يوم القهوة اليمنية ماليزيا 2026
إعلان

اسم مصر الذي جعل التوراتيين العرب في التيه أربعين عامًا

شارك:
تم نسخ الرابط بنجاح!
يناقش أ.د. عارف المخلافي، أستاذ تاريخ الشرق القديم والجزيرة العربية بجامعة صنعاء، اسم مصر في النصوص القديمة والنقوش المعينية، ويفنّد محاولات نقله إلى مواقع في اليمن والجزيرة العربية، مستندًا إلى الشواهد اللغوية والتاريخية.

    وقع التوراتيون العرب في متاهة لا فكاك لهم منها عندما شككوا في علاقة مصر المذكورة في التوراة والنصوص القديمة بمصر المعروفة في عصرنا، محيدين أي دليل خارج نطاق النص التوراتي. ووفقًا لذلك بنوا تاريخًا مُقَنّعًا تضمن سردية متخيلة تعتمد على مقابلات الأسماء الجغرافية وتحريفها وقلبها وتقريبها لتتفق مع الغاية التي يسعون لها. وعلى الرغم من كل ذلك لم يتفقوا على تلك المواقع، لا من حيث تنوع البلدان المفترضة ولا من حيث تنوع المواضع داخل البلد الواحد. وهذا التخبط يعد من أهم الأدلة على فوضى السرد الذي وجدوا أنفسهم في شباكه، وأهم مؤشر كذلك على خطأ منطلقاتهم التي يسمون مواضيعها المتخيلة «نظريات».

 

أولًا اسم مصر في نظر التوراتيين العرب

يرى كمال الصليبي، الأب الروحي لجماعة التاريخ المُقَنّع، أن «مصر» المتكرر ذكر اسمها في التوراة هي قرية «المِصرمة» (وتلفظ محليًا المصرامة) التي تقع بين أبها وخميس مشيط.

أما أحمد داود، فيجعل «مصر» في بلاد «غامد»، ويرى أن «مصر» التوراتية هي قرية «مصريم»، أي عشيرة المصريين الذين كانت بلدتهم أو منازلهم غرب جبل غامد على وادي شيحور أو وادي «مصري» (أي المصريين بالكلدانية) الذي يجف صيفًا، ويستبعد بلاد وادي النيل كما صارت عليه في التزوير اليوم.

وذهب فرج الله ديب إلى أن وادي مصر في إب وأن مسيل وادي السحول هو نهر النيل. كما يرى عدم ارتباط اسم «مصرايم» الوارد في التوراة بمصر، وأن ذلك كله نجده في اليمن؛ فمصر عنده هي «يريم» في محافظة إب، لأن «مصر» تعني «السد أو الحاجز أو القلعة»، وكذلك «يريم» التي تعني «الحاجز أو القلعة».

وفي السياق نفسه نجد أحمد عيد يجعل مصر في «خنو» أو «خنوة» التي هي من أعمال ذي أشرق بمحافظة إب باليمن، ثم يربط بينها وبين «نخن» المصرية، وأنها «نشن» (نشان) المملكة الشهيرة بالجوف، والتي ذكرها نقش النصر لكرب إيل وتر. أما عاصمة المملكة المصرية الموحدة في مصر، فيجعلها «بيت الفقيه» بالحديدة، مستبعدًا «منف» بالجيزة.

وفي جانب آخر، فرّق محمد منصور بين مصر المعروفة التي يسميها «بلاد القبط»، ومصر التوراة التي حدد موقعها في «مطره» بالحبشة التي تتبع إريتريا اليوم.

وعندما نذهب إلى زياد منى نجده يقول: إن ما يهمنا من آثار (معن) ـ يقصد معين ـ هو النقش (GL 1155 = RES 3022) الذي عثر عليه النمساوي إدوارد جلازر في مطلع القرن العشرين، والذي ذكر «مصرن» و«معن مصرن». ثم يصل إلى استخلاص أنه وُجد في الماضي إقليم في جزيرة العرب عُرف باسم «مصر». ويدلل بما ذهب إليه كمال الصليبي كما سبق.

