ترنيمة الشمس قصة الإلياذة اليمنية

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
“ترنيمة الشمس”…قصة الإلياذة اليمنية من اليمين: العيسى، د. المقالح، د. يوسف في يوم من أيام عام 1988، كان الشاعر السوري العظيم سليمان العيسى يحتسي القهوة مع الأديب الكبير الدكتور...

“ترنيمة الشمس”…قصة الإلياذة اليمنية

 

من اليمين: العيسى، د. المقالح، د. يوسف
من اليمين: العيسى، د. المقالح، د. يوسف

في يوم من أيام عام 1988، كان الشاعر السوري العظيم سليمان العيسى يحتسي القهوة مع الأديب الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح في مكتبه. كان الشاعران يتجاذبان أطراف الحديث في الثقافة والشعر والأدب، حين اقترح المقالح على العيسى زيارة معرض تاريخي يقام في صنعاء في ذلك الوقت. وتحت إلحاح المقالح، قرر العيسى زيارة المعرض. لم يكن يعلم أنها ستكون فرصة كان ينتظرها طوال حياته. دوّن لاحقاً عن ذلك اليوم: “شكراً لأخي وصديقي الشاعر والدارس الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح الذي حثني على زيارة المعرض، ولمّا أفرغ من تناول فنجان قهوتي في مكتبه، وكأنه كان يتوقع ألّا تمر الزيارة من دون أن تحرك شيئاً في وجدان شاعر يبحث عن ذاته، وعن هويته في أمته منذ أمد بعيد”. وقّع هذا النص بـ”سليمان العيسى، تعز 19-11-1989″.

ما الذي وجده العيسى في ذلك المعرض ووجد فيه هويته؟ تبدأ القصة في عام 1977 حين توجه الباحث الأثري الدكتور يوسف محمد عبد الله مع بعثة أثرية إلى وادي قانية في مديرية السوادية التي تقع في محافظة البيضاء. كانت هناك نقوش ورسوم متفرقة، إلا أن أحدها شد اهتمام الدكتور يوسف: كان نقشاً تلاشى الجانب الأيمن منه ولم تكن بعض مفرداته معروفة لدى الباحثين. لاحظ الدكتور يوسف شيئاً مميزاً في هذا النقش: كان كل سطر ينتهي بحرفين يتكرران في كل السطور وهما: “حك” وكما كان هذا النقش لغزاً لدى الباحثين، بقي الدكتور يوسف يتعهده بالدراسة لمدة عشر سنوات ويحل هذا اللغز خطوة خطوة. أمسك الدكتور يوسف قلمه وخطّ عن ذلك النقش: “ويشاء الله أن يكون هذا النص اكتشافاً عجيباً لم يُعثر على شيء مثله حتى الآن، في بلاد اليمن كله”. كان يتساءل إن كانت أنشودة دينية أم سجعاً يمنياً كسجع كهان الجاهلية، ثم تابع الكتابة: “هل نحن أمام نوع أدبي قديم يسبق الشعر العربي الذي عهدناه في الجاهلية ويمهد له؟ هل نحن أمام أول نموذج للنظم في اليمن القديم؟ وهل نحن أمام بداية الشعر العربي كافة؟”.

نقش ترنيمة الشمس، ويكيبيديا
نقش ترنيمة الشمس، ويكيبيديا

كانت تلك “ترنيمة الشمس”، قصيدة حميرية يُتوقع أن تكون من القرن الثالث بعد الميلاد على أقل تقدير بناءً على آثار المنطقة التي وُجد فيها، وقد تكون أقدم من ذلك. وهذا معنى مطلعها:

نستجير بك ياخير فكل ما يحدث هو مما صنعت

بموسم صيد خِنوان مائة أضحية سَفَحْتِ

ورأس قبيلة (ذي قَسَد) رفعت

وصدر عَلْهان ذي يحير شرحت

والفقراء في المآدب خبزاً أطعمت

والعَين من أعلى الوادي أجريت

ترنيمة الشمس
كلمات مطلع نقش ترنيمة الشمس

أما سليمان العيسى، فقد ذهب إلى المعرض التاريخي، ووقف أمام النقش مسافراً إلى الماضي، ولم يتوقف عند تلك الزيارة بل سعى للعثور على النص ومعانيه وقد عثر عليها في مركز الدراسات والبحوث اليمني، فكتب النص قصيدةً مزج فيها بين الماضي والحاضر، والأصالة والمعاصرة، وعبق التاريخ وجمال شعر العيسى، منها:

