نتطرق في هذا المقال لمشكلة العبث بآثار الحضارة اليمنية القديمة، على الرغم من أننا في القرن الحادي والعشرين الذي يفترض أن المجتمع اليمني المعاصر حكامًا ومحكومين قد بلغ مراحل متقدمة من حالات الوعي والنضج الفكري والثقافي. كما نقدم في ختامه مقترحات لحلول عاجلة ودائمة.
الإبداع المتجدد:
تعد حضارة اليمن القديم من بين أقدم الحضارات ومهدها. وقد تركت لنا شواهد مادية حية تدل على عظمة هذه الحضارة التي تسلسل عطاء الإنسان فيها، منذ العصور الحجرية وما قبل التاريخ، وصولًا إلى أعلى مراحل التفنن في العطاء الذي يعكس شخصية إنسان قوي مثابر مبدع صانع لأسس إسهام حضاري متين للإنسان في العالم القديم تأثيرًا وتأثرًا.
إبداع الإنسان اليمني القديم، لا يشبه غيره؛ والسبب أنه صنع حضارة في أرض لا أنهار فيها، وإنما تعتمد بالكلية على المياه الموسمية في زمن بناء حضارات سبأ، وأوسان، وقتيان، وحضرموت، ومعين، وسبأ وذي ريدان (حِمْيَرْ). فاستجاب لتلك الفرصة الموسمية وتحدى ظروف غيابها في بقية العام.
وهنا بدأ الإبداع يظهر في بناء المدرجات الزراعية بشكل بديع منذ الألف السابع قبل الميلاد على أقل تقدير (أي منذ أكثر من تسعة آلاف سنة حتى الآن)، وفي بناء السدود كي يستفيد من موسم الأمطار. تلك السدود لم تكن وليدة يوم وليلة، بل جاءت عبر سلسلة من التجارب على مدى سبعة آلاف عام كما أثبتت المسوحات الأثرية في خولان وبدبدة وغيرها؛ بدءًا من شق السواقي البسيطة التي يسيل عبرها الماء منتظمًا لكل بقعة أرض مزروعة، ثم بدأ يفكر في الحواجز الكبيرة التي تتجمع خلفها المياه إلى حين، ثم انتقل إلى مرحلة تجارب بناء جدران سميكة تتصدى للسيول على هيئة سدود تحويلية صغيرة بلغت حوالي سبعة سدود موثقة سبقت سد مارب المعروف؛ تلك التجارب المقصودة التي قامت على حسابات تقنية وهندسية دقيقة وصلت إلى بناء سد مارب الذي تمكنت جدرانه الحاجزة من التصدي لهدير سيول جارفة تتدفق على مدى عشرة كيلومترات، فكان ذلك السد أعظم بناء هندسي في الجزيرة العربية، ومن بين أعظم التجارب على مستوى الحضارات القديمة. وأثبتت التنقيبات أن الري المنظم في منطقة السد عمره حوالي خمسة آلاف عام من الآن، أي منذ الألف الثالث قبل الميلاد.
هذا التشكل الحضاري العنيد، رافقه بناء الدولة في اليمن القديم التي يرجح أنها نشأت في الأحقاف بحضرموت منذ الألف الرابع قبل الميلاد على الأقل، وتجلى ذلك في حضارة قوم عاد الذين بنوا عاصمتهم ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) ﴾ كما جاء في (سورة الفجر)، وفي مارب منذ الألف الثالث قبل الميلاد على الأقل، بل دلت تجارب السدود التي سبقت سد مارب على دولة منظمة بنّاءَة منذ الألف الثاني قبل الميلاد.
لقد أنتجت تلك الممالك اليمنية القديمة على يد الإنسان اليمني -إلى جانب هندسة الري، عددًا كبيرًا من القصور والمعابد الكبيرة بأعمدتها الحجرية الضخمة ذات القطعة الواحدة التي تتراوح أطوالها بين 8 و 12 مترًا، وبعرض يتراوح بين 1.5 و 3 أمتار، فضلًا عن حوالي 20 ألف نقش مسند، وعشرة آلاف نقش بخط الزبور حتى الآن، وآلاف القطع الأثرية المتنوعة التي تعكس تجارب الإنسان ومهاراته العابرة للأجيال والسنين في اليمن القديم.
