حزب الإصلاح من “الأسلمة” إلى “اليمننة”
فيصل علي
“حتى أن البعض أصبح يحتفظ برأيه لنفسه خوفاً من فقدان من يحبهم، بسبب عقليتهم المتحجرة المقصية للرأي الآخر” دوستويفسكي
بحجم التواجد في الواقع تكن المسؤولية، يتواجد اليوم التجمع اليمني للإصلاح في كل أرجاء اليمن، وهذا يحسب له، خاصة في هذا التوقيت واليمن تصارع لأجل البقاء واستعادة وبناء الدولة، وفي ذكراه التاسعة والعشرون يستحق الإصلاح التقدير والشكر، لكنه كغيره من الأحزاب لا يستحق المدح، على اعتبار أنه مؤسسة وبقاء المؤسسات مرتبط بالرقابة وبالمحاسبة وبالتقييم والتقويم والتطوير المستمر لا بالمدائح.
ولد الإصلاح في 13 سبتمبر 1990 من رحم استغلال فرصة الديمقراطية التي أتت دون أن تكون مطلباً جماهيرياً، بقدر ما كانت مطلباً نخبوياً، فالجماهير يومها كانت بحاجة إلى الوعي أكثر من الحرية، و إلى الخبز أكثر من الديمقراطية، ولا حرية بلا تدرج ووعي. فنظامي ما قبل الوحدة في شمال وجنوب اليمن لم يكونا ديمقراطيين، ولم يقوما بتهيئة الجماهير لتقبل النظام الديمقراطي الطارئ في ذلك الوقت.
ككل جديد كان هناك رفضاً للحزبية وللديمقراطية، اخترعت قيادة الإصلاح حينها مبرراً مفاده أن الإصلاح “تجمعاً” وليس حزباً، يجمع كل أهل الخير والصلاح، فانطلت الحيلة على أنصاره الذين خاضوا الجدل، فالحزبية في تراث الحركة الإسلامية القادمة من مجتمع الدعوة الدينية حرام لأنها تقوم بتمزيق الأمة، “والديمقراطية هي مجرد خدعة حتى إذا وصلنا للحكم سنتركها لأنها غير نظام الشورى في الإسلام” مثل هذه العبارات مازالت عالقة في الذاكرة، لكن الأيام غيرت القناعات لدى التجمع الذي صار عند أتباعه حزباً ولو بصورة اسمية، خاصة مع التحالفات السياسية التي خاضها مع مختلف القوى السياسية، منذ 1997 وما بعدها.
تطورت تجربة الإصلاح باقترابه من القوى السياسية، فقد خاض تجربة ناجحة مع بقية مكونات اللقاء المشترك، صنعت نضجاً سياسياً للبلد برمته وليس للأحزاب المنضوية في التكتل فقط. هذا النضج للأسف لم يحول دون بقاء صفة إسلامية الإصلاح عالقة به في مجتمع كله مسلم، ومرجعيته الأساسية إسلامية بلا منازع، لكنه كان مازال قادماً من تجربة الثمانينيات والسبعينيات، حيث كان صراع الأيديولوجيات محتدماً، يسار ويمين وقومي.
ومع نضج التجربة إلا أن الإصلاح لم ينتقل فعلياً من الجماعة إلى الحزب، فالحزب مصطلح أقرب للشعب وللجمهور، بينما الجماعة أقرب للنخبة المنغلقة على ذاتها، ومع ذلك لا أحد يستطيع القول أن الإصلاح لم يكن منفتحاً على الآخرين، لكن قيادة الحزب بقت في يد التنظيم القادم من رحم حركة الإخوان المسلمين، مع أن بدايات الحركة الإسلامية في اليمن كانت في نفس مرحلة نشأة الإخوان المسلمين في مصر، والفارق بينهما عام واحد، ظهرت حركة الإخوان في مصر عام 1928 على يد حسن البنا وفي اليمن ظهرت الحركة الإسلامية عام 1929 على يد محمد سالم البيحاني، لكن الأخير لم يمتلك فكرة التنظيم الهرمي وبدأ بفكرة التكوين العام والتربية الروحية استمراراً للمدارس الإسلامية اليمنية القديمة.
الإصلاح تجربة بشرية مثل أي تجربة أخرى، والتجربة من التجريب والاختبار المستمر، ولقد أثبتت الأيام أن التجربة الإخوانية فاشلة أو غير متوافقة مع الواقع، 91 سنة وهم ينتقلون من مشنقة جلاد إلى معتقل طاغية، و بحسابات أدق أثبت الزمن عدم فاعلية هذه التجربة، وفي هذا الصدد كان الإصلاح قد أعلن في بيان – نشره رئيس الهيئة العليا محمد اليدومي – عن أنه غير مرتبط بحركة الإخوان، وقيل حينها أن ظروف عاصفة الحزم أجبرته على الذهاب بهذا الاتجاه، لكنه أتى وهناك في الحزب من هو مُتهيِّئ لفصل “الدعوي” عن “السياسي” وتحويله إلى حزب، وللأسف لم يكن الإعلان سوى بالونة اختبار، فمازال الإصلاح يدار من قبل التنظيم المعتمد على قواعد ووسائل وأدبيات الإخوان المسلمين، وهنا تكمن إشكالية الإصلاح اليوم.
