يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

من المطبعة إلى الخوارزمية: كيف تغيّرت الصحافة عالميًا وانكسرت في اليمن؟

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
تراجع الطبعات الورقية وصعود المنصات والفيديو والذكاء الاصطناعي غيّرا صناعة الأخبار، فيما فرض انقلاب جماعة الحوثي على الصحافة اليمنية انتقالًا رقميًا قسريًا في بلد يعاني انهيار الكهرباء والإنترنت واقتصاد المؤسسات الإعلامية.

اليمنيون | تقارير وتحليلات

الصحيفة بوصفها مؤسسة ثقافية

ارتبطت الصحيفة الورقية، منذ تشكل المجال العام الحديث، بطقوس تتجاوز تلقي الأخبار. كان صدورها الدوري ينظم زمن المجتمع، ويمنح الوقائع ترتيبًا، ويجمع السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون في مساحة مادية واحدة. حمل الورق أثر المؤسسة وذاكرتها: عددًا يمكن حفظه، وصفحة أولى تختصر أولوية اللحظة، وأرشيفًا يسمح بالعودة إلى ما قيل كما نُشر في يومه.

غيّرت الشاشة هذا النظام الثقافي. تحولت الأخبار إلى تدفقٍ مستمر، وصار القارئ يدخل إلى المادة عبر رابط أو تنبيه أو نتيجة بحث أو مقطع قصير. تراجعت سلطة ترتيب الصفحة أمام سلطة التوصية الخوارزمية، وانتقل جزء من القرار المتعلق بما يراه الجمهور من غرفة التحرير إلى شركات التكنولوجيا. أصبح الخبر الواحد نصًا وصورة وفيديو وبيانات ومنشورًا اجتماعيًا، وتباعدت لحظة النشر عن فكرة الطبعة المكتملة.

يضع هذا التحول الصحافة أمام سؤال يتعلق بوظيفتها الثقافية والمهنية: كيف تحافظ المؤسسة على التحقق والسياق والذاكرة العامة عندما تُستهلك الأخبار في تدفق سريع، وتتنافس مع المؤثرين والترندات والمحتوى المولد آليًا؟ تبدأ الإجابة من فهم أن أزمة الورق جزء من تغير أوسع أصاب اقتصاد الأخبار وسلوك الجمهور وسلطة التوزيع.

الجمهور يغادر بوابات الصحف

يسجل تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، لحظة فاصلة في تاريخ توزيع الأخبار. أظهرت بيانات شملت 48 سوقًا أن 54% من المشاركين يستخدمون شبكات التواصل ومنصات الفيديو للوصول إلى الأخبار، مقابل 51% يستخدمون مواقع المؤسسات الإخبارية وتطبيقاتها. أصبحت المنصات الاجتماعية والفيديو الطريق الأوسع إلى الأخبار على المستوى العالمي للمرة الأولى في تاريخ التقرير.

وسبق ذلك نمو سريع في استهلاك الفيديو الإخباري. فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025 ارتفاع نسبة من يتابعون فيديو الأخبار على الشبكات الاجتماعية من 52% عام 2020 إلى 65% عام 2025، وارتفاع مشاهدة أي شكل من فيديو الأخبار من 67% إلى 75%. وبين الشباب من 18 إلى 24 عامًا، قال 44% إن الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو تمثل مصدرهم الرئيسي للأخبار.

تكشف هذه الأرقام انتقال مركز القوة. قد تملك المؤسسة المادة وتفقد طريق وصولها إلى الجمهور. تتحكم المنصة في الترتيب والانتشار، وتغيّر قواعد التوصية من دون أن تشارك الناشرين تكلفة إنتاج الصحافة. ويصبح الوصول إلى القارئ تابعًا لمؤشرات المشاهدة ومدة البقاء والتفاعل، وهي مؤشرات قد تكافئ الإثارة والاختصار أكثر مما تكافئ الدقة والسياق.

