مركز يمنيون للدراسات
ملخص
تقدم هذه القراءة النقدية عرضًا تحليليًا لدراسة «التجنيد العسكري العابر للحدود في النزاعات الممتدة: المسارات اليمنية إلى الحرب الروسية الأوكرانية: الدوافع البنيوية، وآليات التشغيل، والتحليل القانوني الدولي»، التي أعدها الباحثان نجيب أحمد محمد وفيصل علي، ونشرت في العدد الأول من مجلة Multidisciplinary International Research Journal (MIRJ) لعام 2026، الصادرة عن دار لندن للنشر الأكاديمي. وتناقش القراءة أهمية الدراسة في نقل ظاهرة تجنيد يمنيين مرتبطين بالحرب الروسية الأوكرانية من مستوى الخبر الصحفي والتوثيق الحقوقي إلى مستوى التحليل الأكاديمي، من خلال الربط بين الحرب اليمنية، والهشاشة الاقتصادية، وشبكات الوساطة، والقانون الدولي، ومتطلبات الحرب الحديثة. كما تتوقف عند الإضافة النظرية الأبرز في الدراسة، والمتمثلة في مفهوم «الاتجار العسكري المدفوع بالنزاعات» بوصفه إطارًا تحليليًا أوليًا لفهم الحالات التي تتداخل فيها الحاجة الاقتصادية، والخداع أو الإكراه، والعمل العسكري أو شبه العسكري في بيئة نزاع مسلح.
مقدمة
تتناول هذه القراءة النقدية دراسة أكاديمية حديثة بعنوان «التجنيد العسكري العابر للحدود في النزاعات الممتدة: المسارات اليمنية إلى الحرب الروسية الأوكرانية: الدوافع البنيوية، وآليات التشغيل، والتحليل القانوني الدولي»، أعدها الباحثان نجيب أحمد محمد وفيصل علي، ونشرت في العدد الأول من مجلة Multidisciplinary International Research Journal (MIRJ) عام 2026، في الصفحات 37-63.
تنتمي الدراسة إلى حقل بحثي متداخل يجمع بين دراسات النزاعات المسلحة، والاقتصاد السياسي للحرب، والهجرة القسرية، والاتجار بالبشر، والعمل القسري، والقانون الدولي. ومن هذه الزاوية، لا تتعامل الدراسة مع انتقال يمنيين إلى روسيا في سياق الحرب الروسية الأوكرانية بوصفه خبرًا عابرًا أو واقعة أمنية منفصلة، بل بوصفه ظاهرة تكشف عن تحولات أوسع في بنية الحروب المعاصرة، وفي قدرة النزاعات الممتدة على إنتاج هشاشة بشرية قابلة للاستغلال خارج حدودها الوطنية.
تنبع أهمية الدراسة من أنها تشتغل على واقعة ما تزال في طور التشكل، بدأت تظهر منذ منتصف عام 2024، حين وثقت تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية ووثائق حكومية دولية انتقال يمنيين إلى روسيا عبر شبكات وساطة وتجنيد، قبل وصول بعضهم إلى معسكرات تدريب أو بيئات مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية. غير أن الدراسة لا تقف عند سرد الوقائع، بل تحاول تفسير الشروط التي جعلتها ممكنة، والآليات التي حولت الحاجة الاقتصادية إلى مسار عبور عسكري عابر للحدود، والإشكالات القانونية التي تطرحها عقود العمل، والرضا، والخداع، وحرية الانسحاب.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها لمركز يمنيون للدراسات لأنها تضع بين يدي القارئ العربي معالجة نقدية لدراسة منشورة بالإنجليزية، بما يسهم في جعل المركز مصدرًا عربيًا للباحثين المهتمين بتحولات الحرب اليمنية، والشتات اليمني، والاقتصاد السياسي للنزاعات، والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
إشكالية الدراسة وسؤالها المركزي
تنطلق الدراسة من سؤال رئيس: كيف يتحول أفراد قادمون من مجتمع يعيش حربًا ممتدة وأزمة إنسانية حادة إلى جزء من منظومة تجنيد مرتبطة بحرب تقع خارج حدود بلادهم؟ ولا يكتفي هذا السؤال بتوصيف انتقال أفراد من اليمن إلى روسيا، بل يتجاوز ذلك إلى البحث في العلاقة بين بنية الهشاشة داخل اليمن، وشبكات الوساطة والنقل، والطلب العسكري المتولد عن الحرب الروسية الأوكرانية.
