يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

التوراتيون العرب وهوس نقل أرض الميعاد إلى اليمن

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يناقش أ.د. عارف المخلافي أطروحات التوراتيين العرب الذين نقلوا أرض الميعاد إلى اليمن والجزيرة العربية، ويفكك أسسها التاريخية والجغرافية في ضوء قواعد نقد الوثائق.

التعريف الشائع للوثيقة، بحسب قانون الوثائق اليمني رقم 21 لسنة 2002م، أنها: «المراسلات، والمحررات، والمستندات، وكل وعاء لحفظ المعلومات التي يتم تثبيتها فيه، بالحرف، أو الرقم، أو الصورة، أو الرسم، أو التخطيط».

في كتابي «نقد التاريخ القديم»، الذي صدرت طبعته الأولى بصنعاء عام 2014م، ونُشرت طبعته الثانية بدمشق عام 2022م، قدمتُ تعريفًا جديدًا للوثيقة بأنها: «ما دل على فعل الإنسان ونشاطه». وفي ضوء هذا التعريف، تكون الوثيقة عالمًا من المعارف، وأكبر وعاء للفعل التاريخي للإنسان عبر العصور.

فمن الوثيقة نتعرف على حركة الإنسان، وتصوراته، وفكره، ولغته، ومذاهبه، وأعرافه، وبيئته ومحيطه، وعاداته وتقاليده، وسلامه، وحروبه، واستقراره، واضطراب أحواله، وزراعته، وصناعته، وأسرته، ومشكلاته، وقوته، وضعفه، وتقدمه، وتأخره، وتوحده، وتشرذمه.

ونعرف من الوثيقة كيف تطورت حياة الإنسان منذ بداية مسيرته الحياتية، وكيف عاش، وكيف اكتشف الزراعة، وكيف نشأت القرى والمدن والأقاليم والدولة والإمبراطورية، وكيف بدأ الصراع والاستعمار، ولماذا، وكيف ظهرت فكرة الوطن، وكيف ظهرت التجارة، وكيف صنع السفن والأدوات والأسلحة.

كما نعرف من الوثيقة كذلك كيف ظهر المسكن، وكيف تطورت العمارة، وكيف ظهرت الفنون التشكيلية وحب التجمل والزخرفة، وكيف اخترع الإنسان الكتابة، ثم أنتج أدبًا وأساطير وأشعارًا وفلسفات... وغير ذلك.

ولكن التعامل مع الوثائق يختلف باختلاف طبيعتها؛ فالوثيقة المكتوبة مختلفة، لأنها تعطينا مادة مباشرة نتعامل معها بالاستقراء والفحص، ومن ثم الاستفادة مما قدمته بصورة عامة، سواء أكانت نقشًا على حجر، أم برونز، أم خشب، أم طين، أم بردي، أم كتابًا مخطوطًا، أم معاهدة، أم مرسومًا، أم عقد بيع وشراء أو زواج...

كما أن هناك الوثيقة المرسومة، التي هي عبارة عن لوحة فنية رُسمت أو نُقشت على جدار كهف، أو على صخرة، أو على قصر أو معبد، أو أنها لوحة فنية حديثة. فاللوحة الفنية عمومًا تعرفنا على تطور تفكير الإنسان وذوقه، وحرصه على تدوين تفاصيل حياته ومجتمعه ونشاطه وبيئته.

وهناك نوع آخر من الوثائق، لا مكتوبة ولا مرسومة، لكنها تُعد توثيقًا ماديًا لإبداع الإنسان؛ تلك هي العمارة التي تعبر عن مهارات الإنسان وتقدمه الهندسي، وحرصه على الرقي بحياته، وتحقيق الأمان له ولأسرته، أو لجيشه ومقر حكومته، أو مكان عبادته.

ولذلك، يكون أي إعمال للخيال في تفسير دوافع الإنسان وتصوراته، بعيدًا عن الوثيقة، مدعاةً لإخراج التاريخ من كونه واقعًا إلى كونه قصة تُحكى وحسب. والخيال الوحيد المشروع للمؤرخ هو ذلك الذي يجتهد فيه لإعادة رسم الصورة التاريخية بناءً على المعلومات الموثقة التي بين يديه، بعد فحصها والتمييز بين الأصيل منها والمزور، وبين الصادق والكاذب، وبين الأصل والمنسوخ، وبين صاحب الحق الفعلي ومدعي هذا الحق، وبين حقيقة الإبداع والتطور، أو التطفل والتقليد.