وفي الولايات المتحدة، وجد مركز بيو للأبحاث عام 2025 أن 7% فقط من البالغين يحصلون غالبًا على الأخبار من الصحف المطبوعة. وفي المقابل، يحصل 53% على الأخبار أحيانًا على الأقل من شبكات التواصل، مع حضور بارز لفيسبوك ويوتيوب وإنستغرام وتيك توك. تشير هذه النسب إلى أن الجمهور يتلقّى إنتاج المؤسسات الصحفية داخل بيئات لا تديرها تلك المؤسسات.

الورق يخسر اقتصاده

تراجعت الصحافة المطبوعة بفعل اجتماع انخفاض التوزيع، وتحول الإعلان إلى المنصات الرقمية، وارتفاع تكاليف الورق والطباعة والتوزيع. في الولايات المتحدة، قُدّر التوزيع اليومي للصحف بنحو 20.9 مليون نسخة عام 2022، بانخفاض 8% عن العام السابق وبنحو 32% مقارنة بعام 2017. وهبطت إيرادات الإعلان في الصحف إلى نحو 9.8 مليارات دولار، وأصبحت إيرادات التوزيع والاشتراكات، المقدرة بنحو 11.6 مليار دولار، أكبر من الإعلان.

وفي اليابان، أحد أقوى أسواق الصحف تاريخيًا، انخفض التوزيع من قرابة 53 مليون نسخة عام 2004 إلى نحو 26 مليونًا عام 2024. وفي ألمانيا، بلغ التوزيع المدفوع للصحف اليومية نحو 10.11 ملايين نسخة في الربع الأخير من 2025، بانخفاض سنوي قدره 5.7%، بينما ارتفعت الاشتراكات الرقمية المدفوعة بنحو 8.5% إلى 2.77 مليون اشتراك.

توضح التجارب أن توقف الطباعة يأخذ صورًا متعددة. أوقفت مجلة «نيوزويك» طبعتها الورقية في نهاية 2012، ثم أعادتها أسبوعيًا عام 2014 بعد إعادة بناء نموذجها. وأوقفت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية طبعتها اليومية في مارس 2016 وركزت نشاطها على النشر الرقمي. وحولت «إيفننغ ستاندرد» إصدارها اليومي إلى أسبوعي بعد خسائر متراكمة. أما «أتلانتا جورنال-كونستيتيوشن» فأوقفت نسختها الورقية بنهاية 2025 ضمن خطة لبناء قاعدة اشتراك رقمية أوسع.

عربيًا، توقفت صحيفة «السفير» اللبنانية في نهاية 2016 بعد أزمة مالية طويلة. وأنهت «الحياة» طبعتها الورقية في 2018، ثم توقف موقعها في العام التالي. وفي السعودية، غادرت صحيفتا «الرياض» ومجلة «اليمامة» الطباعة في أغسطس 2026 وانتقلتا إلى النشر الرقمي. تؤكد هذه النماذج أن الاسم التاريخي لا يحمي المؤسسة إذا انهار اقتصاد التوزيع والإعلان ولم يتشكل بديل رقمي قادر على التمويل.

النجاة الرقمية تحتاج مؤسسة قوية

قدمت مؤسسات دولية نموذجًا مختلفًا. وصلت «نيويورك تايمز» في نهاية 2025 إلى 12.78 مليون مشترك إجمالًا، منهم 12.21 مليون مشترك رقمي فقط، مع جمهور مدفوع في 234 دولة وإقليمًا. وفي الربع الثاني من 2026 ارتفع العدد الإجمالي إلى 13.35 مليونًا بعد إضافة 280 ألف مشترك رقمي. كما أصبحت الإيرادات الرقمية تمثل 73% من إيرادات الإعلان لديها.

وسجلت مجموعة «الغارديان» في السنة المالية 2024-2025 إيرادات بلغت 275.9 مليون جنيه إسترليني، وجاء 72% منها من أنشطة رقمية. وارتفعت إيرادات القراء الرقمية 21.7% إلى 107.3 ملايين جنيه، ووصل عدد الداعمين الرقميين المتكررين إلى 1.3 مليون.

