في قصيدته «بلقيس» التي كتبها عام 1981 سأل نزار قباني: «أَيْنَ السَّمَوْأَلُ؟ وَالمُهَلْهَلُ؟ وَالغطاريفُ الأَوَائِلْ؟» وهو سؤال لا ينتظر جوابًا؛ استفهامٌ بلاغي غرضه الاستنكار والتعجب والتحسر. يستنكر الشاعر غياب الأخلاق والرموز، ويتحسر على تحول شنيع أصاب الأمة: كيف انتقلت من أمة «الغطاريف»، وهم السادة الكرام الأخيار حملة الوفاء والشجاعة، إلى أمة بلا قيم ولا رموز.
وأعترف أني حين قرأت القصيدة أول مرة كنت أعرف المهلهل من سيرته، ولم أعرف من هو السموأل. فلما طالعتُ سيرته وقرأتُ شعره، وقعت عيني على لاميته الشهيرة التي قالها في القرن السادس الميلادي، وأعجب ما فيها هذا البيت: «إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ / قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ». وجاء عجبي من حسن صنعته وبلاغته وصوره، ومن التناص بينه وبين قصيدة الفضول الغنائية «هذه يومي»، وخاصة في قوله: «كلما ولّى عن الساحات فيكِ عظيمٌ، شهدتِ منّا عظيمًا»، ثم «خلفه نمضي.. ولا خلف لنا / ما مضى فينا أمينًا مستقيمًا»، وفي بيت آخر منها: «كلما فادٍ مضى صافحنا / شرفُ الأرض فخورًا بالفداءِ».
هذه الأبيات بنيةٌ واحدة: «إذا سيّدٌ منّا خلا» تصير عند الفضول «كلما ولّى عظيمٌ... شهدتِ منّا عظيمًا» و«كلما فادٍ مضى». وهذا هو التناص الذي أقصده، وفكرته أن السيّد الذي عرفه الآباء الأوّلون في وفاء اليمن القديم هو الفادي الذي يعرفه اليمنيون اليوم، وأن القيم اليمنية الأصيلة التي ربّت الأول هي التي تربّي الثاني.
رجلان من أرض الوفاء
السموأل من أبناء اليمن في روايات النسب، موحّدٌ صاحب خُلُق وقيم، أقام في حصن الأبلق بتيماء، وأبى أن يخون أمانةً استودعها عنده امرؤ القيس ولو قُتل ابنه. فصار «أوفى من السموأل» أشهر ما قالته العرب في الوفاء، وصارت لاميته سجلَّ مكارم الرجال.
وعبد الله عبد الوهاب نعمان «الفضول» وُلد في مطلع القرن العشرين في ذبحان بتعز، وجمع بين الشعر والصحافة والعمل الوطني. أصدر صحيفة «الفضول» في عدن فلزمه اسمها، وكتب كلمات النشيد الوطني، وحمل صوتُ أيوب طارش قصائده إلى كل بيت يمني. وهو ممن شكّلوا وجدان اليمنيين بالنشيد الوطني وبأغانٍ وطنية ووجدانية تجسّد روح الوطن: الأرض والإنسان والجمهورية.
قصيدتان، صوتان
لامية السموأل من عيون الشعر العربي القديم، على بحر الطويل وقافية اللام المضمومة من أولها إلى آخرها. كل بيت فيها قائم بنفسه، وصوتها صوت الجماعة: «لنا» و«وإنا» و«نحن». تردّ على من عيّرها بقلة العدد، وتسوق البرهان: جارٌ عزيز، وجبلٌ منيع، ونارٌ لا تُخمد دون طارق.
و«هذه يومي» قصيدة وطنية غنائية، كُتبت لتُغنّى. تتبدل قوافي مقاطعها، وتتردد فيها لوازم يمسكها اللحن: «الجدودا الجدودا»، «القيودا القيودا القيود». يبدأ صوتها فرديًّا، «يوم عطائي»، «تربتي»، ثم يتسع إلى «زدنا» و«سنعطيها»، فيحمل السامع ضمير المتكلم وينطق به. فاللامية تحتج لقيمة عريقة، و«هذه يومي» تُحيي العهد في صدور الناس. ومن لقاء هذين الجنسين ينشأ التناص الذي نتتبعه.