وبدون معرفة قواعد النقد التاريخي وأساليبه وتطبيقها، لا يمكن أن ننجح في كتابة التاريخ وإعادة بناء صورته الحقيقية، أو الاقتراب من ذلك على الأقل.

أما إذا لم نقم بذلك، فكيف لنا أن نتعرف علميًا على حقيقة الحدث التاريخي وجزئيات الحياة اليومية، مثل غذاء الإنسان، وملبسه، ومسكنه، وألعابه، وطقوسه، ومحاصيله الزراعية، ومناجمه، وصناعاته التعدينية، ووسائل الإدارة، والعلاقات الخارجية، والبناء المجتمعي، ونوع السلطة، ونظام الحكم، والموظفين والهيئات، والجيش، والتعليم، والقوانين، والحرية، والاستبداد، وطرق الزراعة وأساليبها، ومظاهر العلوم والمعارف؟ وفوق كل ذلك: كيف سنعرف أسباب نشأة الدول والحضارات، وأسباب تطورها، وأسباب تدهورها أو سقوطها؟

وخلاصة كل ما تقدم أن التاريخ هو الإنسان وفعله الحضاري. ولكي نفهم ذلك الإنسان وحقيقة ما صنع، لا ينبغي أن نكذب عليه، أو أن ننسب إليه زورًا، أو أن نقوّله ما لم يقل؛ وإنما علينا أن نكتب سيرته الذاتية كما قدمها لنا دون زيادة أو نقصان. وهذا، بطبيعة الحال، لن يقوم إلا بمشقة، وإخلاص في العمل، ورغبة أكيدة في البحث عن الحقيقة وإظهارها، دون ليٍّ لعنق التاريخ أو ابتسار لمعطياته الحضارية.

ولذلك، فإن فهم قواعد النقد التاريخي بالنسبة إلى التاريخ القديم يعطيه منهجًا أعمق، ويمكّن الباحث من كتابة التاريخ بشكل أدق، ويُخرج الكتابة التاريخية من حالة التسطيح إلى حالة الإدراك، ومن حالة التعصب إلى حالة الحياد، ومن حالة الحماس إلى حالة الموضوعية، ومن حالة التوظيف إلى حالة تقديم الحدث التاريخي كما هو وبكل تجرد، ومن حالة تعسف تفسير النصوص إلى حالة واقعية الطرح، ومن حالة الوهم والخيال إلى حالة الحدث الفعلي...

فهل تكفي الجغرافيا وحدها لصناعة الحدث التاريخي كما فعل التوراتيون العرب؟

وهل يمكن للجغرافيا أن تتكلم بدون نشاط الإنسان على مسرحها؟

وهل يحق لنا صناعة الحدث التاريخي من مخيلتنا؟

هذا بالضبط ما قام ويقوم به التوراتيون العرب من خلال كتابة تاريخهم المُقَنّع!

في كتابي «التاريخ المُقَنّع»، الذي صدرت طبعته الأولى عن دار زهراء الشرق بالقاهرة عام 2026م، وصدرت طبعته الرابعة في العام نفسه، تحدثت عن الفرق بين «الفكرة التاريخية» و«التاريخ الفكرة»، وقلت إن «الفكرة التاريخية» أمر طبيعي في سياق الحدث التاريخي، أما «التاريخ الفكرة» فهو أخطر ما قدمه لنا التوراتيون العرب؛ فقد حولوا التاريخ من أحداث موثقة إلى فكرة جغرافية لا تشبه الواقع إلا في مخيلاتهم التي قضوا من أجلها أعمارًا. فالطبيب محمد منصور، صاحب كتاب «التوراة الحجازية»، قضى من عمره أكثر من ثلاثة عقود يبحث عن أرض الميعاد! وها هو مهندس الاتصالات عمر شوتر يظهر في الحلقة الثانية من المقابلة التي أجرتها معه منصة «مجتمع»، وكتبتُ عنها مقالًا نقديًا بتاريخ 31/7/2026م في منصة «يمنيون»، ليؤكد أنه قضى من عمره أربعين عامًا يبحث عن «أرض الميعاد»! ومثلهما فعل فاضل الربيعي، وأحمد قشاش، ومن قبلهما زياد منى، ومن قبلهما فرج الله ديب، وجميل إلياس، وأحمد داود، وكمال الصليبي. ولا تزال قائمة «المتدربين» تتوالى بين فترة وأخرى، وبأقنعة ملونة.