يقوم نجاح هذه المؤسسات على الاستثمار في غرف الأخبار، والمنتج الرقمي، والبيانات، والاشتراكات، والبودكاست، والألعاب والخدمات المتخصصة. يظل نقل الصحيفة إلى موقع إلكتروني خطوة تقنية محدودة. التحول المؤسسي يعيد تنظيم الإنتاج والتوزيع والإيرادات وعلاقة الصحيفة بجمهورها، ويحمي التحرير من الارتهان الكامل للإعلان أو للمنصة.

من الكاريكاتير الثابت إلى الصورة المتحركة

كان الكاريكاتير السياسي واحدًا من أشد أشكال الصحافة تكثيفًا. يجمع موقفًا وخبرًا وسخرية في صورة واحدة. تعرض هذا الفن لضغط اقتصادي مع تقلص أقسام الرأي والفنون في الصحف. وتشير تقديرات متداولة في الوسط المهني الأميركي إلى انخفاض عدد رسامي الكاريكاتير التحريري المتفرغين من نحو 120 إلى قرابة 30 خلال خمسة وعشرين عامًا، وشهد عام 2023 تسريح ثلاثة فائزين بجائزة بوليتزر.

وفي المقابل، أتاحت المنصات للكاريكاتير حياة جديدة. تحولت الرسمة إلى فيديو قصير، ورسوم متحركة، وموشن غرافيك، ومقاطع تعتمد التتابع السردي والصوت والموسيقى. تقدم منصة Cartoon Movement مثالًا دوليًا على نشر الكاريكاتير السياسي عالميًا، بينما قدمت شركات عربية مثل «خرابيش» ومشروعات «الربيع العربي للرسوم المتحركة» تجارب مبكرة في تحويل السخرية السياسية إلى فيديو قابل للتداول.

يوسع هذا الانتقال الجمهور، لكنه يغير طبيعة العمل. تحتاج الرسمة المتحركة إلى سيناريو وإيقاع وصوت ومونتاج، وتدخل ضمن اقتصاد المنصة الذي يفضل المدة القصيرة والاستجابة السريعة للترند. كما دخل الذكاء الاصطناعي مجال إنتاج الصور، وأثار خلافات تتعلق بحقوق الرسامين ومصادر التدريب وقدرة المؤسسة على تمييز الفن التحريري البشري من الصور الاصطناعية.

الترند وفوضى المعلومات

يفصل الباحثان كلير واردل وحسين درخشان بين المعلومات الخاطئة التي تُنشر من دون قصد الإضرار، والمعلومات المضللة المصممة عمدًا للخداع، والمعلومات الصحيحة التي تُستخدم خارج سياقها بقصد الإيذاء. يساعد هذا التصنيف في فهم البيئة التي تعمل فيها الصحافة الرقمية، حيث ينتشر المحتوى قبل وصول التحقق، وتسمح أدوات القص والتركيب وإعادة النشر بفصل المادة عن مصدرها وسياقها.

تؤثر الخوارزميات في هذه البيئة من خلال ترتيب المحتوى وفق توقعات التفاعل. وخلصت دراسة تجريبية بتكليف من اتحاد الإذاعات الأوروبية إلى أن أنظمة التوصية في عدد من المنصات قد تقلل التنوع وتدفع المستخدم نحو محتوى متجانس. ويؤدي اقتصاد الترند إلى ضغط إضافي على غرف الأخبار: سرعة النشر، والبحث عن عنوان قابل للمشاركة، وإنتاج نسخ متعددة للمنصات.

ارتفع تجنب الأخبار عالميًا أيضًا. أشار تقرير رويترز لعام 2025 إلى أن 40% يتجنبون الأخبار أحيانًا أو غالبًا، مقارنة بـ29% عام 2017. تعكس النسبة إرهاق الجمهور من تواتر الأزمات والسلبية والشعور بالعجز، كما تعكس ضعف الصلة بين بعض التغطيات وحياة الناس. تواجه الصحافة هنا مهمة استعادة المعنى: تفسير الحدث، وإظهار أثره، وتقديم معرفة يمكن استخدامها.

الذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب العلاقة مع الخبر

تضاعف الاستخدام الأسبوعي لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تقريبًا في ستة أسواق درسها معهد رويترز، من 18% عام 2024 إلى 34% عام 2025. ويستخدم نحو 7% روبوتات المحادثة أسبوعيًا للحصول على الأخبار، وترتفع النسبة إلى قرابة 15% بين من تقل أعمارهم عن 25 عامًا.

تستفيد المؤسسات من الذكاء الاصطناعي في التفريغ والترجمة والبحث داخل الأرشيف وتحليل البيانات وتخصيص المنتجات. وتظهر المخاطر عند توليد معلومات غير صحيحة، أو إخفاء المصدر، أو استخدام مواد الصحف في الإجابات الآلية من دون عائد عادل، أو إنتاج صور وفيديوهات يصعب تمييزها. كما تقلل ملخصات البحث الآلية زيارات المستخدمين إلى المواقع الأصلية، وهو خطر مباشر على مؤسسات تعتمد الإعلان وحركة المرور.

تحتاج غرف الأخبار إلى سياسة معلنة: تحديد الاستخدامات المسموح بها، وإبقاء القرار التحريري والمسؤولية لدى صحفيين، والتحقق من كل معلومة مولدة، والإفصاح عن المحتوى الاصطناعي المؤثر، وحماية المواد والأرشيف وحقوق العاملين. قيمة المؤسسة في هذه البيئة تنبع من اسمها ومنهجها وقدرتها على إظهار مصدر المعرفة ومسار التحقق.

اليمن: تحول رقمي تحت الإكراه

عرف اليمن قبل 2014 صحافة حزبية وأهلية ومستقلة، مع اتساع متدرج للمواقع الإخبارية. ظلت البنية الاقتصادية هشة، واعتمدت صحف كثيرة على الإعلان المحدود أو الدعم الحزبي أو التمويل الشخصي، إلا أن المجال احتفظ بتعدد واضح في الأصوات والصحف والمجلات.

وثقت مؤسسة «فريدوم فاونديشن» 85 انتهاكًا طالت 108 صحفيين في الربع الأول من 2013، إضافة إلى 34 قضية منظورة أمام المحاكم. وفي النصف الأول من 2014 توزعت الانتهاكات بين المنع والمصادرة والاعتداء والتهديد والاحتجاز. تكشف هذه البيانات أن البيئة كانت صعبة قبل الانقلاب، ثم دخلت بعد سبتمبر 2014 مرحلة تفكيك شامل.

استولت جماعة الحوثي المدعومة من إيران، والمصنفة أمريكيًا منظمة إرهابية أجنبية، على مؤسسات الدولة الإعلامية في صنعاء، ومنها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ»، وصحيفة «الثورة»، وتلفزيون اليمن، وإذاعة صنعاء، ومؤسسات صحفية وأهلية أخرى. صودرت معدات، واستُبدل موظفون، وتعرض صحفيون للاعتقال والإخفاء والتعذيب، واضطر كثيرون إلى مغادرة صنعاء أو الخروج من البلاد. وتعرض تقرير هيومن رايتس ووتش حول الاعتداءات على الصحفيين في اليمن لجانب من الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف الصراع بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.

أنتج الانقلاب واقعًا يتجاوز انقسام الخطاب إلى الاستيلاء على الاسم والذاكرة المؤسسية. أصبح لعدد من مؤسسات الدولة موقعان ونسختان:

وكالة الأنباء اليمنية «سبأ»

المؤسسة التابعة للحكومة الشرعية: sabanew.net

النسخة التي تديرها جماعة الحوثي: saba.ye

صحيفة «الثورة»

المؤسسة التابعة للحكومة الشرعية: althawra-news.net

النسخة التي تديرها جماعة الحوثي: althawrah.ye

صحيفة «26 سبتمبر»

المؤسسة التابعة للحكومة الشرعية: 26sepnews.net

النسخة التي تديرها جماعة الحوثي: 26sep.net

تلفزيون اليمن

المؤسسة التابعة للحكومة الشرعية: نسخة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

النسخة التي تديرها جماعة الحوثي: نسخة تعمل من المؤسسة المستولى عليها في صنعاء.