وتطرح الدراسة سؤالًا نظريًا وقانونيًا مهمًا: هل تكفي الأطر القائمة، مثل المرتزقة والمقاتلين الأجانب والاتجار بالبشر، لتفسير الحالات اليمنية الموثقة، أم أن الظاهرة تحتاج إلى إطار تحليلي جديد يربط بين النزاعات الممتدة والهشاشة الاقتصادية وشبكات التجنيد العسكري العابرة للحدود؟
قيمة هذا السؤال أنه ينقل النقاش من إدانة الأفراد أو التعاطف معهم إلى فهم البنية التي جعلت الاستقطاب ممكنًا. فالدراسة لا تقدم المجندين بوصفهم ضحايا بلا إرادة، ولا تقدمهم فاعلين أحرارًا بالكامل خارج شروط الحرب والفقر والوساطة، بل تحاول الإمساك بالمنطقة الرمادية بين الحاجة، والاختيار المحدود، والخداع، وتقييد القدرة على الانسحاب.
وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الدراسة: فهي لا تختزل الظاهرة في الفقر وحده، ولا في الدافع المالي وحده، ولا في القرار الفردي وحده. فالفقر، بحسب منطق الدراسة، عامل مساعد، لكنه لا يفسر بمفرده وجود عقود، ومسارات عبور، وشبكات نقل، وواجهات تجارية، وتنسيق عابر للحدود. ولذلك تميز الدراسة بين الحاجة الاقتصادية بوصفها دافعًا فرديًا، وبين منظومة الوساطة التي تحول هذا الدافع إلى عملية تجنيد فعلية.
المنهجية: التثليث متعدد المصادر
تعتمد الدراسة منهجية نوعية استكشافية قائمة على ما تسميه «التثليث متعدد المصادر». ويعني ذلك أنها لا تبني استنتاجاتها على مصدر واحد، بل تجمع بين تقارير حقوقية، وتحقيقات استقصائية، ووثائق حكومية ودولية، ومواد صحفية، وبعض الأدلة الأولية المتاحة، ثم تخضعها للتحليل الموضوعي والقانوني وتحليل المخاطر.
تبدو هذه المنهجية مناسبة لطبيعة الظاهرة، لأنها تتناول شبكة عابرة للحدود تعمل في بيئة نزاع، ويصعب الوصول المباشر إلى جميع أطرافها أو بناء قاعدة بيانات كاملة حولها. كما أن تنوع المصادر يساعد على تقليل مخاطر الاعتماد على رواية واحدة، ويمنح الدراسة قدرة على الربط بين الوقائع الجزئية والسياق الأوسع.
غير أن هذه المنهجية تحمل حدودها في الوقت نفسه. فالدراسة تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر ثانوية، ولم تقدم مقابلات ميدانية واسعة مع المجندين أو أسرهم أو الوسطاء المحليين، كما لم تنشئ قاعدة بيانات مستقلة لجميع الحالات. وهذا لا يبطل نتائجها، لكنه يفرض الحذر في تعميم الاستنتاجات المتعلقة بالدوافع الفردية والتجارب الشخصية ومسارات العبور الدقيقة.
وتحسن الدراسة صنعًا حين تعترف بهذا الحد المنهجي، فلا تقدم نفسها باعتبارها تحقيقًا جنائيًا مكتملًا أو تقريرًا حقوقيًا نهائيًا، بل باعتبارها دراسة تفسيرية تسعى إلى فهم الآليات والشروط البنيوية والقانونية للظاهرة. وهذه نقطة مهمة؛ لأن قيمة الدراسة لا تكمن في أنها تقدم ملف إثبات نهائيًا، بل في أنها تنقل موضوعًا متشظيًا من مستوى الوقائع المتفرقة إلى مستوى الإطار التحليلي القابل للنقاش والتطوير.
