يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

مستقبل المشروع الإيراني: قراءة في مؤشرات البقاء والانحسار

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يقرأ د. بكر الظبياني مستقبل المشروع الإيراني في ضوء الضربات العسكرية والضغوط المتصاعدة على طهران وأذرعها، ويحلل مؤشرات الانحسار وعوامل البقاء وإمكانات إعادة التموضع وفق موازين القوى الجديدة.

هل يقترب المشروع الإيراني من نهايته، أم أنه يدخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع؟

على امتداد أكثر من أربعة عقود، ظل المشروع الإيراني أحد أبرز المشاريع السياسية والأمنية إثارةً للجدل في الشرق الأوسط، مستفيدًا من تحولات إقليمية ودولية معقدة، ومن فراغات استراتيجية أوجدتها الحروب والصراعات، ليتمدد عبر أدواته وأذرعه في عدد من الدول العربية. غير أن المشهد اليوم يبدو مختلفًا؛ فالتطورات العسكرية والسياسية المتسارعة، وتبدل أولويات القوى الكبرى، وتصاعد الضغوط على طهران وأذرعها، تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذا المشروع: هل دخل بالفعل مرحلة الانحسار؟ أم أنه يمر بعملية إعادة تشكيل تفرضها موازين القوى الجديدة؟ وما حدود قدرته على البقاء في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة؟

في لحظة تاريخية معينة، ووفقًا لظروف مواتية تقاطعت فيها مصالح الدول الكبرى، مُنح المشروع الإيراني الفارسي فرصة للتمدد في المنطقة، متشحًا برداء طائفي مذهبي تحت شعار «ولاية الفقيه».

ويرى مراقبون أن هذا المشروع حظي برعاية دول غربية منذ أن كان فكرةً ومشروعَ معارضة لنظام شاه إيران الملكي؛ إذ انطلقت أولى خطواته من العراق، واشتد عوده في ضواحي باريس بقيادة الخميني، الذي عاد إلى إيران قائدًا للثورة ومرشدًا أعلى للنظام الجمهوري الجديد.

وبرغبة في التوسع والنفوذ، استطاع المشروع الإيراني التسلل والتمدد بدوافع إمبراطورية فارسية، وتحت دعاوى تصدير الثورة لمواجهة الظلم ونصرة المظلومين. غير أن الواقع العربي والإسلامي يشهد، وفق هذا الطرح، بأن ممارساته أفضت إلى تصدير الفوضى والدمار وإشعال الصراعات في عدد من الدول العربية.

وفي المقابل، وخلال العقود الأربعة المنصرمة، يرى محللون أن سياسات النظام الإيراني تقاطعت، في مراحل عدة، مع مصالح الدول الغربية، والمصالح الأمريكية على وجه الخصوص، على حساب مصالح الدول العربية وأمن المنطقة واستقرارها. وينسجم هذا الطرح مع ما نُسب إلى توجهات بول بريمر وسياسات الإدارة الأمريكية عقب غزو العراق؛ إذ أقر بريمر بأن المرجع علي السيستاني وجّه الشيعة، الذين يمثلون أغلبية السكان، إلى التعاون مع قوات التحالف. كما أسهمت ترتيبات سلطة الاحتلال، وتشكيل مجلس الحكم على أسس طائفية وإثنية، في نقل مركز السلطة إلى القوى الشيعية، وبينها قوى احتفظت بعلاقات وثيقة مع إيران، الأمر الذي أتاح لطهران توسيع نفوذها داخل العراق.

وكان لطهران، وفق هذه الرؤية، إسهام كبير في سقوط الدولة العراقية ونظامها الحاكم، بما مهّد لاحتلال العراق وأبقاه غارقًا في دوامة الصراع والفوضى الطائفية. كما أدت إيران دورًا بارزًا في دعم القوى المناهضة لحركة طالبان خلال التدخل الغربي في أفغانستان، وتقاطع موقفها، في مرحلة إسقاط الحركة، مع أهداف الولايات المتحدة وحلفائها.

وفي ظل الدعم الغربي أحيانًا، والتغاضي أحيانًا أخرى، مقابل غياب عربي فرضته حالة الانقسام والتشرذم، حققت طهران جانبًا من طموحاتها التوسعية، معتمدةً على سياسة توظيف الأذرع والميليشيات المسلحة لاختراق الدول وإضعاف مؤسساتها وإسقاط أنظمتها، الأمر الذي أدخل اليمن والعراق ولبنان وسوريا في دوامات طويلة من الحروب والصراعات.

ورغم التحذيرات المتكررة من خطورة المشروع الإيراني على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، فإن تلك التحذيرات لم تحظَ بالاهتمام الكافي لدى بعض العواصم الغربية والعربية، قبل أن تتحول تهديداته إلى واقع يفرض كلفته الباهظة على المنطقة والعالم.

إلا أن شهوة التوسع وأوهام المشروع الإمبراطوري الفارسي دفعت نظام ولاية الفقيه إلى تجاوز الأدوار التي رسمتها له القوى الكبرى، والسعي إلى فرض نفسه لاعبًا مستقلًا يمتلك أدوات التأثير والابتزاز، معتمدًا على الحرس الثوري وأذرعه المنتشرة في المنطقة. وقد انعكس ذلك على أمن الملاحة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة والتجارة العالمية، من خلال الهجمات التي نفذتها الجماعات التابعة له أو المتحالفة معه، وفي مقدمتها جماعة الحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة الموالية لإيران والمنضوية ضمن الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان.