إذاعة صنعاء

المؤسسة التابعة للحكومة الشرعية: أعادت الحكومة إطلاقها من الرياض في نوفمبر 2015.

النسخة التي تديرها جماعة الحوثي: نسخة تعمل من الإذاعة الأصلية في صنعاء.

يختلف الطرفان في الوضع القانوني. تمثل الحكومة المعترف بها دوليًا استمرارية الدولة، بينما تحتفظ الجماعة الحوثية بالمباني والأجهزة وأجزاء من الأرشيف والنطاقات القديمة التي استولت عليها. يؤدي استخدام الأسماء الرسمية وظيفة سياسية هدفها تقديم سلطة الأمر الواقع في صورة دولة مكتملة المؤسسات.

وشهدت مناطق الحكومة اعتداءات أخرى ينبغي تسجيلها ضمن مسؤولية السلطات عن حماية المجال الإعلامي. استولى المجلس الانتقالي الجنوبي على مؤسسة «14 أكتوبر» خلال أحداث عدن عام 2019، وتعرض مكتبا وكالة سبأ وصحيفة الثورة الحكوميان في عدن للاقتحام في يونيو 2021. تكشف هذه الوقائع استمرار هشاشة الحماية، وتضيف طبقة جديدة إلى تفكك المجال الصحفي.

أرقام الانهيار

درست نقابة الصحفيين اليمنيين والاتحاد الدولي للصحفيين ملكية 365 وسيلة إعلام. أظهرت النتائج توقف 165 وسيلة واستمرار 200، مع ظهور 137 وسيلة جديدة خلال الحرب. وكان قطاع الصحافة المطبوعة الأشد تضررًا: من أصل 132 صحيفة ومجلة كانت تعمل قبل الحرب، توقفت 119 وبقيت 13 وفق تاريخ الدراسة.

تستخدم بعض التقارير رقم 163 مؤسسة مغلقة، بينما تستخدم دراسة الملكية رقم 165. يرجع الفارق إلى نطاق الرصد وتاريخ القطع، ويجب إبقاء كل رقم منسوبًا إلى مصدره. وتشير تقارير نقابية أيضًا إلى حجب أكثر من 200 موقع إخباري.

تقدم دراسة «مصفوفة تأثير الإعلام» لعام 2024 صورة للسوق التي تشكلت أثناء الحرب. رصدت 235 وسيلة نشطة: 32 قناة فضائية، و37 إذاعة، و17 صحيفة ومجلة، و149 صحيفة رقمية أو موقعًا إخباريًا.

وتوضح دراسة «تمويل الصحافة في اليمن» أن ملكية وتمويل 118 وسيلة من أصل 149 وسيلة رقمية ترتبط بأطراف الصراع، مقابل 31 وسيلة مصنفة مستقلة. ولم تنشر أي من الوسائل التي شملها المسح بيانات مالية تتيح للجمهور معرفة مصادر التمويل.

تكشف هذه الأرقام فجوة بين التوسع العددي للمواقع واتساع الصحافة المستقلة. فقد عوضت الوسائل الجديدة جزءًا من الفراغ العددي، لكنها نشأت في سوق منقسم سياسيًا، مع تمويل يربط المؤسسة بأجندة محددة. أصبحت الرقمنة أحيانًا طريقًا أرخص للدعاية، بينما ضاقت الموارد المتاحة للتحقيق والاستقصاء والثقافة والصحافة المحلية.