أما فاضل الربيعي فيتحسر على التفسير الخاطئ لاسم «مصر» ويقول: «وبسبب هذا الخلط، أصبح التاريخ القديم مليئًا بالندوب، ومُشَوّهًا، ويَتَطلّب إعادة نظر جذرية. لقد وقع هؤلاء في أخطاء المطابقة التعسفية، وتخيلوا “مصري” على أنها “مصر البلد”، وكان هذا الخطأ كافيًا لِيقْلِب التاريخَ رأسًا على عقب، ولتدبّ الفوضى في العصور والجغرافيات». هكذا يصف التاريخ بكل بساطة وخيال.

ثانيًا اسم مصر في النصوص القديمة

1- اسم مصر في نصوص الشرق القديم في سنة 1899م ذكر Spiegelberg أن اسم مصر مشتق من الكلمة المصرية القديمة (م ج ر) بمعنى البلاد المحصنة أو المسورة. وفي سنة 1916م ذكر Daressy أن اسم مصر هو اسم سامي (نسبة إلى سام بن نوح، كما استخدمه أوغست لودفيغ شلوتسر سنة 1781م، ولا نعتمده) مشتق من الكلمة السامية «ص و ر» التي تعني «ضيق أو حدّد» ويحمل معنى «المحصورة» أو «المُحَصَّنة». وفي سنة 1962م، أيد عبد العزيز صالح رأي Spiegelberg وحاول تقريبها إلى كلمة (م ص ر) بسبب أن حرف الجيم المُعطشة في كلمة (م ج ر) المصرية تحول إلى حرف الصاد في الكلمة السامية (العربية القديمة)، واستدل على ذلك بوجود شواهد عديدة من كلمات مصرية تحول فيها (ج) إلى (ص)، مثل (ج ب ع) المصرية التي تحولت إلى (إصبع). وفي سنة 1997م رأى عبد الحليم نور الدين أن اسم «مصر» أساسه اللفظ المصري (م ج ر)، الذي يعني «المَكْنُون» أو «المُحَصّن»، واستبعد اشتقاقه من الاسم العربي «مصر» الذي يُجمع على «أمصار»، والذي شاع استخدامه من قبل الفاتحين المسلمين وفي المصادر الإسلامية.

وفي سنة 2000م أيد عبد المنعم عبد الحليم سيد رأي Daressy وقال إنه الصواب. ودليله على ذلك أنها على الرغم من ورودها في النصوص المصرية القديمة بما يفيد (يحيط بسور، أو يُحَصّن) فإنها لم ترد في تلك النصوص كاسم علم على الأسوار المحصنة الممتدة شرق مصر. وقد وردت التسمية «أسوار الحاكم» في عدة نصوص وأشهرها نص قصة سنوهي الشهيرة.

وفي الوقت نفسه لم ينف «سيد» رأي عبد العزيز صالح بالمطلق، وعدّ الربط بين كلمتي (م ج ر) و(م ص ر)، اللتين تعنيان (حصّن)، صحيحًا. ولكنه يرى أن المصريين لم يطلقوا هذا اللفظ على الأسوار والحصون الشرقية، واستخدموا تسمية «أسوار الحاكم». ويشير إلى دخول كلمات سامية إلى مصر، مثل كلمة «يم» بمعنى «بحر»، وكلمة «حسب» بمعنى «حساب». ومن ثم يؤكد سامية اسم «مصر»، وخاصة أنها وردت في نصوص العمارنة «م ص ر ي» (Mi-is-ri)، وشاعت في رسائل ملوك العراق والشام. وقد ذكرت نصوص الشام وقبرص (شار مصري) بمعنى (ملك مصر) في عهد الملك «أمنحتب الثالث» (1405–1367 ق.م) و«أمنحتب الرابع» (إخناتون) (1367–1350 ق.م). فذُكرت في رسالة «تاخنداربا» ملك «إرزاوا» جنوب تركيا (Mi-is-sa-ri)، وفي رسالة «أبيملكي» حاكم «صور» (M-i-is-rum)، وفي رسالة «توشراتا» ملك ميتاني (Mi-s-ri-im-me) (مصريمي/ مصريم)، وذُكرت في رسالة حاكم «أو-ساليمو» بصيغة (Ma-sar-tum). ووردت في رسالة «رب-ادي» حاكم جبيل بصيغة (amelut misri) بمعنى (شعب أو سكان مصر)، وفي رسالة أخرى له ذكر (amel-misri) بمعنى رجل من مصر، وفي رسالة أخرى له ذكر (mati-misri) بمعنى (أرض أو بلد مصر).