بيت السموأل في مرآة الفضول
التناص أن يحمل نصٌّ لاحق صدى نصٍّ سابق، فتسمع في الجديد نبرة القديم وقد لبست ثوبًا آخر. وهو لا يشترط أن ينقل الشاعر اللفظ أو يصرّح بمصدره، لكنه هنا يكاد يبلغ اللفظ نفسه. فبيت السموأل: «إذا سيّدٌ منّا خلا قامَ سيّدٌ / قؤولٌ لما قالَ الكرامُ فعولُ» يقابله عند الفضول: «كلما ولّى عن الساحات فيكِ عظيمٌ، شهدتِ منّا عظيمًا». فأداة «إذا» تقابلها «كلما»، وكلتاهما أداة شرط تجعل ما بعدها سنّةً تتكرر. و«خلا» تقابلها «ولّى»، فعلان ماضيان يعلنان الغياب؛ الأول يُقال للمكان حين يفرغ، والثاني للراحل حين يُدبر. و«سيّد» تقابلها «عظيم»، الصفة الجليلة نفسها والمقام نفسه. ويجمع بين البيتين لفظ «منّا» بعينه في الموضعين، وهو الخيط الأمتن في التناص: الراحل منّا، والخلف منّا.
ثم يأتي الخلف: «قام سيّدٌ» عند السموأل تقابلها «شهدتِ منّا عظيمًا» عند الفضول، ثم «خلفه نمضي»، فيمضي العظيم ويأتي عظيم بعده، ويسير الباقون على أثر من مضى. وفي الصفة كان السيّد عند السموأل «قؤولًا فعولًا» يوافق قولُه أقوالَ الكرام، وصار العظيم عند الفضول «أمينًا مستقيمًا»، ولفظ «أمين» يحمل في الذاكرة العربية اسم السموأل نفسه، رمزَ الأمانة الأول. فالفضول في ختام قصيدته يعيد جملة السموأل بألفاظ تكاد تكون مرادفاتها، كأنه يصل بيته ببيت القدماء ويقول: ما قالته اللامية عن السادة أقوله عن الفادين.
حين تشهد الأرض
غير أن الفضول يغيّر الفاعل. عند السموأل رجلٌ يقوم في موضع رجل: سلسلةٌ بين الرجال. وعند الفضول الأرض هي التي «شهدتِ»، والخطاب موجّه إليها بضمير المؤنث «فيكِ» و«شهدتِ». وفعل «شهد» من أصل الشهادة التي يخرج منها «الشهيد»، فالأرض شاهدة على أبنائها، وهم شهداؤها.
وفي البيت الآخر يبلغ المعنى مداه: «كلما فادٍ مضى صافحنا / شرفُ الأرض فخورًا بالفداءِ». ينقل «صافحنا» السلسلة من الرجال إلى الأرض ومنها إلى الأحياء. الفادي يمضي، ويمدّ الوطن يده إلى من بقي: اعترافٌ وشكرٌ وتجديدٌ للعهد. وتجعل «كلما» هذه المصافحة تتجدد مع كل فقد، فكأن الأرض لا تنسى اسمًا، ولا تدع شهيدًا يمضي دون يد تمتد إلى أهله. ثم يأتي الجواب الذي يليق بمصافحة كهذه: «وسنعطيها ولن تبهضَنا / أبدًا فيها تكاليفُ البقاءِ». الفادي مضى، والباقون يعرفون ثمن البقاء ويعلنون أنهم حاملوه، فتصير المصافحة عهدًا، ويصير الحداد تعهدًا.
أصداء أخرى تؤكد القرابة
وتتلاقى القصيدتان في مواضع أخرى، كلها تدور على سؤال واحد: من أين يأتي الكرام؟ تعلّل اللامية صفاءها بالأصل الطيب فتقول: «صفَونا فلم نكدُر وأخلصَ سِرَّنا / إناثٌ أطابت حملَنا وفحولُ»، وتقول «هذه يومي»: «أرضنا بوركتِ من ولّادةٍ / لم يعش في عمركِ الخير عقيمًا». المنبع في الموضعين رحمٌ تُنجب الكرام: عند السموأل بيتٌ طيّب أنجب رجاله، وعند الفضول أرضٌ ولّادة لم يعش في عمرها الخير عقيمًا. فالكرام يأتون من منبتٍ يربّيهم، وقد اتسع هذا المنبت من بيت الجماعة إلى الوطن كله، وبقيت القيمة التي ربّت أبناءه واحدة.