وتقدم صحيفة «أخبار اليوم» مثالًا على مسار النزوح المؤسسي. تعرض مقرها في صنعاء للاستيلاء عام 2014، ثم أُحرق مكتبها في عدن واختُطف سبعة من العاملين فيه عام 2018، فانتقلت إلى مأرب. كما حُظر توزيعها في مناطق سيطرة الحوثيين والمجلس الانتقالي، قبل أن تواجه أزمة تمويل عطلت قدرتها على الاستمرار بصورة طبيعية.

الصحفيون دفعوا الكلفة

تضع دراسة الملكية الإعلامية العقود والأجور في قلب الأزمة. من بين 365 مؤسسة رُصدت، كانت 40 مؤسسة فقط توقع عقودًا مع الصحفيين، وكثير من هذه العقود لا يوفر ضمانات مهنية واجتماعية كافية. وانقطعت رواتب مئات العاملين في الإعلام الرسمي منذ 2016، فاضطر صحفيون إلى ترك المهنة أو العمل في مجالات أخرى أو الاعتماد على تمويل متقطع.

وفي مايو 2025، قالت منظمات حقوقية في بيان مشترك إن أكثر من 2600 انتهاك بحق الصحفيين والعاملين في الإعلام سُجلت خلال عقد، ونُسبت الحصة الأكبر منها إلى جماعة الحوثي.

وتختلف أرقام القتلى باختلاف منهج التوثيق. وثقت منصة «صدى» مقتل 63 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا بين يناير 2015 وديسمبر 2023، بينما تحققت لجنة حماية الصحفيين من 26 حالة منذ سبتمبر 2014 وفق معيار أكثر تشددًا لإثبات الصلة بالعمل الصحفي.

ومن أقسى الشواهد اعتقال الصحفيين عبد الخالق عمران، وأكرم الوليدي، وحارث حميد، وتوفيق المنصوري. ظلوا في سجون الحوثيين نحو ثماني سنوات، وتعرضوا للتعذيب وأحكام الإعدام، ثم أُفرج عنهم ضمن صفقة تبادل عام 2023 وغادروا اليمن. تلخص قصتهم كيف تحولت المهنة إلى تهمة، وكيف خسر الصحفي حريته وصحته ووطنه وبيته واستقراره.

الرقمنة في بلد بلا كهرباء مستقرة

تحتاج الصحافة الرقمية إلى كهرباء واتصال وأجهزة واستضافة آمنة ودفع إلكتروني. يعاني اليمن ضعف هذه العناصر مجتمعة. أدت الحرب ونقص الوقود وتضرر الشبكات إلى انقطاعات طويلة، واعتمدت مؤسسات وصحفيون على المولدات والطاقة الشمسية وباقات اتصال مرتفعة الكلفة. وأشارت تقارير دولية إلى أن اليمن من أقل بلدان الشرق الأوسط حصولًا على الكهرباء.

تخضع البنية الرقمية أيضًا للانقسام السياسي. وثقت تقارير محلية حجب المواقع، وإبطاء الاتصال، وتعطيل التطبيقات، وحذف المحتوى، والتصيد، والبرمجيات الخبيثة، واختراق الحسابات والهواتف. وأكدت أبحاث مختبر Citizen Lab استخدام تقنيات لترشيح الإنترنت على شبكة «يمن نت». لذلك أصبح العمل الرقمي مساحة للرقابة والملاحقة إلى جانب كونه بديلًا للطباعة.

قد ينخفض عدد الانتهاكات المسجلة في مناطق الحوثيين خلال بعض الفترات، غير أن الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة. غياب المؤسسات المستقلة، وخروج الصحفيين، والخوف من الإبلاغ، كلها عوامل تقلل الحالات المرصودة من دون أن تدل على انفتاح المجال العام. ويُقاس وضع حرية الصحافة أيضًا بمن بقي قادرًا على العمل، والموضوعات التي يمكن تناولها، وإمكان نشر النقد من داخل المنطقة.

