يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

بين يدي «خير جليس»: الكتاب وصناعة المعرفة وضمير المؤرخ

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يتناول أ. د. عارف المخلافي أثر مجالسة الكتب في صناعة المعرفة، ومسؤولية المؤرخ في تحري الحقيقة ومواجهة التعصب وتزييف التاريخ.

قصيدة المتنبي (303–354هـ/915–965م)، المعروفة بـ«خير جليس»، تعدّ لسان حال عشاق المعرفة، وقد قالها سنة 349هـ/960م. ومما جاء فيها:

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنى سَرْجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

وَبَحْرُ أبي المِسْكِ الخِضَمُّ الذي لَهُ
على كُلِّ بَحْرٍ زَخْرَةٌ وَعُبابُ

تَجاوَزَ قَدْرَ المَدْحِ حتّى كأنَّهُ
بأَحْسَنِ ما يُثْنى عَلَيْهِ يُعابُ

وفي السياق نفسه، يذكر ابن منظور قول الشاعر:

لَهُمْ مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ أَذِلَّةٌ
سَواسِيَةٌ أَحْرارُها وَعَبيدُها

كما ذكر قول شاعر آخر:

فَأَجْمَعُ أَجْلاسًا شِدادًا يَسوقُها
إِلَيَّ إِذا راحَ الرِّعاءُ رِعائِيا

لماذا كان خير جليس في الزمان كتابًا؟ قالوا: لأنك لا تخشى غوائله، ويؤدبك بآدابه، ويؤنسك عند الوحشة بحِكمه. وجاء في معجم المعاني أن معنى «خير جليس في الحياة كتاب»: خير رفيق ومصاحب.

ولا يشعر بهذا الإحساس غير عشاق الجلساء. فمن يعيش مع الكتاب عِشرة عمر، يحاور العلماء، ويقرأ أفكار الكتّاب، ويتقبل الآراء والشطحات، والإنصاف والإجحاف، والتندر أحيانًا، وغمط الحق في بعض الأحيان. يجد من يكشّر عن أنيابه، ومن يتمادى في التبسّم، ويسمع من يؤذي عقله. وفي المقابل، يرى الإبداع والعقلانية والحياد، وجمال الأقوال والأفعال والأفكار، وحسن الخطاب. وبينهما يرى الهائمين على وجوههم؛ فلا هم أثروا المعرفة، ولا تركوها تأكل من خشاش العقل.

إن مجالسة الكتب ترويضٌ للنفس على التعايش وقبول الآخر. فجليس الكتاب يحتضنه بعقله، ويتخلى عن قلبه أحيانًا كي يتمكن من قراءة ما في السطور، وما وراء السطور، وما في باطن الأفكار وزخارف الكلمات. وأنت هنا لا تدّعي امتلاك الحق والحقيقة، أو أنك ستأتي بما لم يأتِ به الأوائل؛ فأنت جليس لغيرك كما أن غيرك جليس لك.

وهذه هي المتعة: متعة الكلمة، والفكر، والاختلاف، والتباين، والاتفاق، والحوار، والمؤانسة، والمجالسة، والمكاشفة، والقول، وإطلاق العنان للفكر دون خوف أو وجل، ودون تعدٍّ أو شطط، ودون استعلاء أو استغلال. فإن بلغت هذا، فستكون خير جليس لغيرك، وخير معلم لأصدقائك، كما هم بالنسبة إليك.

والتعلم لا يعني الكمال؛ إنما يعني قبول الآخر، واحترام الفكر، وإعمال المنهج حين تقرأ، أو تقرر، أو تحكم، أو تخالف. فبدون المنهج ستكون ممن يكره الأصدقاء مجالستهم، وبدون الحياد المنهجي ستضع نفسك في دائرة الاتهام، وفي زاوية الحجب، وخلف ستار لا يراك من ورائه أحد، ولا يرغب في مجالستك.

هذه الصورة العامة تعكس حال التاريخ وقراءة النص، ورغبة البعض في ليّ عنق الحقيقة، ومحاولة البعض الآخر إظهارها كما هي، لا كما يريد. وأنت بهذا لا تدّعي أنك جئت بالقول الفصل؛ إنما تعبّر عن رغبتك في المصداقية، وتحاول بلوغ العدل والإنصاف، وخاصة حين تقرأ نصًا، أو تكتب تاريخًا، أو تناقش حدثًا أو حوادث من الدهر الغابر، وأنت متسلح بالتجرد من الانتماء الضيق إلى هذه الجغرافيا أو تلك، أو إلى هذا الفكر أو غيره، أو إلى تلك العصبية دون سواها.

فإن فعلت ذلك، فقد تعلمت من مدرسة الكتاب ومسيرة التاريخ؛ لأن المؤرخ لا يمكن أن يصل إلى الحقيقة التاريخية وهو مشحون بتصورات وقناعات مسبقة، ومحكوم في داخله بنوازع تقيد الفكر وتشوه الواقع، أو بعواطف جارفة، أو بتعصب أعمى، أو بنفاق من نوع خاص أو عام، أو مدفوع الأجر. فالمؤرخ العادل هو، بحد ذاته، فعل معرفي، وإبداع حضاري، ونضج فكري، وقلم لا ينكسر أمام الرغبة والهوى.