وفي الدم الذي يرفع الشرف يقول السموأل: «وما ماتَ منّا سيّدٌ حتفَ أنفِه / ولا طُلَّ منّا حيثُ كان قتيلُ»، ويقول: «تسيلُ على حدِّ الظُّبات نفوسُنا / وليست على غيرِ الظُّبات تسيلُ». وهنا نقف لنسمع ما في البيتين. كان العرب يقولون عمّن مات على فراشه: مات حتف أنفه، أي موتةً عادية بلا قتال، وكانوا يرونها نقصًا في الفارس، فيعلن السموأل أن ساداته لا يموتون هذه الميتة. ثم يضيف: «ولا طُلَّ منّا حيث كان قتيل»، والطلّ أن يذهب الدم هدرًا، فكل قتيل منّا يُؤخذ بحقه ولا يضيع دمه سدى. أما البيت الثاني فصورته ناطقة: الظُّبات حدود السيوف، والنفوس تسيل كما يسيل الماء، وتجري على حدّ السيف حيث الشرف. وهذا هو الرجل الذي سمّاه السموأل سيّدًا: من يمضي في سبيل ما يؤمن به، فلا يُنسى ولا يُهدر دمه. ويقول الفضول: «ويدي من شهدائي ودمي / كنزتُ فيها ثرائي ورصيدي». في الموضعين دمٌ يُراق فيرفع صاحبه، لكنه عند السموأل فخر القبيلة، وعند الفضول «كنزٌ ورصيد» للوطن لا يُنفق ولا يضيع.
وفي العزة التي تُحمل يقول السموأل: «وما ضرّنا أنّا قليلٌ وجارُنا / عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ»، فعزّة الجماعة تُقاس بمن تحميهم، ويقول الفضول: «عزُّ أرضي كلُّه فيّا أنا / فهوانٌ كلُّه إن هان بعضي»، فالفرد يحمل عزّ الوطن كله في نفسه. وفي الجود الذي لا يعرف البخل يقول السموأل: «فنحن كماءِ المُزنِ ما في نصابنا / كهامٌ ولا فينا يُعدُّ بخيلُ»، ويقول الفضول: «وأتى من جودها بذلي وجودي»، جودٌ يخرج من الأرض نفسها.
من هو السيّد؟
السيّد في اللامية يستحق مقامه بالقول والفعل: «قؤولٌ لما قال الكرام فعولُ». هو «الغطريف» الذي سأل عنه نزار حين قال: «والغطاريف الأوائل»، وهو من يقف للطارق فلا تُخمد دونه نار، ويؤوي جاره فيعزّ الجار، وتسيل نفسه على حدّ السيف. فحصن الأبلق مأوى لمن استجار به. ومن لم يبذل ولم يقف ولم يفتدِ لم يكن سيّدًا عند السموأل، ولو سُمّي بأعلى الأسماء.
وهذا السيّد الذي «ما مات حتف أنفه» هو العظيم الأمين المستقيم عند الفضول، وهو «الفادي» الذي يمضي فتصافح الأرضُ الباقين وفاءً لفدائه. فالسيّد والفادي والشهيد رجلٌ واحد في ثياب العصور: ثوبِ الجماعة القديمة، وثوبِ الوطن الحديث. والشهيد في هذا المعنى سيّدٌ بالمعنى الأرفع الذي قصده السموأل.
التراب يصنع السادة
ويتجدد التناص الحي بتحوّل المعنى. وتضيء فكرة إليوت عن صلة الموهبة الفردية بالتراث هذا التحوّل في المعنى. وهذا ما فعله الفضول: أخذ بنية السموأل ووضع لها أصلًا جديدًا. فالسيّد عند السموأل ابن جماعةٍ تحرس مجدها بالحصن والسيف والجوار، والفادي عند الفضول ابن أرضٍ بأكملها: «تربتي فيها تربّت أعظمي / وأتى من جودها بذلي وجودي». اتسعت الدائرة من الجماعة إلى الوطن، وبقي الرجل هو الرجل.
