفضل قهوة في بنما» (Best of Panama) عندما بيع اللوت الفائز بسعر 30,204 دولارًا للكيلوغرام الواحد، وهو أعلى سعر دفعته صناعة القهوة مقابل محصول من البن. جاءت القهوة من مزرعة لا إزميرالدا (Hacienda La Esmeralda) في بوكيتي – بنما، واشتراها تحالف تقوده شركة جولِث كوفي روسترز (Julith Coffee Roasters) من دبي – الإمارات العربية المتحدة بعد 549 مزايدة.

تفاصيل الصفقة والمزاد

جرت الصفقة خلال مزاد «أفضل قهوة في بنما»، وهو أهم مزاد سنوي للقهوة المختصة في العالم. حمل اللوت الفائز الرمز GW-01، وبيع بسعر 30,204 دولارًا للكيلوغرام الواحد. بلغ وزن اللوت 20 كيلوغرامًا، لتصل القيمة الإجمالية إلى 604,080 دولارًا.

حصلت القهوة قبل دخول المزاد على 98 نقطة في اختبارات التذوق التي يجريها حكام دوليون متخصصون في تقييم القهوة. وضع هذا التقييم القهوة في صدارة المسابقة، ثم انتقلت إلى المزاد الإلكتروني الذي شارك فيه مشترون ومحامص قهوة من عدة دول.

شهد المزاد 549 مزايدة قبل أن يستقر السعر النهائي، وهو رقم يعكس المنافسة العالية على الكميات المحدودة من القهوة التي تحقق أعلى درجات الجودة في هذه المسابقة السنوية.

اللوت الفائز

حمل اللوت الفائز الرمز GW-01، وهو محصول من سلالة جيشا (Gesha) من البن العربي كوفيا أرابيكا (Coffea arabica). جرى حصاد المحصول من قطعة أرض مرتفعة داخل مزرعة لا إزميرالدا في بوكيتي – بنما. بلغ وزن اللوت 20 كيلوغرامًا فقط، وهو حجم صغير في تجارة البن، ويُصنف ضمن ما يعرف في القهوة المختصة باسم الميكرو-لوت (micro-lot)، أي محصول محدود من قطعة أرض محددة يجري فصله وبيعه بشكل مستقل.

خضعت الحبوب لمعالجة الغسل (Washed process)، وهي طريقة تعتمد إزالة اللب وتخمير الحبوب في الماء قبل التجفيف. بعد التحميص والتذوق، سجل اللوت 98 نقطة في تقييم الحكام الدوليين في مسابقة «أفضل قهوة في بنما». وضع هذا التقييم المرتفع اللوت في صدارة القهوة المشاركة في المسابقة، ثم انتقل بعدها إلى المزاد حيث سجل السعر القياسي.

المزرعة والعائلة

جاءت القهوة من مزرعة لا إزميرالدا الواقعة في مرتفعات بوكيتي في إقليم تشيريكي غربي بنما. تدير المزرعة عائلة بيترسون منذ ستينيات القرن العشرين، عندما اشترى رجل الأعمال الأمريكي رودولف بيترسون (Rudolph A. Peterson) هذه الأراضي الزراعية عام 1967. في تلك الفترة كانت الأرض مخصصة أساسًا لتربية الأبقار وإنتاج الألبان، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى زراعة القهوة في المرتفعات الجبلية المحيطة ببركان بارو.

اليوم يدير المزرعة الجيل الثاني من العائلة، ومن أبرزهم دانيال بيترسون وراشيل بيترسون. تعتمد المزرعة نظام تقسيم الأراضي إلى قطع زراعية صغيرة على ارتفاعات مختلفة، مع فصل محصول كل قطعة بشكل مستقل. يسمح هذا الأسلوب بتتبع مصدر القهوة بدقة وتقديمها في صورة لوتات محدودة الكمية في سوق القهوة المختصة.

اكتشاف السلالة داخل المزرعة

في عام 2003 سجل العاملون في مزرعة لا إزميرالدا ملاحظة غير معتادة في إحدى القطع الزراعية المرتفعة من الأرض. أعطت ثمار بعض أشجار البن رائحة زهرية واضحة عند التحميص، مع طعم مختلف عن بقية محصول المزرعة. قررت إدارة المزرعة فصل محصول تلك الأشجار وإجراء تحميص وتجربة تذوق مستقلة للحبوب.

أظهرت النتائج خصائص حسية مميزة. بعد تتبع مصدر الأشجار تبين أنها تنتمي إلى سلالة جيشا من البن العربي كوفيا أرابيكا. كانت الأشجار مزروعة منذ سنوات ضمن محاصيل أخرى في المزرعة دون فرز مستقل. دفع هذا الاكتشاف إدارة المزرعة إلى عزل محصول تلك القطعة الزراعية وإرساله لاحقًا إلى مسابقة «أفضل قهوة في بنما»، حيث حصلت القهوة على أعلى التقييمات في اختبارات التذوق، لتبدأ بعدها شهرة هذه السلالة في سوق القهوة المختصة العالمي.

أصل السلالة وانتقالها

تعود سلالة جيشا إلى غابات غرب إثيوبيا، وتحديدًا إلى منطقة جيشا في إقليم بنش-ماجي (Bench-Maji) التي أخذت السلالة اسمها منها. خلال النصف الأول من القرن العشرين جُمعت عينات من هذه الأشجار البرية ضمن برامج دولية لدراسة سلالات البن من نوع كوفيا أرابيكا وحفظ مواردها الوراثية.