وتجد في عالم الكتب من يصرّ على إعادة تقديم المعلومة، ويشوبها، في كثير من الأحيان، البتر والقصور. كما تجد من يكتب أكثر مما يقرأ، وهنا تبرز إشكالية الفهم في العلاقة بين الكاتب وما يكتب، ومن ثم ما يترتب على ذلك من نتائج.

وهناك من يتجاوز الكتابة إلى الاجتهاد من أجل التحول من ناقل للمعرفة، أو معيد لتقديمها، إلى باحث منتج للمعرفة، ومُسهِم في صناعة الفكر وحسن تقديمه. وشتان بين إعادة تقديم المعرفة وصناعتها.

وفي السياق نفسه، تكشف بعض الكتب والبحوث أن أصحابها كانت بداياتهم متواضعة، لكنهم حققوا قفزة كبيرة في نتاجاتهم العلمية الجديدة. وهذا يدل على أنهم أعطوا للجليس وقتًا كافيًا للقراءة والاطلاع، فزادت معارفهم، وزاد معها حسن الخبر والأثر.

كذلك تجد نفسك، في أوقات كثيرة، تتوقف طويلًا عند مطالعتك للكتب المترجمة؛ ففيها ما يُحترم لجدّيته في نقل المعارف، وفيها الترجمات التجارية التي تشوه الأصل وتفتقر إلى صنعة الترجمة. والحال لا يختلف كثيرًا مع الكتب المحققة التي لو عاد أصحابها إلى الحياة لكان لهم موقف من أمثال هؤلاء، باستثناء القليل النادر.

وفي هذا المقام، أستحضر مقالًا قصيرًا كتبته عام 2018م بعنوان «توالد التاريخ وحضانة المؤرخ»، ولم يُنشر، جاء فيه:

تتوالد أحداث التاريخ كما يتوالد البشر، وهذه رابطة جدلية بينهما. فالتاريخ لا يتوالد من تلقاء نفسه؛ إنما يصنعه الإنسان خلال جيل معين، ثم يأتي جيل من المؤرخين فيحتضن مسيرته: فإما أن يجعله يتمسك بواقعيته، أو يتركه عالة على هواة الكتابة، أو يتعمد تحريف جوهره وتشويهه، أو يعين عليه صنّاع المجد الذاتي.

فالأول هو المؤرخ الحقيقي الذي يسعى دومًا إلى الحفاظ على نقاء الحدث التاريخي وهندامه، وإن كان لباسه باليًا أو مهترئًا. أما الثاني، فيترك التاريخ لمبعثري الحقائق والباحثين عن الشهرة بأي ثمن، دون تدخل تصحيحي منه، مدافعًا ومنافحًا. بينما نجد الثالث يتجاهل الأذى الذي يحدثه بعض المؤرخين والهواة الذين يدّعون علمًا بالتاريخ، من خلال تعمد خربشة وجه الحقيقة التاريخية؛ بالتعصب تارة، وبالتصنع تارة أخرى، وبالكذب على التاريخ والجغرافيا في بعض الأحيان، وبالجهل بأدوات المؤرخ في غالب الأحيان.

أما الكارثة الحقيقية والجريمة الأخلاقية التي يرتكبها بعض المؤرخين، فتكون حين لا يكتفي بالتجاهل أو السكوت، وإنما يعين الهواة ومدّعي التاريخ والباحثين عن الشهرة والمجد الذاتي على ركوب صهوة تاريخ مزيف، أو تحويل التاريخ من حدث إلى فكرة متخيلة، أو تمنطق خنجر قتل الحقيقة، أو ليّ عنق الحدث، أو جعل الواقعة تسير على رأسها، بينما هو يجلد بسياط التملق أقدامها المعلقة في الهواء...!

إن حضانة المؤرخ للتاريخ بأبوية مسؤولة، تنشد الكمال ولا تجنح إلى الدعة والدلال، هي الشرط الأهم لميلاد المؤرخ الحصيف المنصف. وحينئذ سنجد التاريخ في وحدة مصيرية مع المؤرخ، تجمع بين التوالد والميلاد.

مقالات قد تهمك

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية
آراء

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية

يتناول أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، في الحلقة الثانية من رده على مهندس الاتصالات عمر شوتر، ما طرحه الأخير خلال ظهوره الثاني في بودكاست «مجتمع» مع الدكتور باسم الجمل بشأن نقل جغرافية التوراة و«أرض الميعاد» إلى اليمن. ويفنّد المخلافي عددًا من الأدلة الجغرافية والتاريخية التي استند إليها شوتر، ويناقش منهجه في قراءة النصوص التوراتية وأسماء المواضع والممالك والطرق التجارية والبخور، ومدى صلته بالنقوش والآثار والتاريخ اليمني القديم.

منذ يومين
آثار اليمن: التاريخ المنهوب والهوية المستباحة
آراء

آثار اليمن: التاريخ المنهوب والهوية المستباحة

من السدود والمعابد والنقوش إلى مزادات الخارج ومواقع النهب في الداخل، تكشف آثار اليمن قصة حضارة صنعت حضورها في قلب الصحراء، ثم تُركت عرضة للتهريب والتدمير والإهمال. في هذا المقال، يقدّم أ.د. عارف أحمد المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة في جامعة صنعاء، قراءة مكثفة في هذا النزيف الحضاري، وما يفرضه من مسؤولية عاجلة لحماية ذاكرة اليمن وهويته التاريخية.

منذ شهر