اليمنيون – لندن: نُشرت حديثًا للباحث اليمني د. فيصل علي دراسة قانونية محكّمة تتناول مفاهيم تقرير المصير، والانفصال، وفك الارتباط، واستعادة دولة الجنوب، في سياق النقاش اليمني المتصل بالقضية الجنوبية ومستقبل الدولة بعد أكثر من ثلاثة عقود على إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990.
وصدرت الدراسة بالإنجليزية في «المجلة الدولية متعددة التخصصات للأبحاث»، الصادرة عن دار لندن للنشر الأكاديمي في المملكة المتحدة، تحت عنوان: Self-Determination, Secession, and Disengagement in Public International Law: Voluntary Merger and the Problem of Reviving an Extinguished International Legal Personality in Yemen. ويُترجم عنوانها إلى العربية: «تقرير المصير والانفصال وفك الارتباط في القانون الدولي العام: الاندماج الطوعي وإشكالية إحياء الشخصية القانونية الدولية المنقضية في اليمن». ونُشرت الدراسة في 12 أغسطس 2026، ضمن المجلد الأول، العدد الثاني، في الصفحات 86-108.
وتأتي الدراسة في سياق نقاش يمني تتداخل فيه مفاهيم تقرير المصير، والانفصال، وفك الارتباط، واستعادة دولة الجنوب، والجنوب العربي. وترى الدراسة أن هذه المفاهيم، وإن بدت متقاربة في الخطاب السياسي والإعلامي، تقود في القانون الدولي إلى أسئلة ونتائج مختلفة. ومن هنا تفصل بين شرعية التعبير عن المطالب السياسية وبين قدرتها على إنشاء أثر قانوني في الانفصال أو السيادة.
وتطرح الدراسة سؤالًا مركزيًا يتعلق بطبيعة المطالب المطروحة: هل تتعلق بانفصال إقليم من دولة قائمة، أم بمحاولة إحياء شخصية قانونية دولية سابقة انقضت عند اندماج الدولتين السابقتين في الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990؟
وتذهب الدراسة إلى أن إعادة تحقيق الوحدة اليمنية أنتجت، من منظور القانون الدولي، دولة واحدة معترفًا بها دوليًا هي الجمهورية اليمنية. وبناءً على ذلك، لم تبقَ أيٌّ من الشخصيتين القانونيتين للدولتين السابقتين قائمةً بصورة مستقلة أو قابلة للاستئناف المنفرد، وأصبحت الجمهورية اليمنية الشخصية الدولية الوحيدة الناتجة عن الاندماج. وأصبح النقاش متعلقًا بمطالب تُثار داخل إطار دولة قائمة يستمر الاعتراف بها وتمثيلها دوليًا.
وتصف الدراسة هذا الوضع بمفهوم «الحاجز القانوني المضاعف». فالمطالب القائمة على استعادة دولة الجنوب تواجه، وفق الدراسة، مبدأ سلامة أراضي الدولة القائمة، وتواجه أيضًا أثر انقضاء الشخصية القانونية الدولية السابقة بفعل الاندماج الطوعي. وتقول إن استدعاء الاسم أو الحدود أو الرموز السابقة لا يكفي لإحياء شخصية دولية انقضت قانونيًا.
وتفرّق الدراسة بين تقرير المصير الداخلي وتقرير المصير الخارجي. ففي الدول المستقلة، ترى الدراسة أن تقرير المصير الداخلي هو الإطار القانوني الأوسع، من خلال المشاركة السياسية، والتمثيل، وعدم التمييز، والضمانات الدستورية، واللامركزية أو الحكم المحلي الفعال.
أما تقرير المصير الخارجي، فقد استقر أساسًا في سياقات الاستعمار والاحتلال الأجنبي. وتناقش الدراسة الحرمان الجسيم والممنهج من تقرير المصير الداخلي بوصفه أساسًا محتملًا لأطروحة «الانفصال العلاجي»، مع تأكيد أن هذه الأطروحة ما تزال خلافية ولم تتحول إلى قاعدة عامة مقبولة في القانون الدولي.
وتقارن الدراسة الحالة اليمنية بنماذج دولية، من بينها كيبيك، وكوسوفو، وإريتريا، وجنوب السودان، وتفكك الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى اتحادات طوعية انحلت مثل الجمهورية العربية المتحدة واتحاد مالي والسنغامبيا. وتخلص إلى أن الحالة اليمنية لا تطابق هذه النماذج، بسبب خصوصية الاندماج الطوعي الكامل عام 1990، واستمرار الاعتراف الدولي بالجمهورية اليمنية، وغياب ترتيب قانوني يترك الشخصية السابقة قابلة للعودة المنفردة.
كما تتناول الدراسة مفاهيم فك الارتباط واستعادة دولة الجنوب والجنوب العربي بوصفها مفاهيم حاضرة في الخطاب السياسي، وتقول إن قيمتها القانونية تتوقف على مدى اتصالها بمصادر القانون الدولي والقانون الدستوري، لا على حضورها في الخطاب الإعلامي أو السياسي.
وتقر الدراسة بوجود مظالم سياسية وإدارية واقتصادية مرتبطة بالقضية الجنوبية، خصوصًا بعد حرب 1994، لكنها تميز بين الاعتراف بالمظالم وبين تحويلها مباشرة إلى حق قانوني في الانفصال. وتخلص إلى أن المعالجة الأكثر اتساقًا مع القانون الدولي والقانون الدستوري المقارن تكمن في تقرير المصير الداخلي، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والضمانات الدستورية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة داخل دولة يمنية واحدة.
وتولي الدراسة أهمية لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ولا سيما وثيقة الحل العادل للقضية الجنوبية، وتتعامل معها كإطار داخلي يمكن تطويره لمعالجة القضية الجنوبية ضمن الدولة الواحدة إذا جرى تحويلها إلى ضمانات دستورية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
وتخلص الدراسة كذلك إلى أن السيطرة الفعلية على أجزاء من الإقليم، أو صدور إعلانات سياسية أو دستورية من فاعلين غير معترف بهم دوليًا، لا تكفي لاكتساب صفة الدولة أو الحكومة أو حركة التحرر الوطني.
كما ترى أن الدعم الخارجي قد يؤثر في الوقائع وموازين القوة، لكنه لا ينشئ بذاته مركزًا قانونيًا دوليًا أو تفويضًا سياديًا.
وتكمن أهمية الدراسة في إعادة توصيف الحالة اليمنية بوصفها مطالبة بإحياء شخصية قانونية دولية انقضت باندماج طوعي كامل، إلى جانب تقديم إطار قانوني مقارن لفهم المفاهيم المتداولة في النقاش اليمني وآثارها القانونية.