السياق المنتج للظاهرة
تبدأ الدراسة من فرضية أن تجنيد يمنيين في سياق الحرب الروسية الأوكرانية لا يمكن فهمه من خلال الوقائع الروسية أو الأوكرانية وحدها. فالظاهرة تنشأ عند التقاء مسارين: الحرب اليمنية الممتدة منذ عام 2015، والحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت عام 2022. أنتج المسار الأول هشاشة اقتصادية واجتماعية عميقة داخل اليمن، بينما أنتج المسار الثاني طلبًا متزايدًا على الموارد البشرية المرتبطة بالمجهود العسكري الروسي.
توضح الدراسة أن الحرب اليمنية لم تترك أثرها في الجانب العسكري والأمني فقط، بل أعادت تشكيل سوق العمل، ومستويات الدخل، وفرص التعليم، وقدرة المؤسسات العامة على أداء وظائفها. ومع تراجع الدخل، واتساع الفقر والبطالة، واعتماد فئات واسعة من السكان على المساعدات والتحويلات الخارجية، أصبحت عروض العمل الخارجية أكثر إغراء، خصوصًا عندما تقدم برواتب تتجاوز بكثير ما يمكن للفرد الحصول عليه داخل اليمن.
لكن الدراسة لا تقف عند هذا العامل. فهي ترى أن الحاجة الاقتصادية لا تتحول تلقائيًا إلى تجنيد عسكري عابر للحدود إلا حين تجد شبكة وسيطة قادرة على الاستقطاب، والتنظيم، والنقل، وترتيب العقود، وإدارة مسارات العبور. ومن هنا، فإن الظاهرة نتاج تفاعل بين الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في اليمن، وشبكات الوساطة والتنظيم، والطلب العسكري الناتج عن الحرب الروسية الأوكرانية.
وتلفت الدراسة إلى أن الحالة اليمنية ظهرت ضمن سياق أوسع شمل تقارير عن مواطنين من نيبال وكوبا والهند وبعض الدول الإفريقية، لكنها تكتسب خصوصيتها من أن المجندين يأتون من بلد يعيش حربًا ممتدة وانقسامًا سياسيًا وأزمة إنسانية. ومن هذه الزاوية، لا تقدم الدراسة اليمن بوصفه مصدرًا بشريًا للتجنيد فقط، بل بوصفه حالة كاشفة لكيفية إنتاج النزاعات الطويلة أنماطًا جديدة من الاستقطاب العسكري العابر للحدود.
شبكات الوساطة ومسارات العبور
بعد تحليل الشروط البنيوية، تنتقل الدراسة إلى المستوى التشغيلي، حيث تركز على الشبكات التي تولت عمليات الاستقطاب والنقل والعبور. ويبرز في هذا السياق اسم عبد الولي عبده حسن الجابري بوصفه الشخصية المحورية المرتبطة بعمليات التجنيد والنقل، وفق ما تعرضه الدراسة اعتمادًا على تقارير حقوقية واستقصائية ووثائق حكومية.
وتشير الدراسة إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فرضت في 5 مارس/آذار 2025 عقوبات على الجابري وشبكته بموجب الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 13224. واعتبرت الوزارة أن الجابري شارك في عمليات نقل وتجنيد يمنيين للعمل ضمن المنظومة العسكرية الروسية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وأن هذه الأنشطة شكلت مصدرًا ماليًا للحوثيين.
تمنح الدراسة هذا القرار أهمية خاصة لأنه يقدم اعترافًا رسميًا بوجود شبكة منظمة مرتبطة بالظاهرة، ويتقاطع مع ما سبق أن نشرته مؤسسات إعلامية ومنظمات حقوقية. ومع ذلك، تحافظ الدراسة على لغة حذرة، فلا تتعامل مع القرار بوصفه حكمًا قضائيًا نهائيًا، بل بوصفه جزءًا من الأدلة المتاحة التي تحتاج إلى قراءة قانونية وتحليلية.
