على هامش مؤتمر المناخ COP 26 !
عبد الواحد عرمان
قرابة ثلاثة أسابيع قضيتها في بريطانيا، وتحديداً اسكتلندا لحضور مؤتمر المناخ COP 26، ممثلا لليمن في مفاوضات تغير المناخ .. وبالمجمل كانت تجربة هامة بالنسبة لي على الصعيدين الشخصي والمهني.
في الحقيقة، بمجرد أن يسمع أحدهم مصطلح تغير المناخ، سيظن أن المصطلح يشير إلى قضايا ثانوية وهامشية وليست ذات أهمية كبيرة تستدعي عقد مثل هكذا مؤتمرات واتفاقيات، وآخر سيحسن النية ويقول أنه لا زال هناك خير، فهناك من يجتمع ويعقد المؤتمرات لحل هذه الأزمة التي بدأت تلقي بظلالها على دول كثيرة، وتشكل تهديدا على الكثير من القطاعات الحيوية في معظم البلدان حول العالم، وعلى رأسها البلدان الفقيرة.
لكن الأمر ليس كذلك، أو على الأقل ليس بهذا الشكل، فهذا المؤتمر وتوابعه أعقد من ذلك بكثير، بل إن البعض يعده أكثر مؤتمرات واتفاقيات الأمم المتحدة تعقيدا !
فهذا المؤتمر والاتفاقيات المتعلقة بتغير المناخ عموما، تمس بشكل مباشر اقتصاديات جميع دول العالم.
لذا، فهذا المؤتمر يناقش بشكل رئيس قضايا اقتصادية وتقنية وفنية؛ أي أنك طوال الجلسات التفاوضية التي تستغرق من ساعة إلى ساعتين لكل موضوع من موضوعات التفاوض قد لا تسمع فيها كلمة مناخ، أو تغير المناخ، وكل ما ستسمعه هي تفاصيل فنية دقيقة تتعلق بشكل رئيس بعالم الاقتصاد والمال!
ستجد الدول المتقدمة تتحدث عن التخفيف من مسببات التغيرات المناخية ( انبعاث الغازات الدفيئة)، الأمر الذي سينعكس بشكل مباشر على اقتصاد أي دولة ستحاول أن تقوم بخطوة كهذه، متناسية بذلك مسؤليتها التاريخية عن هذه الكارثة، وستجد الدول النامية والأقل نموا تتحدث عن الأضرار وتطالب بالتعويضات والدعم التي أقرتها الاتفاقيات المناخية، لكي تتمكن من القيام بإجراءات تمكنها من التصدي للآثار التي تتسبب بها التغيرات المناخية كل عام.
فدول كاليمن أو بنغلادش مثلا، لم يكن لها أي مساهمة فعلية في هذه الكارثة، ولكنها بلدان متضررة من آثار التغيرات المناخية، لذا فإن أي محاولة منها للقيام بالتدابير اللازمة للتصدي سيكلفها مليارات الدولارات !
لذلك من المفارقات العجيبة والمضحكه أن تحاول الدول المتقدمة وتحديدا دول العالم الغربي ( أوروبا وأمريكا) استبعاد المسؤولية التاريخية من المفاوضات، محاولين بذلك جعل المسؤولية مشتركة بين جميع الدول، للتهرب من دفع ثمن ما ألحقته ثورتهم الصناعية من كوارث بيئية كثيرة أخطرها التغيرات المناخية. وكأن لسان حالهم يقول دعونا نفتح صفحة جديدة نتشارك فيها جميعا هذه المسؤولية. والأمر هنا مضحك وأشبه بما وصفه زميلنا العراقي في أحد الجلسات، أن هناك من قام بشوي الكباب ولم يصلنا منه سوى الدخان، ثم جاء الطاهي يطلب منا أن ندفع ثمن هذا الكباب !
بل وأكثر من ذلك، فقد بات هذا الموضوع يشكل أداة ضغط سياسية تستخدمها دول العالم الأول على الدول النامية وتحديدا المنتجة للبترول، لذلك قد تجد دول مواقفها في قضايا وملفات حقوق الإنسان ضعيفة ومهزوزة، لكنها في مفاوضات تغير المناخ التي تشكل بالنسبة لها إما حياة أو موت تتحول إلى سباع كاسرة، وتضرب بيد من حديد داخل أروقة المفاوضات.