وللمجد عنده صورة لا تُنسى: «واستعار المجدُ من قاماتنا / قامةً لم يُعطِه طولًا سواها». المجد نفسه محتاج، يستعير قامته من الرجال، فهم الذين يمنحونه طولًا. وقد رأى عبد القاهر الجرجاني في هذا النوع من الصور سرَّ تأثير الكلام: أن يتحول المعنى المجرد إلى هيئة تُرى. ثم يبلغ التبادل بين الإنسان والأرض ذروته: «وإذا زدنا عطاءً زادنا / طبعُها الباذلُ عشقًا للعطاءِ». نحن نعطي فتزيدنا الأرض قدرةً على العطاء. وهكذا تتسع السيادة لتشمل كل ابن لهذه الأرض بذل لها فصار سيّدها. وفي لازمته «الجدودا الجدودا» يستحضر الفضول الأسلاف ويجعل بذله امتدادًا لهم، فالفادون الجدد ورثة السادة القدماء، يحملون الأمانة ذاتها بيدٍ جديدة.
تعز: أرضٌ تلد الفادين
وهذا المعنى خرج من ذبحان بتعز، حيث نشأ الشاعر وتربّت أعظمه. وحين يقول «تربتي فيها تربّت أعظمي» فهو يكتب سيرة القرية والمدينة معًا، وسيرة كل أرض يمنية ربّت أبناءها على الكرامة.
وتعز اليوم تقرأ بيتَه بدمها، ومعها اليمن كله. مدينةٌ أنجبت أعلامًا في شتى المجالات، وهي في مقاومتها مثالٌ على كيفية مقاومة الفكر للطغيان والضلال والإرهاب والسلالة والولاية، وتقف اليوم موقف السادة القدماء: أبناؤها يقفون للطارق، ويؤوون من استجار بهم، وتسيل نفوسهم في مواضعها دفاعًا عن الدولة والجمهورية والأمة، ثم يمضون فيصافح شرفُ الأرض من بقي، فخورًا بالفداء. وكلما ولّى عن ساحاتها عظيمٌ من شهدائها، شهدت منهم عظيمًا بعده يحمل الراية ويقف على صَبِر وما يحيط بها من مرتفعات، جبلًا فوق جبل، ومضى الباقون خلفه أمينين مستقيمين. وفي كل جنازة شهيد تمرّ في شوارعها يتكرر بيت السموأل بلسان الفضول: قام سيّدٌ في موضع سيّد.
وتمتد هذه الصورة إلى اليمن كله؛ فالأرض التي قال فيها الفضول «أرضنا بوركتِ من ولّادةٍ / لم يعش في عمركِ الخير عقيمًا» هي اليمن، وكل ساحة من ساحاته وقفت للطارق وشهدت من أبنائها عظيمًا بعد عظيم.
هكذا تلتقي في ذاكرة واحدة القرونُ الثلاثة: القرنُ السادس، والقرنُ العشرون، والقرنُ الحادي والعشرون. في بيت السموأل يقوم سيّدٌ فتستمر المسؤولية، وفي بيت الفضول يصافح شرفُ الأرض من بقي فيصير الاعتراف عهدًا جديدًا، وفي تعز وسائر اليمن يتجسد المشهد. وبين القيام والمصافحة تتحدد قيمة الإنسان: بما يفعله، وبما يتركه لمن يواصلون بعده. سادة اليمن بالأمس حملوا لقب الوفاء، وفادو اليمن اليوم، في تعز وغيرها من مدن اليمن المقاومة للهمجية والسلالة والولاية، أهل الأرض وأصحابها وشهداؤها، يحملونه. والأرض التي أنجبتنا تمنح فعلنا معنى، ونحن نمنحها قامة المجد وإمكان البقاء.
ولو عاد نزار يسأل: أين السموأل؟ وأين الغطاريف الأوائل؟ لقلنا له: ها هم، من تعز إلى سائر اليمن، يحملون وفاء السموأل في صدورهم ونشيد الفضول على شفاههم، وكلما مضى منهم فادٍ صافح شرفُ الأرض من بقي، فخورًا بالفداء.