وتوضح الدراسة أن عمليات التجنيد لم تتم عبر مكاتب عسكرية معلنة، بل عبر واجهات مدنية وشركات تجارية ووسطاء محليين. كما تصف مسارات العبور بوصفها سلسلة متعددة المراحل تبدأ من اليمن، وتمر غالبًا عبر سلطنة عمان أو محطات أخرى، قبل الوصول إلى روسيا. وهذا المسار المنظم، في قراءة الباحثين، يدل على أن الأمر لا يتعلق بانتقال أفراد بصورة عشوائية، بل بعملية تشغيلية متكررة تتطلب تنسيقًا ماليًا ولوجستيًا وإداريًا.
وتكشف هذه النقطة عن جانب مهم في الدراسة: فالشبكات لا تعمل بوصفها وسيطًا محايدًا بين راغب في العمل وجهة توظيف، بل بوصفها بنية تحويل للحاجة الاقتصادية إلى علاقة عمل عسكري أو شبه عسكري، قد يصعب على الفرد التحكم في مسارها بعد الخروج من بلده.
الشهادات والوقائع الميدانية
تربط الدراسة بين تحليل الشبكات وبين التجربة التي عاشها الأفراد الذين انتقلوا عبر تلك المسارات. وتشير المادة التي اعتمدت عليها إلى أن عددًا من اليمنيين تلقوا عروضًا للعمل في وظائف مدنية أو أمنية أو خدمية داخل روسيا، مع وعود برواتب مرتفعة، وإمكانية الحصول على إقامة أو جنسية، أو تحقيق استقرار مالي للأسرة.
غير أن بعض الشهادات التي اعتمدت عليها الدراسة تشير إلى أن القتال في أوكرانيا لم يكن جزءًا واضحًا من التصور الأولي، أو لم يشرح للأفراد بما يسمح لهم بتقدير طبيعة المخاطر. كما تتناول الدراسة وقائع تحدثت عنها تقارير حقوقية، من بينها انتقال بعض المجندين من مراحل الاستقبال أو التدريب إلى بيئات عمل أو قتال مختلفة عن التوقعات، ومصادرة وثائق أو هواتف، وفرض قيود على الحركة والتواصل، ووجود صعوبات في الانسحاب أو العودة بعد الوصول.
وتتوقف الدراسة كذلك عند وضع الأفراد الذين رفضوا المشاركة في القتال، حيث تشير بعض المصادر إلى توجيههم إلى أعمال لوجستية أو شاقة مرتبطة بالمجهود الحربي، مثل حفر الخنادق أو أعمال البناء العسكرية.
تكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من السؤال الأخلاقي العام إلى السؤال القانوني المحدد: هل كان الرضا قائمًا على معلومات كافية؟ وهل احتفظ الأفراد بحرية حقيقية في الانسحاب؟ وهل يمكن اعتبار بعض الأعمال المفروضة بعد الوصول شكلًا من أشكال العمل القسري أو الاستغلال المرتبط بنزاع مسلح؟
ويحسب للدراسة أنها لا تعمم الحكم على جميع اليمنيين الموجودين في روسيا، ولا تمد الاستنتاج تلقائيًا إلى كل شخص التحق طوعًا وبصورة واعية بجهة عسكرية أجنبية. فهي تقصر تحليلها على الحالات التي تتوافر فيها مؤشرات الخداع أو الإكراه أو استغلال الضعف أو تقييد حرية الانسحاب. هذا الانضباط يرفع من قيمة التحليل ويحد من التعميم غير المسنود.
الإسهام النظري: الاتجار العسكري المدفوع بالنزاعات
يمثل مفهوم Conflict-Driven Military Trafficking، أو «الاتجار العسكري المدفوع بالنزاعات»، الإسهام النظري الأبرز في الدراسة. يقترح الباحثان هذا المفهوم لمعالجة فراغ تفسيري بين ثلاثة أطر قائمة: المرتزقة، والمقاتلون الأجانب، والاتجار بالبشر.
