تحققت الوحدة اليمنية يوم 22 مايو 1990م برفع علم الوحدة بعد مسيرة كفاح ونضال الشعب اليمني شمالا وجنوبا، لكن تأسيسها لم يقم عل اسس مدروسة من قبل قيادتي الشطرين: – الجمهورية العربية اليمنية (شمالا)، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوبا)، وبالتالي سرعان ما انهارت وكلفت الكثير من الدمار النفسي والمعنوي الذي يعاني منه الشعب اليمني حتى هذه الذكرى الـ (33).
في واقع الأمر، إن الشعب اليمني كان أكثر تحمسا وتشوقا لقيام وحدة وطنية وفقا لأسس مدروسة ترتقي الى مصاف تضحياته التي قدم من أجلها سيل من الدماء الزكية وكانت ممكنة التحقيق من قبل الرؤساء الثلاثة :- الرئيس سالم ربيع علي، والرئيس إبراهيم الحمدي، والرئيس عبد الفتاح إسماعيل في السبعينيات من القرن الـ (20) الذين بذلوا أقصى ما بوسعهم لتتويجها إلا إنهم لم يتمكنوا من تحقيق حلمهم حينذاك لعوامل محلية، واقليمية، ودولية حالت دون قيامها.
وبكل أسف، استشهدوا جميعا، بعزة وشموخ، فداء لها، ولا ننسى أيضا استشهاد الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني جار الله عمر رفيق دربهم غيلة في 28 ديسمبر 2002 م في صنعاء في مسار التصفيات للرموز الوحدوية.
حقا، إن الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م لم تكن هي الأولى في تاريخ اليمن وإنما سبقتها (21) وحدة يمنية — يعود تأسيس الوحدة اليمنية الأولى الى يعرب بن قحطان (4000 سنة قبل الميلاد).
يجدر التنويه، بأن الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م جاءت نتيجة لزيارات مكوكية مكثفة بين وزيري الوحدة لعامين متتالين (1988- 1989م) وقيام لجان وحدوية، وقد تمخضت عن الاجتماعات توزيع المناصب بين القيادتين، الأمر الذي كان ينبئ عن مستقبل غير مطمئن لديمومة الوحدة حيث ساد الفساد واستشرى في جميع مفاصل الدولة، فضلا عن اغفال الجانب التنموي في الميادين المختلفة.
ولا يخفى على أحد، إن الرئيس الجنوبي (علي سالم البيض) كان أكثر حماساً للوحدة الاندماجية هروبا من الواقع ولأسباب اقتصادية وسياسية متردية خصوصاً بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بقيادة الإتحاد السوفييتي السابق في الفترة (1986-1990م)، ناهيك عن الصراعات القبلية للحزب الاشتراكي اليمني، وتشظيه إلى فريقين لدودين زمرة وطغمة :- (زمرة) غادرت إلى الشمال بعد حرب 13 يناير 1986م المدمرة بوقت قصير، و(طغمة) بقت تحكم في ظل اوضاع اقتصادية صعبة حتى قيام الوحدة الاندماجية مع الشمال في 22 مايو 1990م، في المقابل تردي الوضع الاقتصادي في (الشمال) جراء مواقف سياسة للنظام من الحرب العراقية – الإيرانية، وغزو الرئيس العراقي صدام حسين لــ(الكويت) لخلاف نشأ بينه وبين المسؤولين الكويتيين على عائدات حقل الرملة النفطي (الحدودي) فضلا عن عضوية اليمن في(مجلس التعاون العربي) الذي تأسس حديثا في بغداد في 16 فبراير 1989م من الدول الآتية :- العراق ، ومصر ، والأردن، واليمن (الشمال)، إضافة إلى ترسيم حدود الجمهورية اليمنية مع سلطنة عمان في 1 اكتوبر 1992م، والضغط السعودي على تنازل اليمن على الأراضي اليمنية نجران، وعسير وجيزان كل تلك الأمور نتج عنها تداعيات سلبية على اليمن في مقدمتها: تدهور العلاقات اليمنية الخليجية، و قيام المملكة العربية السعودية بطرد مئات الآلاف من العمال اليمنيين، وكانت العقوبات الأقسى والأمر على الوضع الاقتصادي في اليمن قبل وبعد الوحدة وبما يخالف أحد البنود الرئيسة في منصوص معاهدة الطائف بالنسبة للعمالة اليمنية والتسهيلات اللازمة لهم تزامن ذلك مع فتور العلاقات الخليجية مع اليمن .
من ناحية أخرى، بقى جنوب اليمن محط اطماع دول الخليج خصوصا السعودية، والإمارات اللتين كانتا تترقبان الفرصة تجاه إحباط أي مسعى وحدوي لليمن لولا ظروف محلية واقليمية، ودولية، حالت دون تحقيق مراميهما في ذلك الوقت.