وكما خاض غمار الهندسة والفن، فقد خاض غمار العلم، وفهم تفاصيل الجسد فتمكن من تحنيط جثث الموتى التي ما تزال محنطة حتى يومنا هذا، كتلك المومياوات المحفوظة بمتحف قسم الآثار بجامعة صنعاء. كما اهتم بالصحة والتداوي وذكر في نقوشه المختلفة عن فهم دقيق للمرض الذي عبرت عنه الألفاظ التي عرفناها من النقوش، مثل: (م ر ض)، (ض ل ل)، (ح ل ص)، (ح ل ظ)، (ب د ل)، (ض ل ل)، (خ و م)، وذكروا الوباء باسم (خ م ط ن م). كما ذكروا في نصوصهم أمراض: التهاب الأسنان (ت أ هـ ر ن)، وداء القدمين (ع ل ل)، والصمم (ب ع د)، والجذام (ت ج ذ م)، والجروح (ج ر ح)، والقروح (ق ر ح)، والحمى الناتجة عن البرد (هـ ر ي ت)، وارتفاع درجة الحرارة (م ح ر) والسعال (س ع ل)، والربو (ح ش ي م)، ومرض القلب، والطاعون (ع و س)، والسُّهد (م ي ق ظ)، والهيضة (الكوليرا) (ذ ر ب)، وأمراض العيون (ن ظ ر).
مأساة عابرة للسنين:
هذه الحضارة العظيمة تعرضت للنهب والسرقات، وكما يذكر أستاذنا البروف عبد الله الشيبة، في كتابه "محاضرات في تاريخ اليمن القديم"، أن ذلك النهب بدأ منذ سنة 1847م عندما قام القبطان البحري “هيلنس” بنقل عدد من النقوش من عدن، ثم في سنة 1860م استطاع الضابط الإنجليزي “كوجلان” أن يشتري خمس وعشرين لوحة برونزية نفيسة، واشترى تمثالًا برونزيًا صغيرًا. كما وصلت إلى المتحف البريطاني بعض الحجارة والنقوش من مارب. وقام الموظفون الأتراك في صنعاء بشراء الآثار من القبائل، وجمعوا حوالي خمسين نقشًا سبئيًا وضعت في المتحف العثماني بإسطنبول.
ويواصل أستاذنا القول بأن اهتمام المحافل الدولية بآثار اليمن منذ سنة 1869م، نتج عنها تمكن "يوسف هاليفي" مبعوث الأكاديمية الفرنسية للنصوص والآداب في باريس من نسخ (686) نقشًا قديمًا وصلت جميعها إلى المجمع الفرنسي، وشراء الأتراك لبعض القطع الأثرية، قد أدت إلى طغيان موجة عمياء على هواة التحف وتجارها في أوربا وأمريكا، وشاعت بين الناس رغبة اقتنائها، وانتشر سماسرة الآثار، وتشجع السكان المحليون على نهب وبيع الآثار لأولئك السماسرة وبأسعار مغرية. كما استطاع "لانجر" في حوالي سنة 1882م أن يرسل 22 نقشًا إلى “فيينا” قبل أن يقتل على أيدي القبائل. وتمكن “جلازر” بين عامي 1882 و1884م من جمع أربعة نقوش أرسلها إلى أكاديمية باريس، وفي سنة 1885م تمكن من جمع (37) نقشًا وجدت طريقها إلى المتحف البريطاني. وبين عامي 1887و 1888م، عاد جلازر إلى مارب، وكانت الحصيلة عددًا من النقوش والتماثيل والنقود التي انتقلت فيما بعد إلى متحف برلين. كما حصل بين عامي 1892 و1894م، على 40 قطعة أثرية، بين نقوش وتماثيل ونقود وآثار أخرى، انتقلت جميعها إلى المتحف الإمبراطوري الملكي في فيينا. كذلك نقل "بيوري" سنة 1899م عددًا من النقوش القتبانية والسبئية من بيحان، وتمكن الدانماركي “جاكوب” سنة 1914م من نقل عدد من القطع الأثرية إلى دلهي بالهند. وجاءت بعثة ويندل فيلبس 1952م إلى مارب، (واتهمت بنهب العديد من النقوش والآثار). (انتهى ما ذكره البروف الشيبة).