فمفهوم المرتزق في القانون الدولي يقوم على شروط محددة تتعلق بالدافع المالي، والمشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، والانتماء إلى أطراف النزاع، وهي شروط يصعب إثباتها مجتمعة في كثير من الحالات المعاصرة. أما أدبيات المقاتلين الأجانب فقد نشأت أساسًا لدراسة أفراد يعبرون الحدود بدوافع أيديولوجية أو دينية أو سياسية. وفي المقابل، تركز أدبيات الاتجار بالبشر على عناصر الفعل والوسيلة والغرض، لكنها لا تفرد عادة إطارًا خاصًا للحالات التي يكون فيها الاستغلال ذا طبيعة عسكرية مرتبطة بنزاع مسلح.
من هنا ترى الدراسة أن الحالة اليمنية تقع عند تقاطع هذه الحقول دون أن تنتمي بالكامل إلى أي منها. فبعض الحالات لا تتطابق مع نموذج المرتزق التقليدي، ولا مع نموذج المقاتل الأجنبي الواعي بدوافعه السياسية أو الأيديولوجية، كما أن وصفها بالاتجار بالبشر وحده قد لا يوضح الخصائص العسكرية الخاصة للظاهرة.
يقوم المفهوم المقترح على ثلاثة شروط ضرورية: وجود رضا مشوب بعيب جوهري ناتج عن الخداع أو التضليل أو الإكراه أو استغلال الضعف؛ ارتباط الخدمة أو النشاط بمنطقة نزاع مسلح؛ ووجود شبكة وسيطة تمتلك القدرة على التنظيم أو النقل أو الاستقطاب. كما تضيف الدراسة خصيصتين شائعتين: أن يأتي المجندون من مجتمع يعاني نزاعًا ممتدًا أو أزمة إنسانية حادة، وأن تتضمن العملية انتقالًا عبر الحدود. أما الشروط الكافية فتشمل الوصول إلى بيئة قتال أو أعمال مرتبطة بالمجهود الحربي، وعدم توافر حرية حقيقية للانسحاب، ووجود نمط منظم ومتكرر.
قيمة هذا المفهوم أنه يمنع الخلط بين ثلاث حالات مختلفة: شخص يسافر واعيًا للقتال مقابل المال، وشخص يسافر بدافع أيديولوجي، وشخص يدخل شبكة استقطاب قائمة على وعود عمل أو معلومات ناقصة ثم يجد نفسه داخل بيئة عسكرية لا يستطيع مغادرتها بسهولة. كما يساعد المفهوم على ربط مسؤولية الشبكات بمسؤولية البيئة التي تسمح لها بالعمل، وبمسؤولية الجهات التي تستفيد من مخرجاتها البشرية.
ومع ذلك، يظل المفهوم في مرحلته الأولى. فهو يحتاج إلى اختبارات مقارنة في حالات أخرى قبل اعتباره إطارًا عامًا مستقرًا. وقد يجادل بعض الباحثين بأن توسيع إطار الاتجار بالبشر يكفي، أو أن الظاهرة أقرب إلى نمط من المقاتلين الأجانب ذوي الدوافع الاقتصادية. لكن قوة الدراسة تكمن في أنها فتحت هذا النقاش، وقدمت له شروطًا تحليلية واضحة، بدل ترك الظاهرة عالقة بين تصنيفات قانونية وبحثية غير كافية.
التحليل القانوني الدولي
يتناول التحليل القانوني في الدراسة ثلاثة محاور أساسية: الاتجار بالبشر، والعمل القسري، ومسؤولية الدول. يبدأ الباحثان من بروتوكول باليرمو، الذي يقوم على عناصر الفعل والوسيلة والغرض. وتشير الدراسة إلى أن الحالات الموثقة تتضمن، بدرجات متفاوتة، عناصر التجنيد والنقل والاستقبال، إلى جانب مؤشرات الخداع أو استغلال الضعف، وغرض الاستغلال في بيئة عسكرية أو مرتبطة بالمجهود الحربي.
وتمنح الدراسة أهمية خاصة لمسألة الرضا. فوجود توقيع أو موافقة شكلية لا يحسم المسألة قانونيًا إذا كان القرار قائمًا على معلومات ناقصة أو مضللة، أو إذا لم يكن الشخص على علم حقيقي بطبيعة العمل والمخاطر. ومن هنا تركز الدراسة على الفجوة بين ما وعد به بعض المجندين وما واجهوه بعد الوصول.