فما الذي سبب لهؤلاء وأمثالهم هوس البحث عن أرض الميعاد؟

إنه استغراق في وهم؛ وإلا كيف يقضي طبيب، أو مهندس، أو روائي، أو بلاغي، ثلاثة أو أربعة عقود من عمره وهو يبحث عنه، في حين أنه لم يقدم لنا في تخصصه نظرية ولا ابتكارًا يخدم البشرية؟!

فما هي أرض الميعاد بالنسبة إلى التوراتيين العرب، وأين تقع؟

في كتابي «فوضى السرد في كتب التاريخ المُقَنّع»، الذي صدر عن دار عناوين بوكس بالقاهرة عام 2026م، تناولت ما جاء عن أرض الميعاد في أطروحات التاريخ المُقَنّع الذي يتخيله التوراتيون العرب، على النحو الآتي:

حدد الصليبي في كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» أرض الميعاد بقوله: «كانت هذه الأرض تمتد من جيزان عند حدود اليمن إلى وادي أضم ومرتفعات الطائف المحاذية لهذا الوادي في جنوب الحجاز، وأن نهر مصريم ليس نيل مصر، بل وادي ليه ـ أو أحد روافد وادي ليه ـ الذي ينبع من الجبال اليمنية، ومجرى هذا الوادي في ناحية صامطة، بجنوب منطقة جيزان».

وفي كتابه «العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود»، نقل أحمد داود أرض الميعاد إلى منطقة بلاد غامد وزهران، ثم يحدد أن الأرض التي وعد بها الرب إبراهيم لتكون مرعى له ولأبنائه من بعده هي: عشيرة الكنعانيين في جبل غامد، من نهر الفرات ـ والفرات عنده ليس النهر الشهير ـ شرقًا إلى وادي مصريم (المصريين) غربًا.

أما فاضل الربيعي فقد حدد الأرض الموعودة بأنها أرض المعينيين، وهي ـ على حد قوله ـ الأرض التي تمتد على مساحة تغطي اليوم أهم مديريات تعز: الشمايتين، والمواسط، وجبل حبشي، وشرعب السلام، والمعافر. وواضح أنه لا يعلم أن معينًا لم يصل نفوذها إلى تعز في أي يوم من التاريخ القديم.

وقد اختلف فضل «الجثام» اليافعي معهم، ونقلها إلى «يافع» التي جعلها أرض الميعاد، وقد حددها بالضبط بعنوان الفصل الخامس من كتابه: «أرض الميعاد: عمالقة حِمْيَر وفي طليعتهم عناق يافع يُحبطون زحف القبائل الإسرائيلية على أرض الميعاد».

هل أرض الميعاد، كما يصورها التاريخ المُقَنّع الذي كتبه التوراتيون العرب، حقيقة أم أسطورة؟

لا بد من التأكيد أولًا على عدم حقيقة أن أرض الميعاد تمتد من النيل إلى الفرات، كما جاء في سفر التكوين (15: 18)، وهو ما يتناقض مع سفر العدد (34: 1ـ12)، الذي تبدو فيه أرض الميعاد صغيرة جدًا.

أما محمد منصور فقد عد وادي القرى أرض الميعاد، بينما قرر «أن المرحلة الأولى لبني إسرائيل كانت في جزيرة العرب، وتبدأ بالهيكل الأول الذي بناه النبي سليمان عليه السلام بمكة المكرمة (الكعبة). أما المرحلة الثانية فمسرحها فلسطين، وتمثل زمن الهيكل الثاني، وهو بيت المقدس بالتعبير اليهودي، والمسجد الأقصى بالتعبير القرآني، والذي بناه الهاشميون المكيون (لا الحشمونيون المكابيون)! وهنا يبدأ التاريخ اليهودي»، على حد وصفه.

إن خطورة هذا القرار ـ لا أسميه استنتاجًا ـ أنه جعل بيت الله الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى هيكلي سليمان الأول والثاني.

يقول المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي ـ يرحمه الله ـ في كتابه «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية»، الذي ترجمه محمد هشام وقدم له الأستاذ محمد حسنين هيكل ـ يرحمه الله ـ، إن الوعد خرافة. وقد تعرض جارودي للمحاكمة والإدانة بسبب مقاطع أخرى من الكتاب اعتبرتها المحاكم الفرنسية إنكارًا أو تشكيكًا في جرائم الهولوكوست، وفق قانون غايسو الفرنسي.