ومن اللافت، كما أكد ويؤكد مرارًا الباحث المستقل والخبير في مجال تتبع آثار اليمن في الخارج الأستاذ عبد الله محسن في مقابلاته وأبحاثه؛ أن عملية تدمير ونهب آثار الحضارة اليمنية من خلال ما يقوم به تجار الآثار المحليون من خلال النبش في المواقع الأثرية، ومن ثم البيع إلى شبكات محلية ودولية تنشط بقوة في هذا الجانب، بل يخرج أحيانًا بصورة هدايا ومكافآت من قبل شخصيات نافذة. ومن ذلك على سبيل المثال مجموعة “فوستر” التي أهداها له الإمام أحمد حميد الدين سنة 1961م. وكذلك قيام شريف بيحان سنة 1977م -من منفاه- ببيع مجموعة من القطع الأثرية والمشغولات الذهبية النادرة لتصبح جزءًا من مقتنيات المتحف البريطاني، بل هناك ما يدل على قيام وجاهات رسمية في البلد بفعل ذلك السلوك الغريب خلال السنوات الماضية وحتى الآن.
ويذكر “محسن” أن ما ضاعف المأساة، هو نهب وتضرر متاحف اليمن في صنعاء وتعز وذمار وعدن وحضرموت بسبب الحرب، بل تدمير بعضها كمتحف ذمار. إلى جانب ذلك بلغ عدد القطع الأثرية المهربة خلال الفترة بين 1994 – 2014م ما يقدر بأكثر من 23 ألف قطعة أثرية بين تماثيل من المرمر والبرونز ونقوش بالغة الأهمية بخط المسند أو بخط الزبور وشواهد جنائزية وبرونزيات وقطع ذهبية وعملات من العصور القديمة والإسلامية. وفوق ذلك لا تتحرك الحكومة اليمنية بجدية للتصدي لهذا الأمر وإيقاف العبث، حتى على صعيد الجرد والتوثيق الدقيقين، وهو ما ساعد على دخول القطع المنهوبة في سوق دولية قادرة على إخفاء المصدر وتزويره.
ومن المآسي أن يتم تدمير آثار اليمن على أيدي أبنائه، فقد تعرضت مواقع أثرية بارزة لأعمال نهب وعبث وتخريب ممنهج، شملت سرقة نقوش من معبد أوام “محرم بلقيس” وتهريبها إلى الخارج، بينها نقوش ملوك سبأ وذي ريدان، عُرض بعضها في مزادات أوروبية بمبالغ كبيرة. كما طالت أعمال التدمير مدينة مريمة «هجر العادي» بوادي حريب، حيث عُبث بمعبد «حوكم نبط»، ونُهب الوعل البرونزي الذي هُرّب وبيع خارج اليمن. ولم تقف الكارثة عند السرقة، بل امتدت إلى نقل الأحجار الأثرية واستخدامها في مبانٍ حديثة، والكتابة على النقوش والجدران، ورمي المخلفات داخل المعابد، ونهب المقابر، والبناء بجوارها، وتحويل بعض المواقع إلى متاريس ومواقع عسكرية ومقابر، كما حدث في براقش بالجوف، فضلاً عن تدمير أجزاء من معبد أوام وبواباته ونقوشه وعناصره البرونزية.
ولا يخفى على المتتبع ما يجري من نبش وحفر وتدمير للآثار في العاصمة الحميرية ظفار، الواقعة على بعد نحو 10 كيلومترات شرق مدينة يريم بمحافظة إب، وما تعرضت له آثار جبل العود القريب منها من عبث وتخريب، إلى جانب ما أصاب مواقع مملكة سبأ وذي ريدان ومناطق الممالك اليمنية القديمة المختلفة. إن ما يحدث لا يمثل خسارة مادية للقطع الأثرية فحسب، بل هو اعتداء مباشر على ذاكرة اليمن التاريخية، وتدمير لسياقات أثرية لا يمكن تعويضها، وطمس لشواهد حضارية كان يمكن أن تعيد قراءة مراحل مهمة من تاريخ اليمن القديم.
جهود اليونسكو:
بجهود مثابرة تمكنت بعثة اليمن في اليونسكو من تسجيل عشرات المواقع الأثرية اليمنية والتراث اللامادي، كما تمكنت بالتعاون مع بعض السفارات اليمنية وفرق المتابعة من استعادة حوالي (85) قطعة أثرية، وإيداعها في تلك البلدان مؤقتًا وبصورة رسمية وفقًا للقوانين الدولية المنظمة لذلك، إلى حين استقرار الوطن وتأمين وصول وحفظ تلك القطع بأمان.