ثم تنتقل الدراسة إلى اتفاقية العمل الجبري رقم 29، وتناقش الاستثناء المتعلق بالخدمة العسكرية، موضحة أن هذا الاستثناء يرتبط بالخدمة الوطنية داخل الدولة، ولا يمتد تلقائيًا إلى خدمة عسكرية لصالح دولة أجنبية. وبناء على ذلك، ترى أن بعض الوقائع الموثقة قد تثير أسئلة حول العمل الجبري، خصوصًا في الحالات التي تتضمن تقييد حرية الانسحاب أو فرض أعمال مرتبطة بالمجهود الحربي على أفراد لا يرغبون في أدائها.
وتتناول الدراسة كذلك الإطار القانوني الخاص بالمرتزقة، لكنها ترى أنه محدود القدرة على تفسير الحالة المدروسة، بسبب صعوبة استيفاء شروط تعريف المرتزق في القانون الدولي المعاصر. ولذلك تفضل الاعتماد على إطار الاتجار بالبشر والعمل القسري ومسؤولية الدول، باعتباره أكثر قدرة على استيعاب الوقائع المتاحة.
وفي مستوى مسؤولية الدول، تناقش الدراسة مسؤوليات محتملة للجهات الروسية التي استفادت من عمليات التجنيد أو شاركت فيها، ومسؤولية الدولة اليمنية من زاوية الحماية القنصلية ومنع الاتجار بمواطنيها، ومسؤولية دول العبور أو الجهات التي سهلت النقل والتشغيل. وتكشف هذه المعالجة أن القضية لا تنتهي عند سؤال: من جند؟ بل تمتد إلى سؤال أوسع: من عرف، ومن سهل، ومن استفاد، ومن كان ملزمًا بالحماية أو المنع ولم يفعل؟
ويمثل الانضباط القانوني أحد عناصر قوة الدراسة. فهي لا تقدم هذه المسؤوليات بوصفها أحكامًا نهائية، بل بوصفها مسائل قانونية تثيرها الوقائع المتاحة وتحتاج إلى أدلة إضافية. غير أن قوة الاستنتاجات القانونية تبقى مرتبطة بمدى موثوقية الوقائع التي قدمتها المصادر الحقوقية والإعلامية، وبإمكانية التحقق المستقل منها في المستقبل.
المخاطر والحماية القنصلية
من العناصر المهمة في الدراسة أنها لا تكتفي بوصف مسارات التجنيد، بل تنتقل إلى تحليل المخاطر التي يواجهها الأفراد بعد وقوعهم داخل هذه الشبكات. وتشمل هذه المخاطر السلامة الجسدية، والمساءلة القانونية، وفقدان القدرة على العودة، والضغط النفسي، والانقطاع عن الأسرة، والتعرض لأشكال من العمل القسري أو المشاركة في بيئات قتالية لم تكن واضحة منذ البداية.
كما تحسن الدراسة صنعًا حين تمتد إلى حق العودة والحماية القنصلية. فهذه الزاوية غالبًا ما تهمل في النقاش العام، مع أنها تمس الحقوق العملية للأفراد بعد انتقالهم. فالتحليل القانوني هنا لا يتوقف عند توصيف الفعل، بل يسأل أيضًا عن واجبات الدولة الأصلية، ودول العبور، والجهات المستفيدة من التجنيد. وهذه مستويات تجعل القضية أوسع من مجرد عقد عمل مشكوك فيه أو مشاركة عسكرية خارجية.
ومن منظور يمني، تمثل هذه النقطة أهمية خاصة، لأن ضعف الحماية القنصلية في بيئات النزاع لا يترك الأفراد وحدهم في الخارج فحسب، بل يكشف أيضًا أثر الانقسام السياسي والانهيار المؤسسي على قدرة الدولة على متابعة مواطنيها وحمايتهم.
القيمة العلمية للدراسة
في حدود الأدبيات التي اطلع عليها الباحثان، تمثل الدراسة واحدة من أوائل المحاولات الأكاديمية المخصصة لتحليل الحالة اليمنية في سياق التجنيد العسكري العابر للحدود المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية. وتظهر مساهمتها في نقل النقاش من مستوى التوثيق الصحفي والحقوقي إلى مستوى التفسير الأكاديمي، وفي الجمع بين الاقتصاد السياسي للحرب، وشبكات التجنيد، والقانون الدولي، ومفهوم نظري جديد قابل للنقاش والتطوير.
