الحاكمية في فكر أبي الأعلى المودودي

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
عن الحاكمية في فكر أبي الأعلى المودودي مجيب الحميدي تطرقنا في مقال سابق لمفهوم الحاكمية الفاشي والثيوقراطي في المدراس الراديكالية والثيوقراطية الإسلامية كما تبدت في بعض تيارات الخوارج والشيعة....

عن الحاكمية في فكر أبي الأعلى المودودي

مجيب الحميدي

 

تطرقنا في مقال سابق لمفهوم الحاكمية الفاشي والثيوقراطي في المدراس الراديكالية والثيوقراطية الإسلامية كما تبدت في بعض تيارات الخوارج والشيعة. و نخصص هذه المساحة للحديث عن مفهوم الحاكمية في فكر أبي الأعلى المودودي، وهو مفهوم يتعرض للتحوير والتحريف وإساءة الفهم من طلاب المودودي وخصومه في وقت واحد، فالمودودي في كتابه منهاج الانقلاب الإسلامي يؤكد أن الحكومة لا توجد بالطرق المتصنعة، ولكنها تنشأ في المجتمع نشوءاً طبيعياً لأسباب عمرانية وتاريخية ونفسية ومناخية وتتفاعل هذه الأسباب فيما بينها فتكون لها أمور أولية لازمة ومحركات اجتماعية ومقتضيات فطرية تتجمع وتتقوى حتى تنبعث منها الحكومة انبعاثاً، وتتولد فيها الحكومة من تفاعل هذه الأسباب، ويؤكد المودودي أن النتيجة في علم المنطق تابعة للقضايا وترتيبها، وأن المركب الكيماوي في الكيمياء يتكون من تجانس مجموع أجزائه والحكومة الناتجة عن تولد هذه الأسباب تكون كالشجرة التي جذورها في أعماق الأرض وثمارها فوق الأرض.

و مع وعي المودودي بهذه الأبعاد الاجتماعية لنشأة الدولة فقد قدّم مفهوماً ملتبساً لمصطلح الحاكمية الإلهية والخلافة. فهو يرى أن الحكم لله وليس للشعب أو لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو هيئة من العلماء. فما الذي يقصده المودودي؟ وهل تلغي هذه الحاكمية الإلهية أصل المشروعية الشعبية للسلطة؟ وكيف سيمارس الله الحاكمية إذا كانت السلطة ليست للشعب وليست هئية كهنوتية من علماء الدين أيضاً ولا لفرد أو عائلة مقدسة ولا لطبقة اجتماعية دون طبقة؟.

للإجابة على هذا السؤال يقدّم لنا المودودي مصطلح خلافة الإنسان لله في الأرض لممارسة دور الله في تحقيق الحاكمية، ومفهوم الخلافة هو نفسه مفهوم ملتبس، فالإنسان لا يكون خليفة إلا لإنسان قد مات أو غائب ولهذا عندما قيل لأبي بكر يا خليفة الله قال بل أنا خليفة رسول الله، ولهذا جعل الله البشر خلائف في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، فهم خلفاء لأناس قبلهم ومن قلبهم خلفاء لكائنات كانت قبلهم لا خلفاء لله فالله لم يمت وليس بغائب.

وبناء على مفهوم الموودي للاستخلاف فهو يؤكد بوضوح أن المشروعية السياسية للسلطة في بلاد المسلمين مشروعية شعبية تُستمد من الشعب المستخلف، وبناء على ذلك فلا مشكلة عند المودودي إذا قلنا أن الشعب هو مصدر شرعية السلطة فالمهم عنده هو أن نضيف إلى الشعب صفة المُستَخْلف فالسلطة في بلاد المسلمين هي للشعب المستخلف والسيادة لله.

ولهذا يقول في معرض نقده للديمقراطية ” “إننا نعارض سيادة فرد أو أفراد أو طبقة سيادة مطلقة تستأثر بالسلطة أكثر من معارضة المتحمسين للديمقراطية الغربية، ونؤكد المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص أكثر من تأكيد أنصارها. ونحارب كل نظام يكبت الحريات فلا يبيح حرية التعبير أو التجمع أو العمل أو يضع العراقيل في سبيل بعض الأفراد لاختلافهم في الجنس أو الطبقة أو أصل الولادة بينما يعطي الآخرين حقوقاً وامتيازات خاصة.

فإذا كانت الديمقراطية الغربية تعتبر هذه الأمور جوهرها وروحها فإنه لا خلاف بينها وبين ديمقراطيتنا الإسلامية” أبو الأعلى المودودي”. ( ص 23 من كتاب الإسلام والمدنية) وفي شرحه لمبدأ سيادة الإله يقول “لا يصح إزاء هذه الحقيقة الناصعة إلا أن نؤمن بحاكمية الاله تعالى، ونقيم نظام حكمنا على فكرة الاستخلاف أو النيابة، وهي نيابة ديمقراطية في جوهرها وروحها، يتم فيها انتخاب الخليفة أو الرئيس أو الأمير وفق رأي الجماهير وبإرادتهم الحرة كما يتم فيها انتخاب أهل الحل والعقد والشورى كذلك، وهم الذين لهم الحق المطلق في نقد تصرفات الحكام ومحاسبتهم.” (ص 23 مبدأ سيادة الإله) ويبدي المودودي تحفظه على مصطلحي الديمقراطية والثيوقراطية فالديمقراطية من وجهة نظره منحت الشعب حق التشريع، والثيوقراطية جعلت السلطة السياسية بيد حفنة من الكهنوتيين و السدنة والمشايخ وليست بيد الشعب ولهذا يقترح استخدام مصطلح “الديمقراطية الثيوقراطية” في وصف الدولة الإسلامية فمشروعية السلطة وعزلها ومراقبتها بيد الشعب والمرجعية في الأحكام القطعية هي مرجعية نصوص لا مرجعية أشخاص. وفي المسائل الخلافية التي لا يوجد فيها حكم قطعي مرجعية العلماء مرجعية تفسيرية و لا يحق فيها لحفنة من الكهنوتيين فرض أراءهم فيها على الشعب بدون إجماع المسلمين، ومفهوم المودودي للحاكمية لا يشمل المساحة الواسعة المتاحة للناس مما لم يرد فيه نص يقول المودودي ” أما ما لم يرد فيه نص شرعي – وهو المجال الأوسع – فلأهل الحل والعقد أن يجتهدوا في سن الأنظمة التي تحقق مصلحة الأمة بالمشورة المتبادلة” ص 25.