وفي المقابل، حافظت الإذاعات المحلية على حضور نسبي؛ فقد ظهرت خلال الحرب عشرات المحطات، ويساعد انخفاض تكلفة الراديو وسهولة وصوله إلى المستمعين في مناطق تعاني ضعف الإنترنت على تفسير ذلك. يظل الراديو وسيطًا عمليًا في الأزمات، ويمكن دمجه مع البودكاست والمنصات ضمن استراتيجية إعلامية حديثة.

ما الذي تحتاجه الصحافة اليمنية؟

تحتاج استعادة الصحافة إلى سياسة تتعامل مع المؤسسة والصحفي والبنية التحتية معًا. تبدأ الأولوية باستعادة المؤسسات العامة وأرشيفاتها وأصولها، وتثبيت هويتها القانونية والرقمية، وبناء أرشيف وطني موزع وآمن يحمي الذاكرة من الضياع أو التلاعب.

وتحتاج الحكومة إلى ضمان انتظام رواتب العاملين في المؤسسات الرسمية، وإصلاح إدارتها، وحمايتها من نفوذ الأطراف المسلحة، وتوفير قانون يضمن الوصول إلى المعلومات واستقلال التحرير. كما تحتاج المؤسسات الأهلية إلى الإفصاح عن الملكية والتمويل، ووضع قواعد تفصل الإعلان والدعم السياسي عن القرار التحريري.

أما المؤسسات الصغيرة، فتحتاج إلى نماذج دخل متنوعة: العضوية، والاشتراكات، والخدمات البحثية، والتدريب، والمنح المعلنة، والشراكات. ويحسن بناء منصات خفيفة تعمل مع الاتصال الضعيف، وتوفير نسخ نصية وصوتية قابلة للتنزيل، وتدريب الصحفيين على الأمن الرقمي والتحقق من الصور والفيديو واستخدام الذكاء الاصطناعي ضمن قواعد واضحة.

وتستطيع الصحافة الثقافية أداء دور حاسم. فالثقافة تمنح الخبر سياقه التاريخي والاجتماعي، وتحمي الذاكرة، وتربط تحولات التكنولوجيا بأسئلة الهوية واللغة والمعرفة. تحتاج اليمن إلى صحافة توثق ما جرى للمؤسسات والعاملين فيها، وتعيد جمع الأرشيف، وتفتح مساحة للفكر والفنون والكتاب والنقد، وتقاوم اختزال البلاد في نشرات الحرب.

الصحافة بعد الورق

يتجاوز مستقبل الصحافة مسألة بقاء الورق. بعض الطبعات ستستمر لقيمتها المحلية أو الثقافية أو لوجود سوق اشتراك قادر على تمويلها، وستتحول طبعات أخرى إلى أسبوعية أو موسمية، وستغادر مؤسسات كثيرة المطبعة نهائيًا. المعيار الحاسم هو قدرة المؤسسة على إنتاج معرفة موثوقة، والوصول إلى الجمهور، وتمويل غرفتها الإخبارية، وحفظ أرشيفها واستقلالها.

في اليمن، يتطلب الحديث عن المستقبل الاعتراف بأن الصحافة تعرضت لاقتلاع مؤسسي منذ 2014. غادرت صحف المطبعة لأن مقارها أُغلقت أو استولي عليها، ولأن صحفييها طوردوا أو نزحوا، ولأن الرواتب والإعلان والتوزيع انهارت. جاءت الشاشة كمساحة نجاة، لكنها حملت معها رقابة الشبكات وهشاشة التمويل وسلطة الممول والمنصة.

الصحافة التي تستطيع تجاوز هذه المرحلة ستجمع تقاليد التحقق والتحرير والأرشفة مع أدوات العصر الرقمي. وسيبقى الفارق بين المؤسسة الصحفية وفوضى المحتوى قائمًا على المسؤولية: اسم معروف، ومصدر ظاهر، ومنهج تحقق، وتصحيح معلن، ومحرر بشري يتحمل قرار النشر. هذه القواعد هي أساس الثقة، على الورق وعلى الشاشة وفي زمن الذكاء الاصطناعي.

مقالات قد تهمك