إعادة ترميم وبناء الذات اليمنية 1-2
فيصل علي
“عندما تقف بعوضة على خصيتيك، حينها فقط ستدرك أن هناك طريقة لحل المشكلة دون عنف” كونفوشيوس
عدت من ساحل (بورت ديكسون) صافي الذهن، ويبدو أني تخلصت من مخلفات الطاقة السلبية والشوائب العالقة خلال عام 2019 ، خمسة أشخاص كنا، لكل واحد عالمه الخاص ، فقط بيننا أرضية مشتركة كما قال أحمد، السمة التي تميزت بها “الصحبجية” أو ملتقى الصحبة هذة هي الاختلاف الكلي في الأفكار والهموم والمشكلات كما قال حسام، أن تضحك بلا حدود، وأن تتحدث بلا قيود، وأن تتنفس بلا موانع فأنت تتخلص من الشوائب، ولا يمكن لأي طاقة سلبية أن تفرض نفسها عليك، في نهاية سنة قديمة وبداية سنة جديدة، فكل واحد يريد أن يتخفف من الماضي ليقبل على المستقبل بشفافية ووضوح.
بمجرد العودة كانت كوالالمبور عاصمة الضجيج الأبدي تركض في كل إتجاه، يُخيل إليَّ بمخاطبتها “قرّي يا جنية خلينا نهجع” لكن هيهات منها إلا الضجيج، في شقها الأكبر احتفالات رأس السنة وتخفيضات وتسوق مهول في كل إتجاه وشارع ومول، العالم يعيش اللحظة، بينما في شقها اليمني البالغ في الصغر كان هناك ضجيج من نوع أخر لا تسوق ولا تسويق ولا مال ولا احتفال بل هموم ومشاكل و”صره عره” بلا انقطاع، تم في نفس يوم عودتي إلى كوالالمبور حدثان مهمان في حياة المجتمع اليمني المقيم هنا، الأول تدشين “الملتقى الثقافي اليمني – ماليزيا” والثاني احتجاج على الملتقى، انتهى بخلاصة تكوين “ملتقى أبناء اليمن في ماليزيا”.
تأخرتُ عن حضور التدشين الأول بسبب السفر نحو البحر، وحضرت التكوين الثاني استجابة لزملاء أعزهم دعوني للحضور، لا يمكن أن أتأخر عن دعوة أي ملتقى أو تجمع يمني بحسب الاستطاعة، لأن هذا ببساطة أهم واجب لليمني الذي يضع قضية أمته في المقدمة القصوى. وهنا أبارك للأصدقاء في كلا الملتقيين وأتمنى لهما التوفيق.
لماذا نحتاج إلى إعادة تشكيل مجتمعنا اليمني في الخارج؟
بسقوط الدولة سقطت المؤسسات بفعل انقلاب الهاشمية السياسية والذي كان ومازال انقلاباً على الهوية والتاريخ والثقافة والأمة اليمنية ولم يكن مجرد انقلاب ضد سلطة معينة، لم يصمت شعبنا فكانت المقاومة، والمقاومة ليست مجرد بندقية أو مدفعية، المقاومة ثقافة وسلوك وتعليم وعمل منظم بلا انقطاع، لم تستطع الشرعية للأسف أن تجمع مكونات الشعب حولها فقد ذهب الانتهازيون فيها للسباق على مخصصات الرياض وأبو ظبي وتناسوا الشعب، للأسف الأحزاب وهي المكون الرئيس في الشرعية تخلت عن جماهيرها ونُخبها في الداخل والخارج، ولست هنا بصدد الشرح لهذه الجزئية لكني عرجتُ عليها للتوضيح.
ما يهمني قوله هو ضرورة استمرار المقاومة للانقلابات في صنعاء وعدن ومقاومة للفساد والانتهازية ومقاومة لكل من يريد تمزيق اليمن وإعادة تشكيلها بحسب مصالحه ومصالح أسياده، وهذا هو سر معارضتي وغيري للشرعية معارضة أداء لا معارضة وجود، بينما معارضتي ومقاومتي للانقلابات ومشاريع تمزيق اليمن مسألة وجود لا تراجع عنه إلا في تخلي تلك القوى عن معادة الجمهورية اليمنية وترك العبث بأمن وحياة شعبنا وهويتنا الثقافية والسياسية وعدم المساس بسيادة دولتنا واستقلالها.
نحن بحاجة إلى رص صفوفنا وإعادة تشكيل الصفوة منا لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالانقلاب والمخاطر التي ذكرتها أعلاه ومنها ما يتعلق بضرورة تغيير أفكارنا وسلوكياتنا كمهاجرين ومشردين بفعل الانقلاب والحرب، هل نستسلم للأمر الواقع؟ بالطبع لا، لابد من مواجهة الظروف التي أثرت على كل اليمنيين في الداخل والخارج، لدينا همومنا ومشكلاتنا وواقعنا الجديد وهذا يُوجب الكثير من العمل المركز المتجرد .