ومع تصاعد هذه التهديدات، اتجهت الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية إلى مراجعة سياساتها تجاه إيران، عبر عمليات عسكرية تستهدف تقويض عناصر القوة العسكرية والاقتصادية للنظام، وإضعاف الحرس الثوري وأذرعه، بعد أن باتت تمثل، من وجهة نظر تلك الدول، تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي.

وتشير التطورات الراهنة إلى تنامي عوامل الانحسار داخل المشروع الإيراني، وفي مقدمتها استهداف مواقع الحرس الثوري والفصائل المرتبطة به، وتراجع قدرات بعض أذرعه، وارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية التي تتحملها طهران، واتساع دائرة المواجهة بينها وبين دول المنطقة، وتقلص قدرتها على إدارة الحرب بالوكالة تحت غطاء الإنكار. وفي الوقت نفسه، ما تزال عناصر البقاء قائمة؛ فالحرس الثوري يحتفظ بشبكة واسعة من الجماعات المسلحة، وما تزال جماعة الحوثيين تسيطر على مناطق واسعة من اليمن، كما أثبت النظام الإيراني قدرته على امتصاص الضربات وإعادة بناء أدوات نفوذه واستثمار الانقسامات داخل الدول العربية، فضلًا عن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية وسائلَ للضغط والمساومة السياسية. ولهذا يصعب اعتبار الضغوط الحالية نهايةً حتمية للمشروع، فقد تكون بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع وتغيير الأدوات.

ورغم الضغوط المتزايدة، يواصل النظام الإيراني محاولة إظهار التماسك، عبر تصعيد هجماته على جيرانه العرب واستهداف المصالح والمنشآت الحيوية، في محاولة للحفاظ على أوراق قوته وقدرته على المناورة.

وفي المقابل، دفعت هذه الهجمات دول الخليج إلى تعزيز إجراءاتها الدفاعية لحماية مصالحها. وشهدت الأيام الماضية ضربات نفذها التحالف الذي تقوده السعودية ضد مواقع عسكرية حوثية في اليمن، بالتزامن مع ضربات سعودية–أمريكية منسقة استهدفت مواقع لفصائل موالية لإيران في العراق. كما تتزايد المؤشرات على استعدادات ميدانية في اليمن تقودها الشرعية اليمنية وجيشها، بمساندة المقاومة الشعبية والقبائل، لخوض معركة تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة ميليشيا الحوثي، التي تمثل أبرز أذرع إيران في جنوب الجزيرة العربية.

وفي ضوء هذه التحولات، يبرز سؤال المرحلة: هل تقود هذه التطورات إلى بروز مشروع خليجي عربي قادر على ملء الفراغ، وترسيخ الأمن والاستقرار، وصون المصالح الإقليمية والدولية في منطقة تُعد من أهم مناطق إنتاج الطاقة والإشراف على الممرات البحرية العالمية؟

وتبقى الإجابة مرهونة بمسار الأحداث، غير أن سؤالين يفرضان نفسيهما بقوة:

هل تنجح سياسة القوة التي تنتهجها الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية في كبح جماح المشروع الإيراني وأذرعه، وإعادته إلى حجمه الطبيعي، بما يفرض عليه الانسجام مع محيطه الجغرافي؟

أم أن ما يجري لا يعدو كونه عمليات خشنة لإعادة تأهيل النظام الإيراني وتدجينه، بعد أن تجاوز الحدود المرسومة له، ليعود لاحقًا إلى أداء دور وظيفي جديد يخدم مصالح القوى الكبرى، بعد تجريده من أهم عناصر قوته؟

مقالات قد تهمك

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية
آراء

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية

يتناول أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، في الحلقة الثانية من رده على مهندس الاتصالات عمر شوتر، ما طرحه الأخير خلال ظهوره الثاني في بودكاست «مجتمع» مع الدكتور باسم الجمل بشأن نقل جغرافية التوراة و«أرض الميعاد» إلى اليمن. ويفنّد المخلافي عددًا من الأدلة الجغرافية والتاريخية التي استند إليها شوتر، ويناقش منهجه في قراءة النصوص التوراتية وأسماء المواضع والممالك والطرق التجارية والبخور، ومدى صلته بالنقوش والآثار والتاريخ اليمني القديم.

منذ يوم
آثار اليمن: التاريخ المنهوب والهوية المستباحة
آراء

آثار اليمن: التاريخ المنهوب والهوية المستباحة

من السدود والمعابد والنقوش إلى مزادات الخارج ومواقع النهب في الداخل، تكشف آثار اليمن قصة حضارة صنعت حضورها في قلب الصحراء، ثم تُركت عرضة للتهريب والتدمير والإهمال. في هذا المقال، يقدّم أ.د. عارف أحمد المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة في جامعة صنعاء، قراءة مكثفة في هذا النزيف الحضاري، وما يفرضه من مسؤولية عاجلة لحماية ذاكرة اليمن وهويته التاريخية.

منذ شهر
هادي بعد الرحيل... أزمة النخبة أم أزمة الرجل؟
آراء

هادي بعد الرحيل... أزمة النخبة أم أزمة الرجل؟

أثارت وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي موجة من السجالات السياسية التي أعادت طرح أسئلة قديمة حول مسؤولية الأفراد ومسؤولية النخب في الأزمات الوطنية. يناقش هذا المقال حدود النقد في لحظة الوفاة، ومأزق اختزال سنوات من الصراع والانهيار في شخص واحد، ويتساءل: هل كانت أزمة اليمن أزمة رجل، أم أزمة نخبة سياسية وثقافية عجزت عن حماية الدولة وتقديم مشروع وطني قادر على مواجهة الانقلاب واستعادة الجمهورية؟

منذ شهرين