بين يدي اليوم العالمي للبيئة عن حاجتنا إلى الإسلام البيئي
مجيب الحميدي
قد يضيق الإنسان ذرعاً بالمكان،ويحمله مسؤولية خيباته وسوء أحواله ويذهب به التطير كل مذهب، وقد يقترن المكان اقتراناً شرطياً بملابسات شتى وذكريات مريرة، وكل ما يمكن أن يتخيله أي بائس في لحظة يأس، ومن منظور وجداني ديني نتوقع أن أي متدين مسلم يكن مشاعر الكراهية والبغضاء لجبل أحد مثلاً فاسم الجبل بحد ذاته -جبل أحد- يقترن في الوجدان الديني اقتراناً شرطياً بالهزيمة المريرة التي لحقت بالمسلمين في غزوة أحد وما تضمنته هذه الهزيمة من خسائر فادحة في صفوف المسلمين وطالت جسد صاحب الرسالة نفسه(ص).ولعل الحبيب المصطفى أدرك هذه المشاعر التي تتملك أصحابه تجاه جبل أحد حين مرّ من أمامه مع أصحابه ذات سفر فقال لأصحابه كما جاء في البخاري “جبل أحد يحبنا ونحبه” وقد تكررت هذه العبارة أكثر من مرة في مناسبات متعددة كما يؤكد ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري وفي إحدى هذه الروايات أن النبي (ص)عندما عاد من تبوك وأشرف على المدينة قال:هذه طابة ولما بدا له أحد قال:”هذا جبل يحبنا ونحبه”.وقد ذهبت شروحات الفقهاء لهذا العبارة إلى مذاهب بعيدة:فأكد بعضهم أن المقصود أنه يحب أهل أحد وقال آخرون أن أحد جبل من جبال الجنة وتعددت الأقوال ما بين مشرق ومغرب، مع أن أقصر الطرق إلى المعنى قراءة العبارة كما وردت”يحبنا ونحبه” والتأمل في السياق الوجداني التربوي الذي وردت فيه هذه العبارة وذكريات المكان الأليمة وكأن الدرس التربوي الذي أراد النبي(ص) أن يعلمه لأصحابه هو درس محبة البيئة و عدم اتخاذ موقف سلبي من البيئة ولو تمثلت بجبل تعرض فيه المسلمون لأول هزيمة وسقطت فيه رؤوس كبار الصحابة وجُرِح فيه نبي الإسلام وكسرت رباعيته، فالإنسان في السياق التصوري الذي يقدمه رسول الإسلام صديق البيئة والبيئة صديقة الإنسان لا يمكن أن يتخذ موقفاً ضدياً منها تحت أي مبرر، والمحبة أوثق عرى الصداقة.
وعلى ضوء هذه الصداقة الحميمة بين المسلم وبيئته يتفاعل المسلم مع البيئة بإيجابية وحرص. يستفيد منها دون استنزاف، و يستشعر مسؤوليته الأخلاقية تجاه تحسين بيئته الحبيبة وحمايتها من كافة ما يهددها مما يفسد الأرض ويهلك الحرث والنسل وكافة عوامل الفساد التي بدأت تتعاظم اليوم في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس .
هل نستطيع أن نتفائل بأن يقدم الإسلام تصوراً بيئياً جاداً لحماية البيئة والحفاظ على ديمومتها؟ اعتقد أن واقع المسلمين البائس لا يمنعنا من التبشير بتصور إسلامي بيئي ينطلق من تأكيدات القرآن الحكيم أن من يساهمون في الاخلال بالتوازن البيئي هم أعداء الله وأعداء الحياة والإنسانية وهم من يصدق عليهم قوله تعالى(واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) ويرتكز على توجيهات القرآن بالحرص على التوازن اللازم لتحقيق أمانة الاستخلاف في الأرض وإعمارها كقوله تعالى(وابتغ فيما اتاك الله الدار الآخرة ولا تنسي نصيبك من الدنيا واحسن كما احسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الارض ان الله لا يحب المفسدين)” {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) ” (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)ما أحوجنا إلى استنباط فقه بيئي من الأيات السابقة وغيرها كثير في كتاب الله ولن نعدم مئات بل آلاف الأحاديث النبوية التي تتناغم مع توجيهات القرآن في التأكيد على أهمية الحفاظ على البيئة والمسؤولية الأخلاقية عن حمايتها.فقد جعلت الأثار النبوية إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، وحذرت من البول في المياه الراكدة وتحت الأشجار التي يستظل بها الناس،و حذرتنا من ترك الأواني مفتوحة مخافة إنتشار الأوبئة ومن البديهيات التي تجدر الإشارة إليها في هذا السياق أن تفعيل هذا الإسلام البيئي وتطويره مرهون بتعزيز ثقافة إنسانية إيمانية تؤمن بالإنسان كما تؤمن بالله وتستيقن بأن الإنسان هو غاية الدين، فالله غني عن العالمين، ولم يرسل نبينا الكريم إلا رحمة للعالمين وتتميماً لمكارم الأخلاق.
نحن في حاجة ماسة إلى ثقافة إنسانية تنجح في استئصال الأنانية الفردية الجامحة المتجذرة في ثقافتنا العربية القبلية الجاهلية، أنانيتنا الجامحة لا تمت بصلة لقيم الفردية الإيجابية والاعتزاز بالذات والشعور بالمسؤولية، فهي أنانية متقزمة منكفئة إذا تجاوزت قول الشاعر:إذا مت ظمأناً فلا سقط القطر..فإنها لا يمكن أن تتجاوز إطار مصلحة القبيلة ولسان حالها: ونشرب إن شربنا الماء صفواً.. ويشرب غيرنا كدراً وطينا
نحن في حاجة ماسة إلى ثقافة إنسانية ترتقي إلى مصاف الإنسانية التي ترجمها أبو العلاء المعري في قوله:
ولو أني رزقت الخلد فرداً لما أحببت بالخلد إنفرادا
ولا هطلت علي ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا
نستطيع الجزم أن الشعور الإيماني العميق بالمسؤولية عن الإنسان والحياة سيصل بنا إلى رحاب هذه الثقافة، وسنتجاوزها إلى استشعار مسؤوليتنا الأخلاقية والإيمانية عن حياة الأجيال القادمة كما استشعر ذلك الخليفة عمر بن الخطاب حين منع المسلمين من تفيد أراضي البلاد المفتوحة حتى لا تضيق فرص الحياة أمام الأجيال القادمة.