ومن اللافت ـ كما ذكر عامر الجميلي ـ أن النصوص الأكدية ذكرت جبلين في شمال العراق باسم «مصرو» و«مصر»، وجبل «مُصري» في شمال سورية. ولعل ذلك ـ برأينا ـ يتفق مع معناها الشائع (الحصين)، وفي الوقت نفسه يؤكد المعنى.

وذكرت النصوص الآشورية «مصر» (Mu-Ṣu-ri) (مُصري) و(MuṢur) (مُصُر) و(MuṢru) (مصرو).

وفي عام 2026م قدم عارف المخلافي رأيًا يقول فيه إن اسم «مصر» هو الاسم الأجنبي للبلد، وقد صارت تُعرف به لحصانتها. ولدينا أمثلة على ذلك من بلدان أخرى: فالفينيقيون لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم، فهم كنعانيون، ولكنهم عُرفوا به، وصار هو الاسم الطاغي عليهم وعلى حضارتهم. وقد أطلقه اليونان على التجار الكنعانيين الذين كانوا يتعاملون معهم، فاستمدوا الاسم من كلمة «فوينكس» Phoenix التي تعني اللون الأحمر الأرجواني، وهو سلعة تجارية مهمة ورائجة اكتشفها الكنعانيون واستخرجوها من حيوانات بحرية لصبغ الأقمشة المُطرّزة. ولكن «كونتنو» يرى أن «فوينكس» Phoenix تعني «النخلة» التي لا توجد في فينيقية، ويتفق مع غيره من العلماء على أن اشتقاق الاسم من الجذر «فوينوس» Phoinos بمعنى الأحمر، أو بسبب اللون الأرجواني الأصيل بالبلاد.

وكذلك الأمر عند الإغريق المتعصبين لنسبة أنفسهم إلى جدهم الأسطوري «هِللّين»، فيقولون «الهِللّينيين». أما اسم «الإغريق» فأطلقه عليهم جيرانهم الرومان، نسبة إلى بلدة «غرايكوي» وهي أقرب القبائل اليونانية إلى إيطاليا، ومنها اشتقوا اسم «غريكي» Greiky، وكانوا أكثر تعاملًا معها، فطغى اسم «إغريق» عليهم وعلى حضارتهم، وصاروا يُعرفون به أكثر من وصفهم بـ«اليونان» أو «الهِللّينيين».

ولا شك عندي أن اسم «مصر» كان له الوجهة نفسها، وخاصة أنه يشبه لفظ «مجر» الذي يعني الحصينة، كما أسلفنا.

تنوع أسماء وأوصاف مصر في النصوص المصرية القديمة

‏1- «كيمة» أو «كيمت»: بمعنى السمراء أو السوداء (أي الأرض الخصبة)، وكانوا يفخرون أنهم من «ثمرات كيمة».

‏2- «تا كيمة»: وتعني أرضنا السوداء أو السمراء.

‏3- «دشرة»: بمعنى الحمراء، وقصدوا بها الصحراء، عكس كيمة.

‏4- «تاوى»: بمعنى الأرضين.

‏5- «تامحو»: وتعني الوجه البحري.

‏6- «إيدبوي»: وتعني أرض الضفتين.

كما وصفوها في نصوصهم الأدبية وقالوا:

‏1- «إيزة رع»: وتعني عين الشمس، أو عين رب الشمس.

‏2- «وجاة»: بمعنى السليمة.

‏3- «وجاة نثرو»: وتعني عين الأرباب السليمة.

‏4- «إترتي»: بمعنى ذات المحرابين.

‏5- «باقة»: بمعنى الزيتونة (كناية عن خضرتها الدائمة).

ونرى أن هذه الأوصاف العاطفية الكثيرة لأرض مصر، التي تدل على حب الناس لأرضهم ووطنهم، كانت من أهم الأسباب التي جعلت شعوب العالم القديم يسمونها «مصر» كبلاد حصينة، وأحيانًا أشارت إليها رسائل تل العمارنة التي أرسلها أمراء الشام إلى ملوك مصر بالوصف المصري «كمت» التي تعني الأرض الخصبة كما أسلفنا.