لذا، فإن التحالفات في هذا المؤتمر تختلف عما هي عليه في الخارج، فقد تجد دول تتصارع عسكريا، وتختلف أيديولوجيا، ولكنها في هذا المؤتمر تتفق معا للدفاع عن مصالحها الاقتصادية.
وهكذا تدور المفاوضات، لذلك كان هذا المؤتمر بالنسبة للجميع مخيب للآمال، فكثير من القضايا لم تُحل بعد، ولم يتم الاتفاق عليها، بسبب تهرب الدول المتقدمة الصناعية من مسؤولياتها تجاه ما أحدثته من كوارث مناخية باتت تهدد كل شيء يتحرك على هذا الكوكب، والمستقبل ينذر بكوارث قد تزول على إثرها مدن وربما دول .
كلما أنظر إلى ما وصل إليه العالم اليوم وأحاول البحث عن الأسباب الرئيسية لهذه الكوارث، أجدها لا تنفك عن ثلاثة عوامل رئيسية:
أولاً، الحداثة التي يعرفها البعض بأنها فك السحر عن العالم، أي التحرر من كل القوى الغيبية وإنكار وجودها وبالتالي إعادة صياغة الإنسان وخلق العالم على نحو فكري معين، تطرحه حصيلة منتقاة من المذاهب والفلسفات الغربية العقلية والمادية، وهو ما تمثل في إعلان الفيلسوف نيتشه الشهير ” بموت الإله” ، والذي أصبحت بعده المادة هي مركز الكون، وهي الحيز الوحيد الذي سينفذ فيه / عليه الإنسان نشاطاته، لا لهدف معين ولا لغاية، وإنما إشباعًا لرغباته ونزواته واحتياجاته فقط، فكانت الطبيعة والبيئة هي أول من دفع ثمن تألّه هذا الإنسان الذي لم يعد لحياته معنى سوى في عالم المادة، والمادة هنا تشير إلى المعنى الفيزيائي، لا المال.
ثانياً، الرأسمالية، التي كانت الأداة التي طُبق عبرها النموذج الحداثي، والتي جعلت من العالم بكلما فيه، من إنسان وبيئة مجرد سلعة تباع وتُشترى، فاقتلعت الغابات والأشجار بمساحات شاسعة من أجل بناء الثروة، وتصاعدت انبعاثات المصانع بشكل جنوني، ففقدت الأرض ميزانها والبيئة توازنها، ليعرف العالم ولأول مرة في تاريخه ظاهرة تُسمى الاحتباس الحراري، التي تعد السبب وراء كوارث التغيرات المناخية.
ثالثا، العولمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، لتقضي بذلك على التنوع الثقافي والاقتصادي، ليصبح اقتصاد العالم كله ضمن شبكة واحدة، ونموذج يكاد يكون أحاديا، لتزيد بذلك معدلات ومصادر الانبعاثات، وتنتقل من بلد لآخر وتجوب العالم بأكمله، لتزيد من ارتفاع درجة حرارة الأرض وتزيد معاها التهديدات والكوارث.
أخيرا، يقول الله سبحانه تعالى: ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”
لقد خلق الله الأرض بميزان معين، لا يطغى فيه شيء على شيء، وحدد للإنسان كيفية وطبيعة التعامل مع الكون من حوله، لذلك بمجرد أن يدرك الإنسان معنى رسالة التوحيد، وآثارها ومضامينها على الكون والفكر والحياه، سيجد أنه أمام ميزان لا إفراط فيه ولا تفريط، ميزان يقيم الإنسان ويعمر الأرض دون هذه الكوارث التي تسببت بها الحداثة ومنتجاتها.
وبمجرد التفكير في جميع الكوارث التي وجدت بعد صعود الحداثة وعلى رأسها الكوارث البيئية وأزمة المعنى التي يعيشها الإنسان اليوم، سيجد أن هناك مخرجا وحيدا لهذا الإنسان، وهو فضاء التوحيد.