يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

سالم الجحوشي.. صوتٌ من خشبة اليمن وحارسُ الفصحى في المنفى

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
صورة قلمية تستعيد سالم الجحوشي من “عدنان ولينا” إلى وثائقيات الجزيرة؛ صوتًا يمنيًا عابرًا للمنافي، وفنانًا مسرحيًا حمل الخشبة إلى الميكروفون، وحرس الفصحى بذاكرة ممتلئة بالمدن والحكايات.

في مساء التاسع من يونيو الجاري، تلقيت دعوة من نادي الطلبة الحضارم في ماليزيا، أرسلها العزيز محمد عادل، رئيس النادي، لحضور فعالية بعنوان: "الحنجرة اليمنية بين الفن والمسرح".

لم أتردد. كان اسم الضيف كافيًا: الأستاذ سالم الجحوشي.

بعض الأسماء تأتي ومعها صوت قديم، ونافذة مفتوحة على طفولة بعيدة، وشيء من اليمن الذي نحمله معنا إلى المنافي من غير أن ننتبه. وسالم الجحوشي من تلك الأسماء التي أسمعها في داخلي قبل أن أقرأها بعيني. قبل أن أرى وجهه، يسبقني صوته. وقبل أن أراجع سيرته، تكون الذاكرة قد احتفظت له بمقعد قديم في مكان عزيز.

وسالم الجحوشي مسرحي ومؤدٍّ ومدرب، حمل خبرة الخشبة إلى الميكروفون، وترك صوته في ذاكرة الدوبلاج والوثائقيات العربية. لذلك قرأت الدعوة كموعد شخصي مع صوت أعرفه منذ زمن، ومع فنان حمل اليمن في طبقاته الصوتية قبل أن ألتقيه وجهًا لوجه.

بدت القاعة كبيرة، قاعة مسرح. كان الحضور نوعيًا، وإن حالت محدوديته الجماهيرية دون امتلاء المقاعد. وتقاس قيمة بعض الأمسيات بصدق من حضر قبل عدد المقاعد الممتلئة. الوجوه التي رأيتها تلك الليلة كانت من النوع الذي يطمئن القلب لوجوده؛ جاءت لأنها تعرف قيمة الرجل، أو تحب الفن، أو تبحث في المنفى عن خيط صغير يعيدها إلى اليمن.

بدأ سالم الجحوشي حديثه بتواضع لافت. بدا كأنه يتحدث لأول مرة، مع أنه رجل خبر الخشبة والميكروفون والاستوديو وقاعات التدريب. لم يدخل القاعة محمولًا على تاريخه، ولم يتعامل مع محدودية الحضور كخذلان. جلس أمامنا بهدوء رجل يعرف مهنته جيدًا، ويكفيه صوته.

بدت ذاكرته، وهو يتحدث، مكتظة ومتعبة. يتوقف أحيانًا، يفتش عن اسم، أو تاريخ، أو مدينة، ثم يعود إلى الحكاية من باب آخر. شعرت أنني أمام ثقل سيرة طويلة تتزاحم فيها الخشبات والمدن والوجوه. رجل عاش أكثر مما تسمح به ساعة واحدة من الكلام، وحين يحاول أن يستعيد ما مضى، تأتي الذاكرة محملة بالغبار والضوء معًا.

ينسى تفصيلًا، ثم يتذكره فجأة. يبتسم كمن عثر على شيء عزيز في درج قديم. وفي تلك اللحظات، كان الجحوشي أقرب إليّ من أي سيرة مرتبة. فالحياة الحقيقية لا تأتي دائمًا في خط مستقيم؛ تأتي متقطعة، محشوة بالأسماء، مثقلة بالأمهات، والرفاق، والمدن، والمنع، والضحك، والحنين.