2- اسم مصر في النقوش المعينية

وقد عُثر في (ددن/ دادان) على العديد من النقوش المعينية التي تعود إلى هذه الحقبة، ومنها النقش (RES 3707 = M 367) الذي يتحدث عن أعمال إنشائية قام بها صاحب النقش في العاصمة المعينية (قرناو/ قرنا)، مما يدل على ثراء سكانها الكبير، وعلى ولاء الجالية المعينية الكبير (معين مصرن) لوطنهم الأم مملكة معين.

إن الوهم المتخيل المسكون به الربيعي قاده إلى الوقوع في خطأ تاريخي كبير، حين أصرّ على أن «مِصر» هي ذلك المركز التجاري المعيني بالعُلا (معين مصرن)، ويجعله ـ عن جهل ـ في الجوف باليمن، مع أن موضعه بالعُلا في السعودية. واعتمد في ذلك على نقش معيني يُعرف بالرمز (RES 3022)، وهو الخطأ نفسه الذي وقع فيه قبله زياد منى.

ويُفهم من هذا النقش أن «عم صادق» و«سعد بن علاّن»، كبيرَي مصران والجالية المعينية في مصران، خرجا في رحلات تجارية إلى مصر وآشور وبلاد الشام، وأنهما تعرضا للخطر، مرة في الداخل بسبب نزاع معين مع سبأ، ومرة في الخارج عندما حدث صراع بين (Mdy) (م د ي) و(م ص ر) (Mṣr)، أي بين الميديين (الفرس) ومصر، ولذلك تقرّبوا لمعبودهم (عثتر ذو قابض) حمدًا على نجاتهم وعودتهم بسلام وأمان إلى مدينتهم «قرناو».

وممن درس وترجم هذا النص بتوسع «فايز السعيد»، وسوف نورد أدناه ترجمة الشواهد التي نحتاجها؛ بسبب دقة ترجمة السعيد؛ ولأن الربيعي عدّ هذا النقش أحد أهم مرتكزات أطروحاته المتخيلة، وعلى النحو الآتي:

السطر الأول

ع م ص د ق I بن I ح م ع ث ت I ذ ي ف ع ن I و س ع د I ع ل ن I ذ ض ف ج ن I ك ب ر ي I

م ص ر ن I و م ع ن I م ص ر ن I [أ س د] I م ص ر I و ر ت ك ل I ب ع م ه س م ن I م ص ر I

و أ أ ش ر I و ع ب ر I ن ه ر ن I ....

المعنى

«عم صادق بنْ حَمَى عَثْتَ من قبيلة يَفْعان، وسعد بن علاَن من قبيلة ضفجان، كبيرا مصران والجالية المعينية في مصران، اللذان سارا وتاجرا بموجب أمرهما مع مصر وآشور وبلاد الشام (سورية وفلسطين)».

و(مصرن) (م ص ر ن) هو المصطلح الجغرافي الذي يشار به في النقوش المعينية دائمًا إلى (ددن/ دادان) (العُلا حاليًا)، وهو مشتق من اسم مصر الذي يعني «حدود ومنطقة وإقليم» في اللغة الأكدية. أما (معين مصرن) (م ع ن I م ص ر ن) فهو في النقوش المعينية يشير دائمًا إلى الجالية المعينية في (ددن/ دادان) (العُلا). وهذه المستوطنة المعينية الاقتصادية كانت تهتم بإدارة تجارة مملكة معين مع العالم القديم، وكان عليها موظف يُلقّب بلقب «كبير» يتبع الملك المعيني في الجوف مباشرة.

في السطر الثاني

... و ي و م I م ت ع س م I و أ ق ن ي س م I ع ث ت ر I ذ ق ب ض م I و و د م I و ن ك رح م I

ب ن I و س ط I م ص ر I ب

السطر الثالث

م ر د I ك و ن I ب ي ن I م ذ ي I و م ص ر I و ي و م ت ع س م I و أ ق ن ي س م I ع ث ت ر

I ذو ق ب ض م I س ل م ه م I و و ف ي ه I ع د I أ ر ض I ه ج ر ن س م I ق ر ن و I ...

الترجمة

(ويوم) «نجاهم وممتلكاتهم عثتر ذو قابضم وودم ونكرحم من وسط مصر خلال الصراع بين (مادي) ومصر ... ونجّاهم حتى دخلوا أرض مدينتهم قرناو».