وهنا يأتي السؤال عن موقع غير المسلمين وغير المؤمنين بنظام الدولة الإسلامية في دولة الحاكمية والديمقراطية الإسلامية، يؤكد المودودي أن دولة الديمقراطية الإسلامية تحترم حقوق وحريات هؤلاء يقول: “والأفراد الذين لا يرضون عن هذه المبادئ ولا يستعدون لقبولها لسبب ما لا ينبغي إبادتهم، أو الضغط عليهم بوجه من الوجوه، بل يحتفظ هذا النظام بكيانهم تحت مبدأ الصيانة”Protection” ويعطي لهم الحرية في ممارسة حقوقهم المقررة، وتُهيء لهم الفرصة المواتية ليكونوا أعضاء موجهين يشاركون سائر المواطنين في الحقوق على قدم المساواة بمحض رغبتهم وإرادتهم الحرة وقناعتهم بصحة المبادئ التي يقوم عليها هذا النظام. ص 21

ونخلص مما سبق أن مفهوم الحاكمية في فكر المودودي لا يصادر حق الشعب في دولة نفوذ المسلمين -حسب تعبيره- من اختيار من يحكمه، بل يؤكد على هذا الحق ويعتبر استيلاء فرد أو طبقة أو حزب على هذا الحق بدون مشروعية شعبية استيلاءً باطلاً. ومفهوم الحاكمية في فكر المودودي لا يمنح علماء الدين أي سلطة كهنوتية على السلطة السياسية فالسلطة السياسية يختارها الشعب ويراقبها الشعب، ومفهوم الحاكمية عند المودودي لا يمنع الأمة من اقتراح التشريعات فيما لا نص فيه، ومن هنا يتضح الفرق بين مفهوم المودودي للحاكمية والثيقوقراطية ومفهوم حاكمية الخوارج ونظرية الحكم الإلهي الشيعية.

وبالعودة إلى السياق الذي تبلورت فيها أفكار المودودي نجد أنها كانت في فترة خضوع المسلمين في الهند لحكم غير إسلامي قبل ظهور باكستان وأنه كان يحاول استنهاض طاقات المسلمين لرفض مصادرة حقوقهم وحرياتهم والمطالبة بحقهم في إقامة دولة تحترم ثقافتهم وحرياتهم.

وفي فترة قوة المد الشيوعي كان المودودي متأثراً بصورة أو بأخرى بالنموذجين الشيوعي والفاشي للدولة، و قد أكد ذلك بنفسه وقال صراحةً أن نموذج الدولة الإسلامية يشبه الحكومات الفاشية والشيوعية في إحاطته بالحياة الإنسانية وفق نظرياتها الأخلاقية وأن الحكومة الإسلامية تتفق مع الشيوعية في عدم السماح لمن لا يؤمن بأيديولوجيتها بممارسة الحكم ولكنها تختلف عن الشيوعية بعد سلب غير المؤمنين حرياتهم الفردية ولا تسمح بالسيطرة الدكتاتورية والزعامة المطلقة ولا تتسلط مثل الشيوعية على المخالفين بسلب أموالهم وتعذيبهم ولا تأتي بمئات الآلاف من الناس فترمي بهم في سيبيريا إلى أخر كلامه. و نتمنى في فرصة قادمة تقديم مقاربة نقدية لهذه الرؤية المودودية ومقارنتها بمفهوم الحاكمية في فكر سيد قطب.

 

إقرأ للكاتب أيضاً

عن المفهوم الفاشي للحاكمية في مدرسة الراديكالية الإسلامية

الأديان والعنف.. أية علاقة؟

مقالات قد تهمك

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ أسبوع
علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ 4 أسابيع
حرب النبوءات بدوافع الاستحواذ والنفوذ
آراء

حرب النبوءات بدوافع الاستحواذ والنفوذ

في هذا العمود الصحفي يقرأ الدكتور بكر الظبياني مشهد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران وميليشياتها من جهة أخرى بوصفه صراعًا يتجاوز الشعارات الدينية إلى حسابات النفوذ والجغرافيا السياسية. يوضح أن استدعاء النبوءات والرموز العقائدية يُستخدم أداةً للتعبئة وإضفاء الشرعية على المواجهة، فيما يكمن جوهر الصراع في السيطرة على الطاقة والممرات الاستراتيجية. ويرصد انعكاسات التوترات على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، مشيرًا إلى أن كلفة الحروب تتحملها الشعوب، بينما تجني بعض القوى الدولية مكاسب غير مباشرة من استمرارها.

منذ شهر