صنعاء – اليمنيون – رصد
تتجه أربع عشرة قطعة أثرية مرتبطة بالتراث اليمني القديم إلى مزادين تنظمهما دار أبولو للفنون في لندن مطلع أكتوبر المقبل، وسط غياب معلومات منشورة توضح مواقع اكتشافها أو وثائق خروجها من بلد المنشأ.
وتغطي القطع فترة زمنية واسعة تبدأ، وفق تقديرات دار المزاد، من الألفية الثالثة قبل الميلاد، وتشمل تماثيل حيوانية وبشرية وقطعًا جنائزية وإناءً حجريًا وخاتمًا ذهبيًا، بما يعيد فتح ملف سجلات الحيازة التي ترافق الآثار القادمة من مناطق شهدت نهبًا وحروبًا واتجارًا غير مشروع بالممتلكات الثقافية.
وكشف الباحث المتخصص في تتبع الآثار اليمنية عبدالله محسن، في منشور على صفحته في فيسبوك، عن ظهور القطع في كتالوج دار أبولو، داعيًا إلى الانتقال من متابعة صور الآثار المعروضة إلى تحرك رسمي وقانوني يدرس مصدر كل قطعة ومسار انتقالها.
وتصنف دار المزاد القطع تحت مسمى «جنوب الجزيرة العربية»، فيما يربطها محسن بالتراث الأثري اليمني. ويحتاج إثبات بلد المنشأ لكل قطعة إلى دراسة فنية ومقارنة بسجلات المواقع والمتاحف اليمنية، إلى جانب فحص وثائق الحيازة والتصدير.
وتوضح صفحة المزادات الرسمية لدار أبولو أن مزاد المجوهرات والخرز القديم سيبدأ في 3 أكتوبر 2026، بينما يبدأ مزاد الفنون والآثار القديمة في 4 أكتوبر. ويُعرض الخاتم الذهبي ضمن المزاد الأول، فيما تظهر بقية المجموعة في مزاد الآثار.
ويعود عدد القطع إلى أربع عشرة قطعة مادية موزعة على ثلاثة عشر بندًا في المزاد؛ إذ تُعرض قلادتان برونزيتان على هيئة جمل ضمن بند واحد.
القطع المعروضة
تماثيل الثيران
يبرز في المجموعة ثور ضخم من الألباستر، منحوت واقفًا على قاعدة مستطيلة من الكتلة الحجرية نفسها، ويؤرخه المزاد بنحو القرن الثاني قبل الميلاد. تبلغ أبعاده قرابة 42 × 50 سنتيمترًا، ويتجاوز وزنه 25 كيلوغرامًا، ويتراوح تقديره بين 7,500 و15 ألف جنيه إسترليني.
ويظهر إلى جانبه ثور صغير من الألباستر، أكثر اختزالًا من حيث التكوين، يبلغ حجمه نحو 21 × 19 سنتيمترًا ووزنه ثلاثة كيلوغرامات، ويؤرخ كذلك بنحو القرن الثاني قبل الميلاد.
وتتضمن المجموعة ثورًا من الألباستر مزينًا بطوق صدري، يتميز بطوق زخرفي منحوت حول العنق، ويبلغ حجمه نحو 20 × 19.5 سنتيمترًا ووزنه 3.34 كيلوغرامات.
أما القطعة الرابعة المرتبطة بالثور فهي مقدمة ثور من الحجر الجيري، تمثل الجزء الأمامي من الحيوان، برأس عريض وعينين بارزتين، مع فقدان أجزاء من الأذنين والقرنين.
الوعل والحيوانات الرابضة
تضم المجموعة مبخرة رخامية على هيئة وعل، يظهر فيها الحيوان واقفًا بقرنين طويلين مضلعين، ويتوسط ظهره تجويف مخصص لحرق البخور، بما يجمع بين الوظيفة الطقسية والتكوين الحيواني.
كما تعرض الدار مجموعة رخامية لحيوانين رابضين، منحوتة من كتلة واحدة، يظهر فيها حيوان كبير رابض وإلى جواره حيوان أصغر يرفع رأسه.