فقد أورد ما جاء في التوراة (سفر التكوين: الإصحاح 15، الفقرة 18) كالآتي: «سأُعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات».

ثم يحدد رأيه بالقول:

1ـ وعد الأرض، بمعنى الوعد بالاستقرار. وقد وُجه في بادئ الأمر إلى جماعات من البدو الرحل الذين يتطلعون إلى الاستقرار في أي من المناطق الآهلة الصالحة للسكنى. ومن ثم أصبح هذا الوعد جزءًا من التراث الديني والقصصي لدى قبائل شتى متباينة.

2ـ لم يكن هدف الوعد الموجه إلى البدو هو غزو منطقة ما أو بلد بأكمله سياسيًا وعسكريًا، وإنما كان يهدف إلى استقرارهم بالسكن في منطقة محددة.

3ـ الملاحظ أن الوعد الأبوي الذي يحدثنا عنه سفر التكوين لم يقطعه يهوه ـ وهو الإله الذي دخل فلسطين مع «جماعة الخروج» ـ وإنما قطعه الإله الكنعاني إيل في إحدى تجلياته المحلية؛ لأن الإله المحلي، الذي يملك الأرض، هو وحده الذي يملك أن يسمح للبدو الرحل بالاستقرار في أرضه.

4ـ وفي فترة لاحقة، اكتسبت الوعود القديمة بُعدًا جديدًا، وذلك عندما تجمعت عدة قبائل من البدو الذين توطنوا لتشكل معًا ما عُرف في التوراة بـ«شعب إسرائيل»، وهو ما بات يُوظف سياسيًا وعسكريًا وقوميًا لإضفاء شرعية على احتلال فلسطين.

أرض الميعاد قصة وثنية في الشرق القديم:

وقد لفت جارودي الانتباه إلى ما يمكننا وصفه بتأثر كتّاب التوراة وناسخيها بالقصص الدينية التي انتشرت في الشرق القديم، وشاع فيها الوعد بالأرض لأتباعهم. ويورد أمثلة على ذلك بمسلة الملك المصري تحتمس الثالث (1468ـ1436 ق.م)، التي كُتبت عليها عبارة صادرة عن معبودهم: «أمنحك هذه الأرض بامتدادها في جميع الجهات لتكون لك شرعًا»، ويقصد سيطرته على مدن فلسطين وسورية في حملاته العسكرية. كما يورد مثالًا آخر من «أنشودة الخلق البابلية»، أن المعبود مردوخ «يحدد لكلٍّ نصيبه» (البيت 36)، ويأمر ببناء بابل وتشييد معبد فيها. أما الحثيون في بلاد الأناضول، فقد كانوا ينشدون لربة الشمس «أرينا» قائلين: «أنت تحرسين أمن السماوات والأرض، وتعينين حدود الأرض».

والخلاصة أن أرض الميعاد التي خوطب بها إبراهيم عليه السلام بصورتها الشائعة تصور خيالي خرافي، أرجح إضافة تفاصيله إلى النص التوراتي: «سأُعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات» (سفر التكوين: الإصحاح 15، الفقرة 18). وتظهر بوضوح الإضافة: «من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات»؛ والدليل اختلاف الترجمة.

فقد جاءت الترجمة في التوراة السامرية: «لنسلك أُعطي الأرض هذه من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات». وفي الكتاب المتداول جاءت الترجمة: «لنسلك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات».

وهذا الاختلاف في الترجمات يدل على الإضافات والتحريف للنص الأصلي، الذي لا يتجاوز معناه: منحهم الأمان ليعيشوا مع سكان تلك الأرض الذين لم يتبخروا فجأة، بل كانوا هم الأكثرية، والوافدون أقلية، كأي بلد في الكون.

فما الذي جاء في القرآن الكريم عن هذه الأرض؟

قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ {المائدة: 21}.

فقد أمر الله موسى وقومه أن يهربوا من فرعون إلى الأرض المقدسة التي كتبها لهم، أي يسكنون فيها كمهاجرين آمنين، ولكن قتالهم من قبل سكان فلسطين الأصليين ومنعهم من الدخول أسفر عن هزيمتهم وانتصار يوشع بن نون ومن معه. ومعنى المقدسة: المطهرة المباركة؛ بسبب أنها كانت موطنًا لكثير من الأنبياء. ومعنى «التي كتب الله لكم»: أي قدر لكم سكناها مع السكان الأصليين، ووعدكم إياها متى آمنتم به وأطعتم أنبياءه، أو معناها: فرض عليكم دخولها وأمركم به كما أمركم بأداء الصلاة والزكاة.