وتكمن قوة الدراسة في أربعة جوانب رئيسية. أولًا، أنها تربط بين الحرب اليمنية والحرب الروسية الأوكرانية دون الوقوع في تفسير خطي بسيط؛ فالحرب الأولى أنتجت الهشاشة، والثانية أنتجت الطلب، وشبكات الوساطة عملت عند نقطة الالتقاء بينهما. ثانيًا، أنها تميز بين الفقر بوصفه عاملًا مساعدًا وبين البنية التشغيلية التي تحول الحاجة إلى تجنيد. ثالثًا، أنها تتجنب الأحكام القانونية القطعية، وتستخدم لغة حذرة ومنضبطة. رابعًا، أنها تقترح مفهومًا نظريًا جديدًا يفتح بابًا لمزيد من البحث المقارن.
ومن الناحية التحريرية الأكاديمية، تكتسب الدراسة قيمتها لأنها تنقل اليمن من موقع الحالة الإنسانية المنكوبة إلى موقع الحالة التحليلية القادرة على تفسير تحول أوسع في بنية الحروب المعاصرة. فاليمن هنا ليس خلفية للمعاناة فقط، بل مدخل لفهم كيف تتحول المجتمعات المنهكة إلى فضاءات قابلة للاستغلال في حروب بعيدة.
حدود الدراسة ومجالات التطوير
رغم أهمية الدراسة، فإنها تواجه حدودًا واضحة. أول هذه الحدود الاعتماد الكبير على مصادر ثانوية، بما في ذلك التقارير الحقوقية والتحقيقات الصحفية والوثائق الحكومية. وهذا الاعتماد مفهوم بسبب طبيعة الظاهرة وصعوبة الوصول الميداني، لكنه يظل قيدًا على قوة الاستنتاجات المتعلقة بالتجارب الفردية والدوافع الشخصية.
ثانيًا، تحتاج الدراسة إلى توسيع ميداني لاحق عبر مقابلات مباشرة مع المجندين وأسرهم، ومقابلات مع وسطاء محليين إن أمكن، وتحليل أوثق لمسارات العودة أو الاحتجاز أو الانسحاب. فالشهادات المنقولة عبر الإعلام والمنظمات الحقوقية توفر مادة أولية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء خريطة دقيقة لجميع الأدوار والمسارات.
ثالثًا، يحتاج مفهوم «الاتجار العسكري المدفوع بالنزاعات» إلى اختبارات مقارنة في حالات أخرى، مثل الحالات النيبالية والكوبية والإفريقية والهندية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، أو حالات تاريخية أخرى شهدت استقطابًا عسكريًا من مجتمعات هشة إلى نزاعات خارجية.
رابعًا، يمكن للدراسة أن تستفيد في مراحل لاحقة من بناء قاعدة بيانات مقارنة، ولو محدودة، تشمل نوع العرض المقدم، ومسار السفر، وطبيعة العقد، ودرجة وضوح المخاطر، وإمكانية الانسحاب، ومصير الأفراد بعد الوصول. مثل هذه القاعدة ستساعد على الانتقال من التحليل الاستكشافي إلى تحليل أكثر انتظامًا.
وبالنظر إلى الطبيعة الاستكشافية للدراسة، يمكن أن تتجه الأبحاث اللاحقة إلى أربعة مسارات مكملة: إجراء مقابلات ميدانية مع مجندين سابقين وأسرهم متى ما توفرت الشروط الأخلاقية والأمنية المناسبة؛ بناء قاعدة بيانات أولية للحالات والمسارات والعقود؛ اختبار مفهوم «الاتجار العسكري المدفوع بالنزاعات» على حالات مقارنة مثل نيبال وكوبا وبعض الدول الإفريقية؛ وتطوير ورقة قانونية مستقلة حول مسؤولية الدولة والحماية القنصلية. ولا تعني هذه المسارات أن القراءة الحالية مطالبة بإنجاز هذا العمل الميداني، بل إنها تحدد ما يحتاجه الحقل البحثي لاحقًا حتى ينتقل من التفسير الأولي إلى التوثيق المقارن والتحليل القانوني الأعمق.