في سياق آخر، جاءت الوحدة كيفما اتفق،، واتضح ذلك جليا في مسار الوحدة، خلال أربع سنوات عجاف، والتي كان من أبرز سماتها كما سبق أن ذكرت، تقاسم المناصب في المؤسسات المختلفة، ومنها ديوان عام وزارة الخارجية والبعثات الديبلوماسية، والمؤسسة العسكرية: الجيش والأمن.. الخ، وسط أجواء سياسية مشحونة بالخلافات، الأمر الذي مهد لانهيار الوفاق الوحدوي السياسي الهش بين القيادتين خاصة بعد الانتخابات النيابية لمجلس النواب عام 1993م، ونيل حزب التجمع اليمني للإصلاح الحزب الوافد (الجديد) على المرتبة الثانية في الانتخابات النيابية بعد المؤتمر الشعبي العام.
وبناء عليه، اعتبر الحزب الاشتراكي الشريك في الوحدة أنه قد خرج من المعادلة المتفق عليها لقيام الوحدة بين شريكين، تزامن ذلك مع عدة عوامل منها تدني سعر العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية والانهيار الاقتصادي ، وانتشار الفوضى في ربوع البلاد، وجاء المردود الوحدوي بتفاصيله سلبيا على الشعب في الميادين التنموية المختلفة.
بالتأكيد، لم تكن الوحدة – حسب مراقبين – سوى رفع الرئيس علي عبد الله صالح راية الوحدة، وبجانبه نائبه علي سالم البيض —بعد سبعة عقود من انتهاء الوحدة اليمنية الحادية والعشرين (21) —واللذان قفزا على أسوار الوحدة دون ترتيب يذكر لضمان مستقبل دولة الوحدة على أسس راسخة، فجاء البنيان خبط عشواء.
وبالتالي، فإن ما يقوم على أسس غير قويمة لا بد وأن يتداعى بناؤه مهما طال الزمن او قصر.
يقيناً، كانت النتيجة لا ترقى إلى مستوى الحدث العظيم لشعب اليمن الموحد تاريخياً حيث ساد عدم التفاهم بين القيادتين فكثرت المماحكات، والمناكفات السياسية، والاغتيالات، أدى ذلك الوضع إلى وساطة حميدة، قام بها العاهل الاردني /الملك حسين بن طلال في 18 يناير 1994م،، وبحضوره تم التوقيع على (وثيقة العهد والاتفاق) في العاصمة الأردنية (عمان) لرأب الصدع بين الجانبين الموقعين على قيام الوحدة السياسية.
وبعد التوقيع على الوثيقة، توجه نائب رئيس الجمهورية علي سالم البيض إلى (عدن) بدلا من (صنعاء) وهو ما كان متوقعا سيما بعد عودته من التطبيب في (واشنطن) حاملا معه ورقة الانفصال.
تسارعت الأحداث، ونشبت الحرب في مايو 1994م، وانتهت بعد شهرين تحديدا في 7 يوليو حيث غادر نائب الرئيس البيض، ومن معه إلى (سلطنة عمان) معلنا (الانفصال) من جانب واحد والذي لم يتم نظرا لوقوف الشعب اليمني مسانداً للوحدة بصرف النظر عن أهواء القيادتين ومشاريعهما ناهيك عن موقف د. الاخضر الإبراهيمي مندوب الأمين العام للأمم المتحدة د. بطرس غالي إلى اليمن المساند للوحدة اليمنية، وفي أجواء دولية كانت ضد تشطير اليمن.
وعلى صعيد آخر، لعبت كل من (السعودية)، و(الإمارات) دوراً سلبياً، حيث انحازتا إلى (الانفصال) ، فقد ظهر ذلك جلياً من خلال تحركات الأمير/ بندر بن سلطان السفير السعودي في دهاليز الإدارة الأميركية في (واشنطن) والأمم المتحدة، سعيا لفصل (الجنوب) عن (الشمال)، في حين تعالت الأصوات في إعلام دولة (الإمارات) وترديدها عبارة (يا فرحة ما تمت) وكان موقف (الشيخ زائد بن سلطان آل نهيان) إلى جانب (الانفصال) “حتى لو كلفه الأمر بأن يدفع العشرات من مليارات الدولارات لتحقيقه”… وما “أشبه اليوم بالبارحة” .
وفي هذا السياق، وللإنصاف كان موقف كل من دولة قطر وسلطنة عمان خلال تلك الفترة وديا ومتميزاً عن بقية الدول الخليجية الأخرى.
ولنا أمل عظيم كشعب، أن تلتئم الكتل السياسية، والمجتمعية اليمنية شمالا وجنوبا من واقع مسئول، وذلك للحوار بالسرعة الممكنة، لإنهاء الاقتتال الداخلي،، ووضع حد للتدخلات الخارجية بشؤون بلادنا الداخلية، والحفاظ على سيادة الجمهورية اليمنية، واستقلالها، وامنها، واستقرارها، ووحدتها وفقا لميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
يقينا، إن الوضع في اليمن خطير جدا بعد حرب ضروس داخلية – داخلية، وخارجية – داخلية طالت لمدة ثمان سنوات عجاف وبدت الأطماع في جزر، وموانئ، وأراض يمنية.
جوهر القول، كلنا نأمل أن تأتي المناسبة القادمة واليمن تنعم – بعون الله – بالأمن والأمان والاستقرار في دولة موحدة على أسس وطنية شعبية راسخة.
حفظ الله اليمن وأهلها.
اقرأ للكاتب أيضا في اليمنيون