حين عاد صوت عدنان ولينا

حين أدى أمامنا مقدمة “مغامرات عدنان”، أو “عدنان ولينا” كما رسخت في ذاكرتنا، لم أبقَ في القاعة. عدتُ وحدي إلى بيت جدي عثمان رحمه الله. إلى ذلك المجلس الصغير المفتوح في مقدمة البيت، حيث كنا نتحلق وقت المغرب لمشاهدة أفلام الكرتون. كان ذلك المجلس مسرح طفولتي الأول، وكان التلفزيون نافذة صغيرة على عالم واسع.

قرأ بصوته:

"اندلعت الحرب العالمية الثالثة عام ألفين وثمانية". ...

الجملة معروفة، لكنني سمعتها تلك الليلة كأنها خرجت من زمنها وعادت إليّ. نص عن خراب العالم، وصورة أرض تستيقظ بعد كارثة، وموسيقى ما زالت مشدودة في الذاكرة. الذي بقي كل هذه السنوات كان الصوت. تلك النبرة الهادئة الثقيلة التي وضعت الطفل العربي أمام نهاية العالم من غير أن تسلبه الأمل.

قد ينسى المرء تفاصيل الحلقات، لكنه لا ينسى النبرة التي فتحت له باب الحكاية. وسالم الجحوشي من الأصوات التي تمر من الأذن وتستقر في الوجدان.

ضحك القاعة وحنضل الشحر

رغم ما حملته الأمسية من حنين وحسرة، ضحكت القاعة في أكثر من موضع.

ضحكت حين حكى عن اعتقال فريقه المسرحي في لحج. وضحكت حين تحدث عن منعهم من تقديم مسرحية في صنعاء وإرسالهم إلى تعز. وضحكت أكثر حين روى حكاية بائع الحنضل في الشحر، ذلك الرجل الذي دخل فضاء العرض في الشارع وهو لا يدرك أن الناس يتابعون مسرحية، وراح ينادي بصوته: "حنضل.. حنضل".

هذه الحكاية وحدها تفتح باب المسرح اليمني كله. مسرح يخرج إلى الشارع، فيدخل إليه البائع، والمصادفة، والناس، والسلطة، والضحك، وسوء الفهم. كان بائع الحنضل، من حيث لا يدري، جزءًا من العرض. دخل من غير بروفة، ومنح المشهد رائحته الشعبية.

كان الجحوشي يروي هذه المواقف بخفة لا تلغي المرارة. كنت أضحك، ثم أشعر أن خلف الضحك تعب فنانين كانوا يطاردون خشبة، وبلدًا لا يمنح مبدعيه حقهم من الأمان. وهذا وجه يمني أعرفه جيدًا: نضحك كي لا تنكسر الروح.

خرج الزملاء من القاعة ممتنين. كانت أمسية من ذلك النوع الذي يرافقك بعد الخروج من الباب. أنستنا ضجيج مناسبات كثيرة تمتلئ بالكلام، ثم لا تترك في الذاكرة أثرًا.

حين صمت المكان

في لحظة أخرى، تغير إيقاع القاعة.

تحدث الجحوشي عن والدته. ذكر دعاءها له بالتوفيق في عمله، وقالت له إنها تحدثت إلى الله، وكانت واثقة أن الله استجاب لها وطمأنها. ومضت حياته كما لو أن ذلك الدعاء فتح له الطريق.

هنا لم أعد أمام فنان يروي مسيرته. رأيت ابنًا يستعيد أمه من عمق الزمن. خلف صوت الوثائقيات، وخلف المخرج والمدرب والمسرحي، ظهر إنسان يحمل دعاء أمه كما يحمل الفنان نصه الأول.

في اليمن، دعاء الأم جزء من الطريق. من الطمأنينة. من النجاة التي لا يعرف الإنسان كيف يشرحها كاملة. وربما كان في صوت سالم الجحوشي شيء من ذلك الدعاء؛ شيء تسهم المعاهد والجامعات والتدريبات في صقله، لكنه يأتي أولًا من البيت، ومن الرضا، ومن يد أم تسلّم ابنها إلى الله.