قلادتا الجمل
تُعرض قلادتان ختميتان برونزيتان على هيئة جمل ضمن بند واحد. تظهر الأولى برقبة طويلة ورأس مرتفع وسنامين، مع حلقات تسمح باستخدامها قلادة أو ختمًا، بينما تختلف الثانية في وضع الرأس وشكل السنام. ويُحتسب كل منهما قطعة مستقلة ضمن العدد الإجمالي.
الرؤوس البشرية
تتضمن المجموعة رأس رجل من الألباستر، بوجه بيضاوي وعينين لوزيتين وأنف طويل، مع شعر قصير ممثل بخطوط محفورة.
ويختلف عنه رأس رجل من الألباستر بشارب ولحية، يتميز بعينين واسعتين وتجويفين كانا مهيأين للتطعيم، مع شارب ولحية قصيرة ممثلين بنقاط محفورة.
التماثيل البشرية
تعرض الدار تمثالًا أنثويًا رخاميًا لهيئة واقفة شديدة التجريد، بذراعين مطويتين خلف الظهر وعقد ينتهي بقلادة نصف دائرية. ويضع الكتالوج تأريخه بين 2000 و1000 قبل الميلاد، مع إبقاء احتمال عودته إلى فترة لاحقة.
وتشمل المجموعة أيضًا تمثالًا جنائزيًا لشخصية واقفة، وهو منحوتة صغيرة ذات رأس كبير نسبيًا وذراعين طويلتين تلتقيان أمام الجسم، مع ثقوب في العينين والأذنين.
الإناء والخاتم
يظهر بين القطع إناء حجري مزخرف من حجر داكن، يغطي سطحه نقش يشبه خلايا النحل. ويؤرخه المزاد بين 2600 و2000 قبل الميلاد، ما يجعله أقدم القطع المعروضة بحسب التقدير المنشور.
وتكتمل المجموعة بـخاتم ذهبي يحمل نقشًا مسنديًا مركبًا، مصنوع من الذهب المصمت، ويتسع جزؤه العلوي إلى فص بيضاوي محفور بحروف متقاطعة. يبلغ وزنه سبعة غرامات، ويؤرخ بين 300 و100 قبل الميلاد، ويتراوح تقديره بين 1,200 وألفي جنيه إسترليني. وتذكر بيانات الخاتم المنشورة لدى «لايف أوكشنيرز» أنه جاء من مجموعة بريطانية خاصة، وسبق شراؤه من سوق الفن في لندن قبل عام 2000.
وتستند أسماء القطع وتأريخها وأوصاف خاماتها إلى البيانات التي نشرتها دار المزاد، ولا تمثل نتائج فحص مستقل أجراه «اليمنيون».
سجلات تنتهي عند أسواق الفن
تتكرر في بيانات الحيازة المنشورة عبارات مثل «مجموعة بريطانية خاصة»، و«سوق الفن في لندن»، و«السوق الفرنسية»، و«سوق الفن البلجيكي»، من دون إظهار موقع الاكتشاف أو أول مالك معروف أو وثيقة التصدير من بلد المنشأ.
وتقول دار المزاد إن عددًا من القطع مرّ عبر مجموعة «إتش. جي»، بعد اقتنائها من السوق الفرنسية بواسطة «أ. كوتلار» في باريس خلال الفترة الممتدة بين 1970 و2006. وتُنسب القطعتان البشريتان إلى مشتريات من سوق لندن خلال ثمانينيات القرن العشرين، بينما يُقال إن التمثال الجنائزي ومقدمة الثور جاءا من السوق البلجيكية خلال تسعينيات القرن الماضي.
أما الثور الضخم، فتورد الدار له مسارًا يمر بمعارض ومجموعات خاصة في الولايات المتحدة وهولندا والمملكة المتحدة، من بينها مجموعة «جيه. بومان» ومجموعة فريدريك جاك فيليبس. وتبقى نقطة البداية الفعلية للقطعة خارج البيانات المنشورة؛ إذ لا يظهر مكان اكتشافها أو تاريخ مغادرتها المنطقة التي نُحتت فيها.