ويا مصدر الضوء للكائنات

أنخشى الليالي التي تُظلم

وأنت تطلّينَ من جوفها

صباحاً.. به أبداً ننعم؟

وويل لمن جاءنا عادياً

فإن عقابك لا يرحم

ومن طلب الحظ أسعفتِه

فلا هو يشكو… ولا يُحرم

كانت كتابة النقش قصيدةً فكرة راودت العيسى وهو يتأمله، دوّن تلك الخواطر قائلاً: “إنه التاريخ المتصل إذاً، لا غربة فيه ولا انقطاع، وهاهو ذا جدّي وجدّ امرئ القيس والمهلهل والنابغة وحسان بن ثابت يتلو عليّ قصيدته الرائعة مخترقاً جدار الزمن، وصمت القرون ويقول لي: ابحثوا عنا…اتعبوا قليلاً… نقّبوا في هذه الأودية، والرمال، والصخور، وسوف تجدوننا شعراً وفناً وأدباً وحكمة، وقصوراً ومعابد، وحضارةً كانت ملء عين الدنيا وسمعها ذات يوم. ولا بد -إذا ما صحوتم من نومكم، ونفضتم عنكم غبار القرون- أن تعود..وأن تعودوا أنتم معها إلى مسرح الحياة”.

 

اقرأ ايضا: حملة أيليوس غاليوس: حين ابتلعت صحراء الجوف مد الإمبراطورية الرومانية

مقالات قد تهمك

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟
آراء

من تعز إلى الخليج: كيف قطعت المقاومة اليمنية مسار التمدد الإيراني؟

بعد أحد عشر عامًا، تظهر الخلاصة بوضوح: ما بدأ في تعز وعدن ومارب تحوّل إلى خط دفاع متقدم عن الجزيرة العربية. التجربة كشفت طبيعة التمدد الإيراني وأدواته، ورفعت مستوى الوعي في الجزيرة العربية، ودفعت إلى استجابة جاهزة على مستوى الدولة والمجتمع عند انتقال الاعتداءات إلى المنشآت الحيوية والممرات البحرية. الدعم السعودي المبكر للمقاومة أسهم في بناء هذه الجاهزية، ووضع حدودًا واضحة لهذا المسار، وقطع اندفاعته، وحصره ضمن نطاق ضيق، ومنع تحوله إلى واقع مستقر في المنطقة.

منذ 6 ساعات
حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد
آراء

حروب الشرق الأوسط وملامح النظام العالمي الجديد

يتناول المقال تطورات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بوصفها صراعًا جيوسياسيًا على النفوذ في منطقة حيوية تتحكم في الطاقة والممرات البحرية العالمية. يبرز دور الأذرع الإقليمية لإيران في توسيع نطاق الحرب، وتأثير ذلك على أمن الملاحة والاقتصاد الدولي. كما يناقش انعكاسات الحرب على الداخل الأمريكي، من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية وتراجع التأييد السياسي، ويطرح في النهاية تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل بداية تآكل الهيمنة الأمريكية وصعود نظام دولي أكثر تعددية.

منذ أسبوعين
علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب
آراء

علي لاريجاني… الغياب الذي يكشف ما وراء الخطاب

في هذا العمود الصحفي، يُقرأ مقتل علي لاريجاني بوصفه مؤشرًا على مرحلة أكثر هشاشة داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد الجمع بين الخطاب الأيديولوجي وإدارة المصالح يوفر الغطاء نفسه كما في السابق. ويتوقف عند دلالات الاستهداف في قلب طهران، بما يعكس اختلالًا أمنيًا وتحوّلًا في قواعد الاشتباك، وتأثير ذلك على توازنات معسكر المحافظين. ويطرح الحدث بوصفه اختبارًا فعليًا لنموذج «ولاية الفقيه»، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزامنة قد تفرض إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب والواقع السياسي.

منذ شهر