إن تسجيل العديد من المواقع الأثرية بما فيها تلك التي في مارب، يتيح لليمن الحصول على دعم لعمل سياجات وترميمات وتركيب كاميرات مراقبة، وكذلك تجريم ومنع الاتجار بتلك الآثار وملاحقتها دوليًا. ومع ذلك لا ننتظر من اليونسكو أو بعثتنا فيها القيام بذلك بنفسها، وإنما يقع الأمر على عاتق السلطة المحلية، ووزارة الثقافة، وهيئة الآثار، وهو ما لم نجده على أرض الواقع بصورة عملية جادة حتى الآن.
حلول مقترحة:
ولذلك أكرر هنا ما سبق أن دعوت إليه بتاريخ (12 نوفمبر 2025م)، وأضيف عليه، بخصوص الحلول المقترحة العاجلة والدائمة، وأدعو للبدء بترجمتها إلى واقع عملي فورًا، وخاصة أن الجهود الدبلوماسية والقانونية تحتاج إلى سند شعبي ومجتمعي وحكومي، كون الحفاظ على الهوية الحضارية لليمن يتطلب تضافر العمل الرسمي مع المبادرات الفردية والجماعية، حتى لا يظل التراث رهين التهريب، والنهب، والضياع، والدمار، وذلك على النحو الآتي:
1- تفعيل قوانين الآثار الصادرة وهي مهمة وتلبي الغرض في حال تطبيقها، ويمكن تطويرها بمضاعفة العقوبات والاستفادة من القوانين المشابهة في الدول الأخرى.
2- الاستفادة الفورية مما ترتب على تسجيل مواقع الآثار اليمنية في اليونسكو، واستغلال الفرصة للحصول على دعم حماية المواقع الأثرية والحفاظ عليها، وتسييجها، وتركيب كاميرات مراقبة تعمل بالطاقة الشمسية، وخاصة في المواقع الأثرية الكبرى كمعبدي أوام وبران بمارب، وغيرهما.
3- تنشيط وتطوير وتفعيل شرطة السياحة من الرجال والنساء، ونشرهم في المواقع والمنافذ.
4- تنظيم زيارة المواقع الأثرية بصورة رسمية، ويكون بتذاكر رمزية تستغل لتوفير الدعم الذاتي الروتيني اليومي.
5- القيام بحصر دقيق لتلك الآثار الموجودة في متاحف العالم الرسمية والخاصة، والمجموعات الخاصة، وبناء سجل أثري خاص بذلك.
6- دعم جهود تتبع المزادات العالمية والكشف عن القطع وتأطيرها قانونيًا، وهو الجهد الفردي الذي يضطلع به الأستاذ عبد الله محسن، وكان آخر جهوده إثبات ملكية اليمن لدرع الملك المعيني “وقه إيل” الذهبي، وتحويل هذا الجهد الفردي إلى عمل مؤسسي تحت إشرافه.
7- أدعو رجال الأعمال اليمنيين إلى المشاركة الفاعلة في حماية التراث، من خلال تأسيس صندوق لتمويل شراء القطع الأثرية النادرة التي تظهر في الأسواق والمزادات العالمية، وإعادتها إلى أرض الوطن.
8- تشكيل هيئة قانونية لرفع قضايا أمام المحاكم العالمية لاستعادة الآثار، والتعاون في ذلك مع اليونسكو واتحادات المحامين ونقابات المحامين على المستوى الوطني والعربي والدولي.
9- إنشاء إدارة تتبع وزارة الداخلية لمكافحة التهريب تتواجد في جميع المنافذ على غرار ما هو موجود بمصر، ويشترك فيها: الأمن، والشرطة، حرس الحدود، وخفر السواحل، هيئة الآثار، والهيئة العامة للمدن التاريخية.
10- كذلك أقترح تأسيس شعبة في جهاز الأمن القومي مهمتها تتبع القطع المنهوبة قبل إخراجها، وحصر من يعملون في التهريب ومن يمتلكون قطعًا أثرية، وتتبع الذين يقومون بالتنقيب العشوائي وتخريب المواقع الأثرية، باعتبار أن الموضوع هو تدمير حضارة، وتشويه هوية شعب، وتخريب سجل تاريخ وطن بأكمله.
11- تأسيس دائرة مختصة بنشر الوعي الأثري في أوساط المجتمع اليمني، تتبع وزارة الإعلام بالتعاون مع وزارة الثقافة، وهيئة الآثار والمتاحف والمدن التاريخية.
12- مستقبلًا لا بد من بناء متحف جديد يليق بحضارة اليمن، وجعله مركز إشعاع ثقافي محلي وعالمي، وكذلك موردًا سياحيًا مهمًا.