في ستينيات القرن الماضي انتقلت بذور هذه السلالة إلى مركز الأبحاث الزراعية المركز الزراعي الاستوائي للبحث والتعليم (CATIE) في تورريالبا – كوستاريكا. هناك جرى تسجيلها ضمن بنك الجينات وإرسال عينات منها إلى مزارعين في عدة دول في أمريكا الوسطى. وصلت بعض هذه الشتلات إلى مزارع في منطقة بوكيتي – بنما، ومنها إلى مزرعة لا إزميرالدا حيث بقيت مزروعة لسنوات ضمن محاصيل أخرى قبل أن يُكتشف تميزها في بداية الألفية.

البيئة التي أنتجت أغلى قهوة في المزاد

تقع مزرعة لا إزميرالدا في المرتفعات الجبلية المحيطة ببركان بارو في منطقة بوكيتي بإقليم تشيريكي في بنما. تقع القطعة التي جاء منها اللوت الفائز على ارتفاع يقارب 2000 متر فوق سطح البحر، وهو ارتفاع نادر في زراعة القهوة.

تتميز المنطقة بتربة بركانية غنية بالمعادن، إضافة إلى ضباب جبلي مستمر ودرجات حرارة معتدلة نهارًا تنخفض ليلًا. يبطئ هذا التباين في الحرارة نضج ثمار البن ويمنح الحبوب وقتًا أطول لتطوير مركباتها العطرية.

تعتمد المزرعة نظام قطف يدوي انتقائي للحبوب الناضجة فقط، ثم تخضع الحبوب لعملية المعالجة بالغسل مع تخمير مضبوط قبل التجفيف. أسهمت هذه الظروف الطبيعية، مع أسلوب الزراعة والمعالجة، في إنتاج القهوة التي سجلت السعر القياسي في مزاد «أفضل قهوة في بنما».

لماذا وصل السعر إلى هذا الرقم

نتج السعر القياسي الذي سجله اللوت في المزاد عن اجتماع عدة عوامل. أولها ندرة الكمية؛ فاللوت الذي بيع لم يتجاوز 20 كيلوغرامًا. ثانيها الجودة الحسية المرتفعة؛ إذ سجلت القهوة 98 نقطة في اختبارات التذوق التي يجريها حكام دوليون متخصصون في تقييم القهوة المختصة.

العامل الثالث يتعلق بالسلالة نفسها، وهي جيشا من البن العربي كوفيا أرابيكا، وهي سلالة معروفة بخصائصها العطرية الزهرية ونكهاتها المعقدة. كما لعب الارتفاع الجبلي للمزرعة والتربة البركانية وطريقة المعالجة الدقيقة دورًا في تكوين هذه الخصائص.

اجتمعت هذه العناصر لتجعل اللوت محل منافسة بين عدد كبير من المحامص العالمية خلال المزاد، وهو ما رفع السعر تدريجيًا عبر مئات المزايدات حتى وصل إلى 30,204 دولارًا للكيلوغرام الواحد.

مقالات قد تهمك

الإيحاءات في القهوة المختصة بين الكيمياء والتحضير وضبط اللغة الحسية
أخبار موكا

الإيحاءات في القهوة المختصة بين الكيمياء والتحضير وضبط اللغة الحسية

تُظهر خرائط النكهات كيف تتحول الإيحاءات الحسية في القهوة من كلمات عامة إلى قراءات مرتبطة بالارتفاع والتربة وطريقة المعالجة. الوصف المكتوب على الأكياس ليس زخرفة لغوية، بل خلاصة لمسار كيميائي وزراعي يبدأ في الحقل ويُعاد تشكيله بالتحميص والتحضير، قبل أن يصل إلى الكوب في صورة طيف عطري يمكن قياسه وتكراره داخل الصناعة.

منذ شهرين
من فنجان إلى مؤسسة: كيف صنع المقهى أدبًا في الغرب وبقيت القهوة رمزًا في النص العربي
أخبار موكا

من فنجان إلى مؤسسة: كيف صنع المقهى أدبًا في الغرب وبقيت القهوة رمزًا في النص العربي

لم يعد حضور القهوة في الأدب مسألة رمزية عابرة، بل يكشف مسارًا تاريخيًا مختلفًا بين ثقافتين. ففي أوروبا تحوّل المقهى إلى فضاء إنتاج فكري وسردي أسهم في تشكيل الرواية الحديثة والفلسفة الوجودية، بينما بقيت القهوة في النص العربي عنصرًا لغويًا وتأمليًا داخل القصيدة والرواية دون أن يتحول المقهى إلى مؤسسة معرفية مستقلة. يقارن التقرير بين النموذجين من منظور دراسات الأدب الحضري وسوسيولوجيا الفضاء العام، متتبعًا علاقة المكان بالكتابة، ودور المدينة في إنتاج النص، وحدود الحرية التي سمحت للمقهى الغربي بأن يصبح مختبرًا أدبيًا حقيقيًا.

منذ شهرين
كيف تحوّلت المقاهي إلى «المكان الثالث» في حياة المدن الحديثة؟
أخبار موكا

كيف تحوّلت المقاهي إلى «المكان الثالث» في حياة المدن الحديثة؟

يتتبع التقرير المسار المختلف للقهوة والمقهى في الأدب الحديث: كيف بقيت القهوة في النص العربي طقسًا لغويًا شخصيًا مرتبطًا بالعزلة والذاكرة والكتابة، بينما تحوّل المقهى في الغرب إلى فضاء مولِّد للأفكار والروايات والفلسفات، ومؤسسة غير معلنة لصناعة الخطاب الثقافي. قراءة مقارنة في علاقة الكاتب بالمكان، وحدود النص حين يخرج من البيت إلى الطاولة العامة.

منذ شهرين