26سبتمبر و14أكتوبر
الدكتور عبدالعزيز المقالح
يومان مجيدان في تاريخ هذا الشعب وفي تاريخ الجزيرة العربية، منذ خرجت الجماهير اليمنية من الكهوف المعزولة ووضعت أقدامها الأولى على عتبة عصر جديد. كما كانا إيذانًا بتحرير واستقلال الأشقاء في عُمان والإمارات والبحرين وقطر، فقد كان من المستحيل على الاحتلال أن يبقى في هذه الأجزاء بعد أن فقد وجوده في البوابة الكبرى، عدن.
ولكي لا ننسى، ونحن نرصد هذه المكاسب التاريخية، نشير إلى أن بريطانيا وغيرها من الدول المعادية للثورة اليمنية قد أعاقت مسيرتها، وأدخلتها في دوامة من الصراعات الداخلية والحدودية. كما عملت على استنزاف القدرات المحدودة، ووضعت أمام الثورة سلسلة من المشكلات التي لم تكن في الحسبان. كانت هذه المشكلات سببًا في أن بعض مبادئ الثورة خضعت للتأجيل والتسويف، حتى ظن بعض الثوار أنفسهم أن المبادئ الستة لن تتحقق، في حين وجد البعض الآخر في التأجيل مدعاة لديمومة الثورة واستمرارها.
والإشارة الأخيرة بالغة الأهمية، لأن الثورات إذا ما ركدت وتوهم أبناؤها أنهم قد حققوا كل شيء، فإنها سرعان ما تذبل وتفقد منطق التغيير والتثوير الدائم، وتصبح جزءًا من تاريخ الماضي لا من تاريخ الحاضر والمستقبل. ومن حسن الحظ أن الثورة اليمنية كانت وما تزال في حالة حضور دائم، لأن مهامها لم تستكمل بعد. ولذلك فقد شهدت عبر العقود الماضية تحولات ثورية، كان آخرها ثورة الشباب في 11 فبراير 2011، التي لم تكن في حقيقة الأمر سوى إحياء لروح الثورة الأم، وتذكيرًا بأهدافها التي لم تتحقق، كالعدالة الاجتماعية ورفع مستوى الشعب اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. فضلًا عن أن الثورة، وهي المؤسسة للنظام الجمهوري، قد شهدت تحايلاً، ولا أقول تجاوزًا، في تطبيق مفهوم الجمهورية من خلال السماح ببقاء الحاكم الجمهوري أطول فترة ممكنة، وهو الواقع الذي خلق حالة من الركود السياسي والاسترخاء في إدارة الدولة، وفتح الشهية للانقلابات والمعارضات العشوائية.
يضاف إلى ذلك ضعف الانتماء إلى الثورة، وهو ما يذكرني بحديث لا يُنسى استمعت إليه من الشاعر الفرنسي "جورج سترو"، وقد كان واحدًا من شعراء فرنسا الكبار الذين شاركوا في "ملتقى الشعر العربي الفرنسي" الذي انعقد في صنعاء قبل ربع قرن تقريبًا. ومما جاء في ذلك الحديث الذي لا يُنسى، إشارة الشاعر الكبير إلى أنه تلميذ للثورة الفرنسية التي كان قد مضى على قيامها أكثر من قرنين، لكنها ما تزال بأهدافها - كما قال - مرجعًا وأداة لتصحيح كل انحراف.
أين نحن من هذا الشعور الجامع والدافع للتواصل والاتساق الدائم بين الأمس واليوم؟ هكذا هي الشعوب الحية، وهكذا هم أبناؤها الذين لا يتنكرون للتضحيات، ولا يخونون تاريخهم أو يعملون على زعزعة ثقة الأجيال في المعالم الرئيسية لهذا التاريخ. وما يتسبب عن ذلك من إحباط وشعور بالاغتراب.
تأملات شعرية:
كل شيء فراغٌ هنا...
وفراغٌ هناك.
ولم يبقَ في ليل هذا الفراغ
سوى صور الشهداء
وهم يكتبون بماء النجوم
قصائد ثورتهم
وملاحم أحلامها الناصعة.
كنت في القاع يا وطني
وارتفعت
وها أنت في القاع
تنشد أحلام ثورتك الرافعة.