و(مصر) في النقش يُشار به إلى بلاد مصر، وقد عرفته اللغات العربية القديمة (السامية). ففي اللغة الأكدية (نسبة إلى مملكة أكد في العراق القديم) جاء بصيغة (مُصُرْ، مُصر، مِصْر، مِزرُ، مُزِر)، وفي اللغة الأوجاريتية (نسبة إلى مملكة أوجاريت في سورية) جاء بصيغة (م ص ر م)، وفي اللغة الفينيقية (نسبة إلى الكنعانيين الفينيقيين بلبنان) جاء بصيغة (م ص ر ي م)، وفي اللغة الآرامية (نسبة إلى الآراميين الذين انتشرت دويلاتهم في العراق وبلاد الشام في النصف الأول من الألف الأول ق.م) جاء بصيغة (م ص ر ي ن)، وفي اللغة العبرية القديمة جاء بصيغة (مِصْرايم)، وجاء في اللغة العربية الفصحى بصيغة (مِصْر).

وقد ورد اسم (م ص ر) (مصر) كذلك في عدد من النقوش المعينية التي وجدت في (معين) في الجوف باليمن، وفي دادان (العُلا حاليًا) بالسعودية، وذلك في سياق تدوين زواج معينيين من مصريات ودفع مهورهن، ومنها:

‏GL 1290 = M 392A\ 9-11 = MàÌn 93\4

‏GL 1267 = M 392B\ 3-6 = MàÌn 93\15

‏GL 1271 = M 392B\ 17-20 = MàÌn 93\29

‏GL 1301 = M 392C\ 25-27 = MàÌn 93\44

‏GL 1280 = M 392C\ 32-52 = MàÌn 93\46

‏GL 1282 = M 392C\ 39-41 = MàÌn 93\48

‏GL 1009 = M 398\ 7-10 = MàÌn 95\73

وهذا يعني أن الكاتب المعيني يعي ما يكتب، وبحسب ذاكرته وفهمه للهجة البلاد التي يتاجر معها، وهذا أمر طبيعي لتاجر يجوب بلاد الجزيرة العربية ومصر وبلاد الشام والعراق وبلاد اليونان. فحين تزوج زوجاته الأجنبيات من البلدان التي تاجر معها، سجل تلك البلدان في نقوشه، ومثال ذلك غير مصر النقوش الآتية:

غزة (MàÌn 93C\21)، دادان (MàÌn 93B\16)، قيدار (MàÌn 95\12)، يثرب (MàÌn 95\12)، صيدا (MàÌn 93A\57)، اليونان (MàÌn 93A\45)، عمون (MàÌn 96\3)، هجر (MàÌn 93D\83)، لحيان (MàÌn 93B\46)، مؤاب (MàÌn 93D\32).

إن استخدام اسم (Mdy) للإشارة إلى الفرس يتفق مع ما جاء في اللغة الآشورية، حيث جاء لفظ (ماداي) Madai، و(اماداي) Amadai و(ماتاي) Matai، وبالعبرية القديمة (ماداي)، وبالفارسية القديمة (مادا) Mada، وباليونانية القديمة (مادي/ ميدي) Madoi، Medoi. وبعض النصوص الآشورية لم تميز بين الفرس والميديين، ولا بينهما وبين البارثيين في إيران القديمة. كما أن الإغريق عندما استعاروا لفظة (Madai) من الآشوريين، استعملوها لتشير إلى جميع القبائل والأقوام الإيرانية، كما سمّى «هيرودوتس» الحرب اليونانية مع الفرس الإخمينيين بالحروب الميدية.

وهذا يؤكد أن استخدام النقش المعيني اسمي (Mdy) (م د ي) و(م ص ر) (Mṣr) جاء بقصد (مادي)، الاسم العام للفرس وبلدهم، و(مصر)، في إشارة إلى عودة الفرس لاحتلال مصر مرة أخرى سنة 343 ق.م كما تقدم؛ حيث سبق لهم احتلالها سنة 525 ق.م، وطُردوا منها بثورة سنة 410 ق.م.