من حضرموت إلى عواصم الصوت

أخذني سالم الجحوشي في حديثه إلى الشحر، والمكلا، وسيئون، وعدن، ولحج، وصنعاء، ثم إلى القاهرة، وبغداد، والكويت، والدوحة، والشارقة. لم تكن المدن في كلامه أسماء على خريطة. كانت محطات في عمر فنان حمل اليمن معه حيث ذهب.

من حضرموت بدأت البذرة الأولى. هناك تشكل الحب المبكر للكلمة، وللخشبة، وللجملة حين تقال أمام الناس. ثم جاءت القاهرة عام 1975، وهناك تعلم أن الصوت يحتاج إلى عناية، وتدريب، ونفس، ووقفة، ومعرفة بمخارج الحروف.

بعدها جاءت الكويت، في زمن كانت فيه ورشة ثقافية عربية واسعة: مسرح، تلفزيون، دوبلاج، إنتاج مشترك، وبيئة ترى الفن جزءًا من حياة الناس. هناك دخل الجحوشي واحدة من أهم تجارب الدوبلاج العربي.

الدوبلاج عنده أداء جديد بالصوت. الشخصية المرسومة على الشاشة تحتاج إلى روح، وإلى نبرة تقنع الطفل، وإلى إحساس يحميها من البرود. هنا يظهر المسرحي داخل المؤدي الصوتي. فالمسرحي يدخل إلى الجملة، ويمنحها جسدًا، ويترك فيها شيئًا من نفسه.

في أعمال مثل "عدنان ولينا" و"بشار" و"لوسي"، شارك الجحوشي في صناعة ذاكرة عربية واسعة. شخصيات جاءت من عوالم بعيدة، لكنها دخلت بيوت العرب بأصوات قريبة من وجدانهم، وبنطق يحترم أذن الطفل وخياله.

حارس الفصحى

في عالم سالم الجحوشي، الفصحى مقام.

هو من الذين يتعاملون مع اللغة كبيت. يغضب حين تضعف الفصحى على الألسنة، وحين تتسلل اللهجة إلى الأداء المهني فتشوّه الجملة وتكشف عجز المؤدي عن ضبط لسانه. لكل مقام لغته، ولكل فن شرطه، والفصحى في الأداء تحتاج إلى انضباط واحترام.

ومن نصائحه المعروفة في التدريب، كما قال في إحدى حلقات البودكاست المنشورة: "اقرأوا القرآن".

يقولها بوصفها طريقًا إلى ضبط الحرف، واستقامة المخرج، وسلامة الوقف، ونقاء اللسان، إلى جانب بعدها التعبدي. القرآن عنده مدرسة صوتية ولغوية كبرى؛ من أراد فصحى سليمة فعليه أن يتعلم كيف يقف، وكيف يمد، وكيف يخرج الحرف من مكانه.

وفي إحدى حلقات البودكاست التي أعدت سماعها قبل أن أكتب عنه، وصف الصوت بما يشبه الكائن الحساس، ذلك "البيبي الدلوع" الذي يتأثر بالغضب، والصراخ، والسهر، والجفاف، والتدخين. العبارة طريفة، لكنها تكشف فلسفة كاملة: الصوت لا يخدم صاحبه طويلًا إذا أُهمل. الخامة وحدها لا تصنع فنانًا. التدريب، والوعي، والرحمة بالجسد، واحترام اللغة؛ هذه كلها تصنع الصوت الذي يبقى.

وسالم الجحوشي يحرس الفصحى بطريقته الخاصة: بالمخرج السليم، والوقفة الصحيحة، والحنجرة التي تعرف أن الكلمة حين تُنطق جيدًا تصبح أكثر عدلًا مع معناها.

سالمين في ذاكرة الناس

ولأن حديثه عن الفن كان متصلًا بالناس، اتسعت الحكاية للمدينة والوجوه والذاكرة الشعبية. فالفنان المسرحي يرى التاريخ في محبة الناس، وفي الأسماء التي بقيت قريبة من وجدانهم.