وتمنح هذه الفجوات أهمية خاصة لما نشرته صحيفة «سويس إنفو» عن تجارة الممتلكات الثقافية المنهوبة. ونقلت الصحيفة عن مختصين أن القطع قد تعود إلى الأسواق بعد مرور 15 أو 20 عامًا على نهبها، عقب انتقالها بين تجار ومجموعات متعددة وتكوين سجل ملكية يمنحها مظهرًا قانونيًا يصعب اختباره.
المطابقة لا تثبت اكتمال المصدر
تذكر دار المزاد أن عددًا من القطع خضع للمقارنة مع قاعدة بيانات سجل الأعمال الفنية المفقودة، وأنه مصحوب بخطابات أو شهادات تؤكد نتيجة البحث.
لكن الشروط الرسمية لسجل الأعمال الفنية المفقودة تنص على أن نتيجة البحث لا تضمن مصدر القطعة، ولا يجوز الاعتماد عليها وحدها بوصفها دليلًا كافيًا على استيفاء العناية الواجبة في التحقيق بتاريخ الحيازة.
وتتصل المشكلة بطبيعة قواعد البيانات نفسها؛ إذ توضح قاعدة الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة أنها تتضمن القطع القابلة للتعريف الكامل التي ترسل بياناتها جهات وطنية ودولية مخولة. وبذلك قد تغيب عنها قطع نُهبت من مواقع أثرية قبل تسجيلها أو تصويرها، أو فقدت من مخازن ومتاحف لم تكتمل قوائمها الرقمية.
وعليه، فإن عدم ظهور القطعة في قاعدة بيانات للسرقات لا يحسم قانونية مصدرها، كما أن وجود سلسلة من أسماء المالكين والمعارض لا يعوض وثيقة الخروج من بلد المنشأ أو المعلومات المتعلقة بموقع الاكتشاف.
فرصة تحرك قبل البيع
يوفر القانون البريطاني مسارًا للتحرك عندما تتوافر أدلة جدية. وينص قانون التعامل في الممتلكات الثقافية لعام 2003 على تجريم التعامل غير النزيه في ممتلك ثقافي ملوث، متى كان الشخص يعلم أو يعتقد أن القطعة ملوثة.
كما أفادت وحدة الفنون والتحف في شرطة لندن بأنها تلقت 119 إحالة خلال عام 2023، جاء أكثر من نصفها من جهات إنفاذ قانون خارج بريطانيا، وشكلت قضايا الآثار 27 في المئة من عمل الوحدة.
ويبدأ التحرك المطلوب بحفظ صفحات البنود وصورها وأرقامها وقياساتها وأوصاف الحيازة قبل انتهاء المزاد أو حذف البيانات. يلي ذلك مقارنتها بصور وسجلات المتاحف والمخازن والمواقع اليمنية، وطلب الوثائق التي تثبت تاريخ دخول كل قطعة إلى بريطانيا أو الأسواق الأوروبية.
وتحتاج الحكومة اليمنية إلى ملف موحد تتولاه هيئة الآثار بالتنسيق مع وزارتي الخارجية والثقافة والنيابة المختصة، على أن يتضمن طلبًا رسميًا من دار المزاد للكشف عن مستندات الحيازة والتصدير والاستيراد. وإذا ظهرت قرائن على خروج غير مشروع أو تطابق مع قطعة مفقودة، يُحال الملف فورًا إلى السفارة اليمنية وشرطة لندن والإنتربول والجهات البريطانية المعنية.
تمنح الفترة السابقة للمزاد فرصة محدودة للتوثيق والتحقق. وبعد انتقال القطع إلى مشترين جدد، ستضاف حلقة أخرى إلى سجل الحيازة، وقد تصبح ملاحقتها أكثر تعقيدًا وكلفة.