وما يؤكد ذلك أنهما ذكرا في السطر الأول تعبير (كبيرا مصرن ومعين مصرن) (kbry I mṣrn I w-Mʿn I mṣrn) (ك ب ر ي/ م ص ر ن/ و م ع ن/ م ص ر ن) عند الحديث عن تجارتهما، فاستخدما (مصرن)، وهو ما يشير إلى المستوطنة التجارية المعينية الشهيرة في (ددن/ دادان)، التي أقامها المعينيون بمنطقة العُلا بالسعودية. بينما في نهاية السطر الثاني وبداية السطر الثالث، عند الحديث عن الصراع بين الميديين (الفرس) ومصر، فقد استخدما تعبير (مصر ومادي)، مقابل (مصرن):

السطر الثاني:

‏ws¹ṭ Mṣr b (وسط مصر)

والسطر الثالث:

‏mrd kwn byn Mḏy w-Mṣr (بين مادي ومصر).

أما كلمة (أ أ ش ر)، فالمقصود بها بلاد آشور في العراق التي جاءت في الكتابات المسمارية (العراقية القديمة) بصيغة (مات آشور)، أي بلاد آشور، وكلمة (مات/ Matu) هي علامة دالة تسبق أسماء البلدان وتعني (بلاد). وذُكرت مصر كذلك في نقش معيني آخر وُجد في معين هو (M27 = MàÌn 7)، مع غزة وآشور. فقد ورد في نهاية السطر الثالث وبداية السطر الرابع:

(... ي و م/ ر ت ك ل/ م ص ر/ و غ ز ت/ و أ أ ش ر)

ويعني: «... عندما تاجر مع مصر وغزة وآشور».

أما عن الأحداث التي جرت في مصر خلال زمن النقش فقد كانت في الأسرة الحادية والثلاثين (المصرية) عندما عاد الفرس إلى مصر. وهذه الأسرة أضافها المؤرخون المُحدَثون إلى الأسر الثلاثين التي ذكرها المؤرخ المصري «مانيتون»، الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، لكي يسهل التمييز بين الاحتلال الإخميني (الفارسي) لمصر سنة 525 ق.م وعودتهم إليها سنة 343 ق.م، وذلك في عهد الملك «ارتحشتا» أو إرتاكسركسيس الثالث (أوخوس) (343–338 ق.م).

هذه التطورات كانت أثناء الحرب التي أشار إليها النقش دون تفصيل وبعدها. وهي كفيلة بإسقاط ادعاء الربيعي واحتجاجه به، لعدم موافقته للزمان من ناحية، ولاختلاف موقع الحرب الذي تحدث عنها النقش من ناحية أخرى.

لكن الربيعي لم يكتف بهذا الخلط، وزاد على ذلك أن «وادي السحول» في محافظة «إب» باليمن دائم الخضرة وإنتاج الحبوب بسبب كثرة هطول الأمطار، وأن الناس يستطيعون تخزين الحبوب دون فساد مدة 30 عامًا، وهو ما يقضي على أي مجاعة تحدث. فقد ألهمه ذلك الربط مع قصة يوسف عليه السلام وخزنه للحبوب في مصر. والأعجب من ذلك أيضًا أنه جعل «وادي السحول» العاصمة الفعلية «لمملكة معين مصرن»، دون أن يضع أي اعتبار للمسافة الكبيرة بين الجوف ووادي السحول بمحافظة «إب» باليمن، والتي تقدر بحوالي 340 كم، والمسافة الزمانية التي سبق الحديث عنها. ومبرره الوحيد في ذلك أن الناس في العصر الإسلامي كانوا يطلقون على وادي السحول «مصر اليمن»، غير الخطأ التاريخي الذي أشرنا إليه سابقًا.

وبالتأكيد فإن تشبيه الناس وادي السحول بمصر يعود إلى خصب أراضيها المروية من نهر النيل على مدار العام. حتى في يومنا هذا يُشبّه الناس مناطق عربية جميلة بباريس على سبيل المثال.

ووفقًا لسرديته الروائية التاريخية الجغرافية المتخيلة، نقل الربيعي إلى الجوف باليمن وما يتبعه المعارك التي دارت بين مصر وآشور في القرن السابع ق.م، وجعلهم يهاجمون الآشوريين الذين قامت دولتهم بالعراق، وحدد ذلك بأواخر أيام دولتهم أثناء صعود دولة الإخمينيين الفرس بإيران.