هذه الحدود لا تنتقص من قيمة الدراسة، بل تحدد موقعها العلمي بدقة: إنها مساهمة تأسيسية في موضوع لا يزال في بداياته البحثية، وليست خاتمة نهائية للنقاش.
موقع الدراسة في الدراسات اليمنية
تفتح الدراسة بابًا مهمًا أمام الدراسات اليمنية، لأنها توسع مجال البحث من السياسة المحلية والإغاثة الإنسانية إلى الاقتصاد السياسي العابر للحدود والقانون الدولي وتحولات الحرب المعاصرة. فاليمن لا يظهر هنا بوصفه مسرحًا للحرب الداخلية فقط، بل بوصفه مجتمعًا تتقاطع هشاشته مع نزاعات دولية بعيدة، وتؤثر أوضاعه الداخلية في مسارات حركة بشرية وعسكرية عابرة للحدود.
كما تضع الدراسة مسؤولية جديدة أمام الباحثين اليمنيين: توثيق وتحليل آثار الحرب اليمنية خارج الجغرافيا اليمنية، سواء في الشتات، أو في أسواق العمل الهشة، أو في شبكات الوساطة، أو في مسارات التجنيد والاستغلال. فالظاهرة التي تناقشها الدراسة ليست مجرد امتداد للحرب الروسية الأوكرانية، بل هي أيضًا نتيجة متأخرة للحرب اليمنية وانهيار شروط الحماية والعيش داخل البلد.
ومن هذه الزاوية، تصلح الدراسة لأن تكون نقطة انطلاق لبرنامج بحثي أوسع داخل مركز يمنيون للدراسات حول اليمنيين في شبكات العمل العسكري العابر للحدود، ومسؤولية الدولة والمجتمع الدولي في حماية مواطني الدول الهشة من أن يتحولوا إلى مورد بشري في حروب الآخرين.
خاتمة
تنجح الدراسة في تقديم قراءة مركبة لظاهرة تجنيد يمنيين مرتبطين بالحرب الروسية الأوكرانية، من خلال ربطها بالحرب اليمنية، والهشاشة الاقتصادية، وشبكات الوساطة العابرة للحدود، ومتطلبات الحرب الحديثة، والقانون الدولي. وهي بهذا المعنى لا تقدم إضافة تخص اليمن وحده، بل تضع الحالة اليمنية داخل سؤال عالمي يتصل بكيفية استثمار الحروب الحديثة في هشاشة المجتمعات المتأثرة بنزاعات سابقة أو مستمرة.
يظل مفهوم «الاتجار العسكري المدفوع بالنزاعات» أبرز إضافاتها النظرية، لأنه يفتح نقاشًا جديدًا حول الحالات التي تتداخل فيها الحاجة الاقتصادية، والخداع أو الإكراه، وشبكات النقل، والخدمة العسكرية أو العمل القسري في بيئة نزاع. وفي الوقت نفسه، تبقى حدود الدراسة واضحة في اعتمادها على مصادر ثانوية وحاجتها إلى دراسات ميدانية ومقارنات دولية أوسع.
وبذلك تقدم الدراسة مساهمة أكاديمية مبكرة تستحق الاهتمام، لأنها تضع الحالة اليمنية داخل نقاش دولي أوسع حول تحولات الحروب المعاصرة، وأنماط الحركة البشرية، والتجنيد، والاستغلال في زمن النزاعات الممتدة. وهي، في صورتها النهائية، لا تغلق النقاش، بل تفتحه، وتمنح الباحثين العرب واليمنيين إطارًا أوليًا قابلًا للتطوير والنقد والاختبار.
ملاحظة تحريرية:
تستند هذه القراءة إلى دراسة أكاديمية شارك الكاتب في إعدادها مع الباحث نجيب أحمد محمد، ونُشرت في مجلة Multidisciplinary International Research Journal (MIRJ) عام 2026.