فنانون من رجال البخاري (1)*
بقلم مجيب الحميدي
توطئة:
الغرض من هذه السلسلة بيان خطورة الفتاوى القطعية بتحريم الفن والغناء لما تتضمنه من الطعن في الصحابة والتابعين ونقلة الوحي والسنة النبوية من المحدثين الفقهاء المجيدين للفن والغناء و الذين روى عنهم البخاري ومسلم وأصحاب السنن آلاف الأحاديث، وتهدف السلسلة إلى تشجيع نمط التدين الرشيد القائم على الربانية الحقيقية و الالتزام الصارم في القضايا الإنسانية ومواجهة الفساد السياسي والاقتصادي، والدفاع عن الحقوق والحريات مع الانفتاح على قضايا الفن والمرأة.
ونستعرض في هذه السلسلة بعض السير الذاتية المختصرة لعدد من أعلام الفقه وأهل الحديث الذي استجابوا لنداء فطرتهم السليمية ولرهافة أحاسيسهم و رفضوا الاستسلام لمنطق الثقافة الجاهلية الذي يعتبر الغناء من خوارم المروءة وأكدوا أن الإسلام لا يحرم الأصوات لأنها جميلة أو الأنغام لأنها مؤتلفة غير متخالفة، واشتهروا بالتعبد والزهد وصرامة مواقفهم ضد الفساد السياسي والدفاع عن العدالة.
وسنقتصر على كبار المحدثين الذين أخرج لهم البخاري ومسلم وبقية أصحاب السنن آلاف الأحاديث النبوية واشتهروا بإجادة الغناء بالعود واليراع.
1- إبراهيم بن سعد- الزاهد العابد حفيد صاحب رسول الله- قاضي المدينة وأول من أجاد الغناء من الرجال: وراوي أكثر من سبعة عشر ألف حديث
نتوقف في هذه الحلقة مع أشهر المحدثين المجيدين للغناء وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابنِ صاحبِ رسول الله ، عَبد الرحمن بن عوف. الإِمام الحافظ الكبير، أبو إسحاق القرشي الزهري العوفي المدني.
أبرز من روى له:-
روى له : البخاري – مسلم – أبو داود – الترمذي – النسائي – ابن ماجه
توثيقه:-
قال عنه الشوكاني في رسالته (إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع): إبراهيم من أئمة الحديث المتوسعين في الرواية ، أخرج له الجماعة كلهم،
قال عنه أحمد بن حنبل : كان ثقة فاضلاً ولي قضاء المدينة. وقال أيضاً: أحاديثه مستقـيـمة.
وقال عنه يحيى ابن معين: ثقة، حجّة.وقال أيضاً: إبراهيـم أثبت من الولـيد بن كثـير ومن ابن إسحاق.
وقال البخاري: قال لي إبراهيـم بن حمزة: كان عند إبراهيـم بن سعد عن ابن إسحاق نـحو من سبعة عشر ألف حديث فـي الأحكام سوى الـمغازي، وإبراهيـم بن سعد من أكثر أهل الـمدينة حديثاً فـي زمانه.
وقال الدوري عن ابن معين فـي حديث جمع القرآن:
لـيس أحد حدّث به أحسن من إبراهيـم بن سعد، وقد حدّث مالك بطرف منه.
وقال أبو داود: وَلِـيَ بـيت الـمال ببغداد.
وقال ابن خراش: صدوق.
وقال عنه شعبة : كان حبيبي سعد بن ابراهيم يصوم الدهر ويختم القرآن. وقال عنه ابنه:كان أبي يحتبي ، فما يحل حبوته حتى يختم القرآن. وكان قاضي المدينة ووصفه سفيان بالصرامة والتقوى والعدل في القضاء وجاء في تاريخ دمشق أن رجلاً من بني أمية أرسل إليه مالاً لتوزيعه على الفقراء فطرد ابراهيم الرسول شر طردة فخرج الرسول وهو يتساءل هل هذا عابد أم زاهد جبّار؟!.
سماعه للغناء وإجادته له:-
قال الأدفوي : لم يختلف النقلة في نسبة الضرب بالعود إلى إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن عوف. ونقل الـخطيب أن إبراهيـم كان يُجيز الغناء بـالعود، وَوَلِـيَ قضاء الـمدينة.
وروى الخطيب البغدادي وابن عساكر وابن طاهر أن إبراهيم بن سعد زار بغداد فاستقبله الرشيد وسأله عن الغناء فأفتى بجوازه وزاره أصحاب الحديث ليسمعوا منه الحديث فسمعوه يغني:فقال أحدهم:لقد كنت حريصاً على أن أسمع منك،فأما الآن فلا سمعت منك حديثاً أبداً فانزعج على المحدثين، وحلف أنه لا يحدث حتى يغني قبله.وشاعت هذه في بغداد فبلغت هارون الرشيد فطلبه فقال إبراهيم للرشيد:لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس،فدعا له الرشيد بعود فغناه”يا أم طلحة إن البين قد أزفا ….قل الثواء لئن كان الرحيل غدا”.وسأله الرشيد:هل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شئ فقال إبراهيم أن أباه حدثه أنهم اجتمعوا في مدعاة وكان مالك أصغرهم وأقلهم فقهاً ومهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون ومع مالك دفٌ مربع وهو يغنيهم”سليمى أجمعت بينا …. فأين لقاؤها أينا”،وجاء في سير أعلام النبلاء أن إبراهيم أول من أجاد الغناء من الرجال.
المولد والوفاة:-
ولد :إبراهيم سنة 108 هـ ويعد من الطبقة من الوسطى من أتباع التابعين وتوفي سنة: 185 هـ
أهم المراجع:-
1- تهذيب التهذيب
2- تهذيب الكمال
3- لسان الميزان
4- سير أعلام النبلاء
5- تاريخ دمشق
* نشر الكاتب هذه الحلقات لأول مرة في ملحق فنون صحفية الجمهورية – تعز في 2009.