هذه الإشكالية ممتدة في كل دوائر الإصلاح وأطره التنظيمية، فمازال التنظيم يدير الإصلاح بعقلية الجماعة وأدواتها، عبر مفاهيم الثقة والسمع والطاعة والولاء والبراء الخ وكلها مفاهيم تعبوية غير قابلة للقياس ولم تتحول إلى لوائح تنظيمية ذات دلالات رقمية تعتمد على القياس الكمي والكيفي، بل تستخدم كيفما شاء القائد أو الأمير أو المسؤول، بمعنى انتفاء فكرة العمل المؤسسي وبقاء فكرة العمل المزاجي الشخصي القائم على الحب والكره والقرب والبعد، وكلها ادوات غير قابلة للقياس، ولذا تظل وسائل بدائية تعود لما قبل العصر الصناعي.
ظل الإصلاح مواصلاً طريقه كجماعة سنية تندرج تحت مصطلح طائفي مفخخ؛ “أهل السنة والجماعة” المعادية للتشيع، مما سهل وقوعه في الفخ الذي طالما كان حذراً منه طيلة الحروب الست 2004-2010، ودفع به نحو التكتل السني الذي رسمه المخرج له بعد عاصفة الحزم.
هناك من يعمل على تطييف الصراع في اليمن بخلق نموذجين: أحدهما شيعي و الأخر سني، ومع ذلك يستطيع الإصلاح الفكاك من هذا الفخ بسهولة، فأفراد الحزب في الميدان عملهم وطني محض وقدموا تضحيات لم يقدمها أحد من قبلهم، فقط يحتاج الإصلاح مراجعة أدبياته وتنقيحها من مفردات “الأسلمة” للوصول إلى “اليمننة” ، ويحتاج إلى فصل الجانب الدعوي عن الحزب ليكون حزباً شعبياً بدلا من كونه جماعة دعوية، فالدعوة لكل الناس وليست لقسم سياسي أو جزء من المجتمع دون أخر.
من يرسمون معادلات السياسية في المنطقة يحتاجون للإصلاح كجماعة دعوية ولا يحتاجون إليه حزباً شعبياً، ليتمكنوا من تحميله الفشل والأخطاء والعقوبات، وبذلك يضمنون خلق مظلومية إسلامية أخرى لتخرج وتدمر البلد كما فعلت مظلومية الهاشمية السياسية بقيادة الحوثي الذي أسقط الدولة ليشبع غريزته ولينتقم من أعداء طائفته ويحملهم مقتل الحسين بعد 1400 سنة من مقتله.
لقد طالت قواعد الإصلاح الاغتيالات والاعتقالات والاغتصابات على يد القوات الامارتية في عدن وعلى ايدي عصابات الحوثي في صنعاء لصناعة هذه المظلومية في صفوف الاصلاح، لتكون اليمن مُدمَرة في المستقبل لابد من مظلومية جديدة، ولابد من صناعة جبهة سنية لمواجهة الجبهة الشيعية، وبهذا يضمن المُخرج يمنات متعددة ودويلات عصبوية طائفية وجهوية لا يمناً واحداً .
والمَخرج من ذلك يكمن في تفويت الفرصة على المُخرج، والتحول من جماعة سنية إلى حزب يمني كما هو اسمه :التجمع اليمني للإصلاح، لا “التجمع اليمني للإسلام”. إن صناعة التحولات الكبيرة في بنية الإصلاح تحتاج إلى تغيير المناهج والوسائل بما يتوافق مع المستقبل لا بما يناسب مراحل الماضي ، يحتاج الإصلاح في خضم هذا التحول إلى أفراد لديهم القدرة على التفكير النقدي لا التفكير العصبوي التبريري الذي أثبت فشله، وإلى تحويل الولاء والبراء من مفهوم عقدي إلى مفهوم وطني، حيث يكون ولاء الأفراد للوطن وللدستور وللقانون وللهوية وللدولة اليمنية لا للجماعة ولا للفكر المستورد ولا للطائفة ولا للفقهاء والوعاظ والمشائخ.
إن اسقاط العصبويات الطائفية والعرقية و السلالية تقع على عاتق الإصلاح وكل القوى السياسية، فلا وجود لدولة مع وجود كل هذه العصبويات، والإصلاح لديه تجربة ناجحة في تخليص أفراده من العصبويات، يحتاج إلى تطويرها للتخلص من إرث “أهل السنة والجماعة” الذين يماثلون الشيعة في تعظيم خرافة آل البيت حتى لا يقال عنهم نواصب، ومن المعيب أن يكون حزب أغلب اليمنيين وأكبر حزب في البلد لديه ارتباط طائفي، ليكن حزباً يمنياُ لا شيعياُ ولا سنياً ولا زيدياً ولا شافعياً، وهو الأقدر على تحويل هذه المعادلة إلى واقع، فقد فعلها أسلافه سابقاً عندما أسهموا في صناعة مناهج التربية والتعليم التي قضت على المذهبية في مرحلة ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962.