وعندما وجد الربيعي نفسه في مأزق انعدام الانسجام التاريخي، فرّق في كتاباته المتعددة بين (مصر الإقليم) و(مصر المعينية)، كما يسميها، فوقع في الفخ الذي نصبه لنفسه مرة أخرى، وهو ما يدل على جهله بتاريخ العراق والجزيرة العربية القديم على السواء. فالآشوريون في هذه المرحلة كانوا في مرحلة العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م)، وخلالها تصارعوا مع المصريين في بلاد الشام، وسجلت ذلك النصوص المصرية والآشورية. وفي الوقت نفسه، فإن مملكة معين التي كانت دولة مدينة بالجوف منذ القرن السابع ق.م بحسب نقش جديد نشره منير عربش سنة 2007م (Ma‘în 102)، لم تكن مملكة معروفة على مستوى العالم القديم خلال تلك الفترة، وتحديدًا قبل القرن الرابع ق.م. فمنذ هذا القرن فقط بدأت النقوش تتحدث عن تجارتها الخارجية، كما سبق، وانتشرت مستوطناتها التجارية في الجزيرة العربية وبلاد اليونان، وكذلك تجارها وأشهرهم التاجر المعيني «زيد إيل بن زيد».

ونخلص من هذا المقال الذي تناولت مضمونه بالتفصيل الموثق في كتاب «التاريخ المُقَنّع» إلى أن اسم «مصر» الذي ذكرته المصادر بأشكال مختلفة من الكتابة لم يرتبط بأي بلد غير أرض الكنانة ونيلها وإنسانها الذي تغزل بها في أشعاره وقصصه الأدبية. وهي مصر التي وصفها «هيرودوت» بأنها «هبة النيل»، ويصفها علماء مصر اليوم بأنها «هبة الإنسان المصري».

فالتسمية التي وردت في النصوص المسمارية وأطلقت على جبال حصينة في شمال العراق تؤكد ارتباط الاسم بالتحصين في اللغات القديمة.

مقالات قد تهمك

الجمهورية والمملكة.. سبتمبر يجمعنا
آراء

الجمهورية والمملكة.. سبتمبر يجمعنا

يقرأ د. فيصل علي تاريخ العلاقة اليمنية السعودية من حرب 1934 إلى اعتراف المملكة بالجمهورية عام 1970، ثم قيادتها التحالف عام 2015 لدعم الشرعية اليمنية واستعادة الدولة. ويوضح أن تشابه أسماء الأنظمة لم يمنع الصراع، وأن اختلافها لم يمنع المصالحة والتعاون، فيما تستخدم جماعة الحوثي اسم الجمهورية لإعادة بناء سلطة الإمامة.

منذ أسبوعين
التوراتيون العرب: بين منهجية الجبال والوديان وصدمة التاريخ من كمال الصليبي إلى عمر شوتر
آراء

التوراتيون العرب: بين منهجية الجبال والوديان وصدمة التاريخ من كمال الصليبي إلى عمر شوتر

يفكك أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، منهج «الجبال والوديان» الذي اعتمد عليه عدد من التوراتيين العرب، من كمال الصليبي إلى عمر شوتر، في نقل جغرافية التوراة إلى الجزيرة العربية واليمن، ويختبر هذه الأطروحات في ضوء الوثائق والنقوش والأدلة الأثرية والسياق التاريخي.

منذ 3 أسابيع
من أرض الميعاد إلى فرعون وموسى.. عمر شوتر يعيد رسم جغرافية التوراة في «شبوة» اليمنية
آراء

من أرض الميعاد إلى فرعون وموسى.. عمر شوتر يعيد رسم جغرافية التوراة في «شبوة» اليمنية

يناقش أ.د. عارف المخلافي، أستاذ التاريخ والآثار القديمة بجامعة صنعاء، في الحلقة الرابعة من رده على عمر شوتر توسع أطروحته في نقل جغرافية التوراة إلى اليمن، من أرض الميعاد ومصر إلى فرعون وموسى ويوسف ودمشق والآراميين، ويختبر هذه المزاعم في ضوء الأدلة التاريخية والأثرية ومنهج المقارنة بين الأسماء والجغرافيا.

منذ 3 أسابيع