والأرض المقدسة عند ابن جرير الطبري، في «جامع البيان»، واضح أن تفسيرها تأثر بأهل الكتاب، فقال: «وهي لا تخرج عن أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالإخبار على ذلك». وهو يتطابق حرفيًا مع ما جاء في التوراة (سفر التكوين: الإصحاح 15، الفقرة 18): «سأُعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات».

أما البغوي في تفسيره، فقد قال إن الأرض المقدسة تعني: كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم. وقال السدي: أمركم الله بدخولها. وقال قتادة: أُمروا بها كما أُمروا بالصلاة، أي فرض عليكم.

وقد اختلفوا في الأرض المقدسة؛ فقال مجاهد: هي الطور وما حوله، وقال الضحاك: إيليا وبيت المقدس، وقال عكرمة والسدي: هي أريحاء، وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي الشام كلها. قال كعب: وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه، وبها أكثر عباده.

وجاء في تفسير ابن كثير لقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، أي التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل: أنه وراثة من آمن منكم. وهو يشير بذلك إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (105). وقال عدد لا بأس به من المفسرين إن المقصود بالأرض هنا «أرض الجنة».

وربطها بعضهم بما جاء في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (137). فجاء في تفسيري القرطبي والبغوي أن المقصود بمشارق الأرض ومغاربها «أرض مصر والشام»، وقيل: لأن من بني إسرائيل داود وسليمان قد ملكا الأرض. وفي تقديري أن هذا التحديد مرتبط بتأثير ما جاء في التوراة. وقد ربطوا «بما صبروا» بما تعرض له موسى وقومه على يد فرعون. وقد خالفهم ابن كثير بروايته عن الحسن البصري أن المقصود بها أرض الشام. وكذلك فعل الطبري. أما السعدي، فقد ربطها بأرض مصر بسبب ما تعرضوا له من فرعون. ولم يثبت تاريخيًا أن بني إسرائيل حكموا مصر أو بلاد الشام على الإطلاق. (تفسير الآيات منقول من موقع المصحف الإلكتروني التابع لجامعة الملك سعود).

وحتى لا نحمل روايات المفسرين أكثر مما تحتمل، أرى أن روايات المفسرين المسلمين لم يكن القصد منها توريث فلسطين لبني إسرائيل، وإنما أرادوا إبراز انتصار بني إسرائيل المؤمنين على السكان المحليين المتمثلين في جالوت وقومه؛ كونهم يتحدثون عن أنبياء الله ومن آمن بهم في مقابل قوم وثنيين. ولم يدر بخلدهم التوظيف السياسي الذي ظهر منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم. حتى ذلك التأثر بالرواية التوراتية الذي لا شك أنهم أخذوه، كما هو معروف، عن أولئك اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، فأخذه المفسرون لدعم تفسيراتهم بتفاصيل ظنوا أن لها علاقة بتوراة النبي موسى عليه السلام، رغم علمهم بتحريفها، لكنها الثقة بمن أسلم وصار في صف الإسلام.

أما ما يسمى بأرض الميعاد، فهي محصورة بأرض صغيرة عاشت فيها الأقلية اللاجئة داخل شعب فلسطين، فحكموا بحكم انتصاراتهم على جالوت كما جاء في القرآن، لكن دولتهم لم تخرج عن نطاق تلك الأرض. وقد تولى الحكم النبي داود وابنه سليمان من بعده، وهما نبيان من أنبياء الله حكما بالقسط، كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفي تقديري أنهم لم يتعرضوا لنظام دويلات المدن الذي كان شائعًا بفلسطين قبلهم، والتي ذكرتها النصوص المصرية القديمة، مثل: جازر، وأورو ـ سالم، وروباتي، وتاعنكي، وشانمي، وبيت شنري، وروحبي، ومكدي، وعرنا، ويحم، وشوكا، وإنما أدمجوها ضمن دولة الأنبياء التي انتهت بوفاة النبي سليمان عليه السلام، وجعلوا أورو ـ سالم عاصمتها. والدليل على ذلك أنه بعد وفاة سليمان عليه السلام عاد نظام دويلات المدن، الذي عرفنا من النصوص المصرية القديمة والآشورية أن غالبية المدن كانت للفلسطينيين الكنعانيين الذين ذكرت النصوص الآشورية بلادهم باسم «باليشتو» (Pa-la-aš-tu)، مثل: جازر، وغزة، وعسقلان، وعقرون، وأشدود، وأور شاليمو. وأن مدينتين فقط كانتا لبني إسرائيل: إحداهما ذكرتها التوراة باسم إسرائيل، وانتهت نهائيًا على أيدي الآشوريين سنة 721 ق.م، وقد ذكروها مرة واحدة قبل تدميرها إلى الأبد باسم «مات ـ سرئيلا»، ثم باسم بيت خُمريا التي رُبطت ببيت عُمري، وهي أسرة ذكرت التوراة أنها ممن حكموها. وقد جعل علماء النصوص المسمارية الغربيون، وأغلبهم يهود، من ذكر «بيت خمريا» بعد ذلك اسمًا لمملكة إسرائيل التوراتية، وصارت عندهم حالة يُقاس عليها في كل ترجماتهم.