منذ عام 2011 وأنا وفريقي ندعو الشباب هنا في ماليزيا إلى شيئين إما تكوين منظمات وكيانات جديدة أو الانضمام للأحزاب السياسية الموجودة، أقمنا ندوة في جامعة ( UTM) في (جهور بارو ) يتذكرها الأصدقاء الدكتور فيصل الصامت والدكتور خالد شداد والدكتور طارق جابر والعشرات غيرهم، ونفس الندوة اقمناها في جامعة (APU) في كوالالمبور كل هذا كان عقب الثورة في 11 فبراير مباشرة، وبررناها – حين ذاك – حتى لا يشعر الشباب فيما بعد أن الثورة انسرقت منهم وأنه تم اقصائهم، هكذا فكرنا يومها محبة فيهم جميعاً، ويعلم الجميع أننا لم ندعوهم لحزب بعينه أو منظمة بذاتها ، فهذا – جوهرياً – لا يصح، وليكن الباب مفتوحاً أمام الجميع.
استمرت الفكرة والدعوة إلى إعادة تشكيل المجتمع اليمني هنا عقب الحرب، وفي هذا العام المنصرم كتبتُ عن هذه الفكرة بكل وضوح وهي منشورة في المواقع وفي حسابي وصفحتي على الفيسبوك، تطورت الفكرة وتطورت المخاوف، لا نريد اليوم أن يسيطر على الشباب لا حزب ولا جماعة ولا شرعية ولا انقلاب فمن تخلوا عنكم وعن مستقبلكم لا مكان لهم بينكم بديهياً، ولذا نُصرّ على ضرورة خلق مكونات ثقافية وأدبية وعلمية وأكاديمية وجمعيات زمالة وصداقة ومنظمات تضم فيها نُخبنا هنا في ماليزيا وفي دول المهجر؛ من الهند حتى السعودية وتركيا والقاهرة وألمانيا وبريطانيا وهولندا والسويد وسويسرا وكوريا الجنوبية وأمريكا وكندا.
أيها اليمنيون أينما كنتم أعيدوا تشكيل وتكوين أنفسكم في ملتقيات ومنتديات ومكونات تعبر عنكم في إطار اليمن الكبير الواحد، هذه فرصة لمقاومة الانقلاب والمشاريع القروية الضيقة ومشاريع تقسيم الجمهورية اليمنية، لا تنخدعوا بالمسميات الجديدة كالفيدرالية والاتحادية فمازالت مجرد أمنيات وحبر على ورق، تمسكوا بما هو موجود وماهو معترف به دولياً، لا تركنوا على الشرعية التي تصمت اليوم عن رفع انقلاب الإمارات في عدن أعلام ومسميات غير يمنية وتقوم بتشكيل جاليات قروية في العديد من الدول، لا خارجية احتجت ولا سفارات تحدثت عن رفع أعلام غير يمنية في تلك التجمعات ( تجمعات الدفع المسبق )، دعوني أقول لكم لقد تم مصادرة الخارجية ومعظم السفارات لصالح المشاريع الجهوية والقروية، و لأصارحكم أكثر أؤكد لكم بأنكم في المهجر أنتم أصحاب القضية اليمنية، وأصحاب اليمن الكبير لستم تعزيين ولا حضارم ولا صناعنة ولا مأربة ولا بياضنة ولا جوفيين ولا مهريين ولا صعداويين، أنتم في المهجر كلكم يمنيين أو كما أحب أن أقول (يمنيون لا قرويون) (يمنيون لا شماليون ولا جنوبيون) (يمنيون لا طائفيون)( يمنيون لا زيود ولا شوافع).
لماذا هذه الدعوة؟
لكي تحفظوا هويتكم اليمنية الأصيلة لتثبتوا لأنفسكم وللعالم أنكم شعب وحضارة وثقافة وأمة يمنية قائمة بذاتها الفريدة، ولستم بدعة بين الأمم، هذه هي المقاومة في الخارج، ومن خلال مكوناتكم وملتقياتكم ونواديكم اليمنية ستفكرون بالحلول لبلدكم وستساعدون شعبكم، لا نريد أن تتحولوا إلى سياسيين كلكم، و لا أن يثقل عليكم الأمر ففي كفاح البقاء ثقل كفاية يعز علينا مضاعفته عليكم، فقط نتمنى أن تتنفسوا اليمن وهواء اليمن أينما كنتم، أينما يوجد المواطن الصادق يصبح الوطن حياً حاضراً.
من خلال الملتقيات الثقافية والفنية والعلمية والأدبية والاجتماعية والتجارية ستعبرون عن قضيتكم من خلال تفوق طلابكم في المدارس والجامعات ومن خلال فوز فرقكم في الأندية الرياضية، ومن خلال فن اليمن والتغني بها في كل قصيدة وأغنية وكل حرف وكل كلمة.