ذكر الرئيس سالم ربيع علي، "سالمين"، بكل خير. ذكره خارج السجال السياسي، كما يذكر الناس رجلًا أحبوه. كان في كلامه صدى ذلك اليمن الذي يحتفظ في ذاكرته ببعض الرجال لأنهم اقتربوا من الناس، وتركوا في وجدانهم معنى من معاني البساطة والعدل والقرب.

هذه اللمحة كشفت شيئًا من الجحوشي نفسه. هو فنان يقرأ التاريخ من وجوه الناس. يرى الذاكرة كما عاشت في القلوب. وهذا ما يفعله المسرح في أصله: يعيد الإنسان إلى مركز الحكاية.

المسرح في صوت شاهد من أهله

حين تحدث سالم الجحوشي عن المسرح اليمني، كانت الحسرة واضحة في صوته. حسرة رجل يعرف الخشبة من داخلها، ويعرف ما الذي كان يمكن أن يصير إليه المسرح في اليمن لو وجدت له الدولة، والمؤسسة، والاستقرار، والجمهور، والمدينة الآمنة.

تحدث عنه كواحد من أهله. من الذين جربوا الفرق، والعروض، والمنع، والسفر بين المدن، وارتباك السلطة أمام الخشبة، وفرح الناس حين يجدون أمامهم من يضحكهم ويكشف وجعهم.

المسرح اليمني، كما بدا من حكايته، كان طريقة لفهم المجتمع. يلتقط الفقر، والخوف، والسلطة، والسخرية، والهجرة، والكرامة، والناس العاديين الذين يصنعون الحياة رغم قسوتها.

وحين يرثي الجحوشي المسرح اليمني، يرثي أكثر من قاعة: فرقة تتعب، وجمهورًا كان يأتي، ومدينة كانت تستطيع أن تستقبل الناس بلا خوف، ومؤسسة كان يفترض أن تؤمن بأن المسرح حاجة اجتماعية.

من الخشبة إلى الميكروفون

ما يميز سالم الجحوشي أن صوته لم يأت من فراغ. خلفه مسرح. وخلف المسرح لغة. وخلف اللغة مدينة وبيت وأم وذاكرة.

لهذا لا أستطيع أن أفصل صوته في الوثائقيات والدوبلاج عن تكوينه المسرحي. المسرح علّمه كيف يسكن الجملة، وكيف يترك الصمت يعمل، وكيف يعرف أن الوقفة أحيانًا أقوى من العبارة، وكيف يمنح الصوت ظلًا ومسافة وعمقًا.

الشاشة وسّعت أثره، والميكروفون حمل صوته إلى جمهور لا يعرفه شخصيًا، لكن الخشبة ظلت في داخله. وهذا سر حضوره. إنه لا يؤدي بخامة جميلة فقط، بل بخبرة من وقف أمام جمهور حي، وسمع ضحكته، وشعر بصمته، وعرف أن الحنجرة لا تكذب حين يكون المسرح شاهدًا عليها.

صوت وطن صغير

في نهاية الأمسية، شعرت أنني حضرت ما هو أبعد من فعالية عن "الحنجرة اليمنية". حضرت درسًا في الصوت، وفي المسرح، وفي المنفى، وفي معنى أن يبقى الفنان وفيًا لجذره وهو يعبر المدن.

سالم الجحوشي يمني في وجدانه، عربي في لسانه، مسرحي في روحه، مؤدٍّ صوتي في مهنته، وإنساني في حضوره.

سالم الجحوشي بالنسبة لي يمثل معنى أن يكون الصوت وطنًا صغيرًا؛ وطنًا ينتقل مع صاحبه من الشحر إلى عدن، ومن صنعاء إلى الكويت، ومن الدوحة إلى كوالالمبور، ويبقى محتفظًا بنبرته الأولى.

خرجت من الأمسية وفي داخلي شيء من اليمن الذي يقاوم الغياب باللغة، والضحكة، والحكاية.

مقالات قد تهمك