ونرى أن «مات ـ سرئيلا»، أي بلاد سرئيلا، المذكورة في النصوص الآشورية، كانت عبارة عن دويلة صغيرة ضعفت وانقطع خبرها بعد معركة قرقر، وهي دويلة آرامية بسورية، بين الآشوريين ومن تحالف ضدهم سنة 853 ق.م. وقد أثبتنا في كتاب «فوضى السرد» أنه لا وجود لمملكة اسمها «مملكة إسرائيل» بالصورة المبالغ فيها التي تقدمها التوراة، ومن ثم جماعة التاريخ المُقَنّع، ولا سيما فاضل الربيعي الذي أحلها مكان مملكة سبأ؟! فالظاهر أنها كانت دويلة مدينة ظهرت وانتهت سريعًا، كما بينا سابقًا؛ بل كانت رقعتها الجغرافية أصغر من اليهودية (يهودا التوراتية).

والأخرى ذكرتها التوراة والنصوص الآشورية باسم يهودا، نسبة إلى القبيلة التي سكنت تل اليهودية وحكمت، وكانت النسبة إليها في النصوص الآشورية «فلان اليهودي»، وليس للمكان أو الدولة. وقضى عليها الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني سنة 587 ق.م، والذي ذكرته كتب الأخبار باسم «بخت نصر». وقد فصلنا ذلك في كتابنا «فوضى السرد في كتب التاريخ المُقَنّع» (ص 109ـ190).

واللافت أن خرافة أرض الميعاد المضخمة لم يشر إليها أحد من علماء اللاهوت التوراتي، ولا كتب الأخبار الإسلامية، على أنها كانت في اليمن أو في الجزيرة العربية نهائيًا، وهو ما يجعل أولئك «المتدربين» يفنون أعمارهم، ولا يزالون، في البحث عنها في بلاد اليمن. بل تجرأ البعض، ولا يزال، في الإساءة إلى القبائل اليمنية العربية الأصيلة التي تعيش اليوم في اليمن، وجعلوهم أسباطًا من أسباط بني إسرائيل، أو أسماء مناطق وردت في التوراة. بل ظهر أحدهم وتجرأ بلفظ اسم «فلان الزمزمي» ليقول إن الزمزميين في اليمن، ومنهم من أساء إلى قبيلة بني جبر الكريمة في خولان التاريخية، وجعلهم الجبرائيين، وأساء إلى قبيلة قُدم الكريمة في حجة، وجعلهم القدمونيين، وغير ذلك من الفلتان السردي الذي تشعر أن هناك من يمليه عليهم كسردية مكررة لأغراض يعرفها الجميع.

وأنا هنا أحذر من الاستمرار في الإساءة إلى قبائل اليمن العربية الأصيلة الكريمة، ومن بين هؤلاء من بني جلدتنا مع الأسف؛ لأن ردة الفعل ستكون أعظم مما يتصورون...

 

مقالات قد تهمك

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية
آراء

مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم «أرض الميعاد» في اليمن – الحلقة الثانية

يتناول أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، في الحلقة الثانية من رده على مهندس الاتصالات عمر شوتر، ما طرحه الأخير خلال ظهوره الثاني في بودكاست «مجتمع» مع الدكتور باسم الجمل بشأن نقل جغرافية التوراة و«أرض الميعاد» إلى اليمن. ويفنّد المخلافي عددًا من الأدلة الجغرافية والتاريخية التي استند إليها شوتر، ويناقش منهجه في قراءة النصوص التوراتية وأسماء المواضع والممالك والطرق التجارية والبخور، ومدى صلته بالنقوش والآثار والتاريخ اليمني القديم.

منذ أسبوع