«منهجية الجبال والوديان»: هو وصف استخدمته لأول مرة في المقال الذي نُشر بتاريخ 13/9/2026م في الرد على الحلقة الرابعة من مقابلة منصة «مجتمع» مع المهندس عمر شوتر.
نعم، الفرق كبير بين منهجية الجبال والوديان، ومنهجية كتابة التاريخ. فالجغرافيا، بما تحمله من تفاصيل، هي تضاريس طبيعية تحمل أسماء يطلقها عليها الناس بحسب طبيعتها الشاهقة والبسيطة والممتدة والملساء والخشنة والرخوة والصلبة، أو بحسب الحاجة إلى خاماتها المختلفة. وأحيانًا قد تكون تلك الأوصاف والأسماء مجازية أو منقولة، أو تعبر عن ملكية معينة أو حماية أو حتى الشعور بالخوف أو القداسة تجاهها. وهذا أمر طبيعي جدًا يرتبط بنشاط الإنسان وتطور مفاهيمه، وفهمه للبيئة التي يعيش فيها.
ولذلك، حين نجد من يجتهد لتحويل تلك الجغرافيا الخرساء إلى تاريخ ناطق، تكون المفارقة الصادمة التي إن دلت على شيء فإنما تدل إما على قصور منهجي، أو غايات غير معلنة، أو انتحال صفة المؤرخ بدون اختصاص مباشر أو غير مباشر. ولذلك فإن منهجية الجبال والوديان بدون دليل نصي وأثري سوف تسقط لوحدها أمام معطيات العلم الرصين، وخاصة إذا علمنا أن طروحات «التوراتيين العرب» لا تصمد أمام أول اختبار في مطابقة الجغرافيا مع الحدث التاريخي. والسبب، ببساطة، أن منهجهم يعتمد المنهج الأحادي المتمثل في اعتقادهم بصحة النص التوراتي جملة، في مقابل خطأ المصادر الأثرية والنصية جملة. وأمام هذا القيد الصارم الذي اعتمدوه يجدون أنفسهم في مجابهة العلم لا في خدمته، فيضطرون إلى ابتسار المعاني وبهت السياق، ومن ثم الخروج بصورة متناقضة أقل ما يقال عنها إنها عدمية التأثير والفائدة، وإن سماها البعض حراكًا فكريًا. فالفكر ليس لخداع الفكر، بل هو لإحياء قيم العلم والمنهج والمصداقية بعيدًا عن ديناميكية الأنا والآخر، أو سفسطائية الإبهار المدثر بكل ما هو غريب ومثير. هذا الأسلوب قد ينجح في أسر العقل وتتويه قدراته لفترة من الوقت، لكنه سرعان ما يتلاشى أمام الوثيقة والدليل.
ولعل ما يؤثر في هذا الفخ السردي المتخيل أن أغلب التوراتيين العرب لا علاقة لهم بالتاريخ القديم والآثار، فمنهم الطبيب، والمحامي، والتقني، والروائي، والفيلسوف، والسياسي. التاريخ القديم ليس ثقافة عابرة، وإنما هو حلقات مترابطة ومعقدة، وليس بهذه البساطة التي يصورها جماعة التاريخ المُقَنّع. ولذلك نجدهم عندما يحاولون إسقاط الحدث التاريخي على الجغرافيا المتخيلة يصابون بالإحباط، لعدم تطابق ذلك مع ما يدعونه من ناحية، ولعدم قدرتهم على بناء سياق تاريخي متتابع ومُزَمَّن يقوم على الوثيقة، لا على مستوى الأحداث ولا على مستوى الأعلام.
فلو افترضنا أن لديك أرضًا، ما هو الدليل على أنك تمتلكها؟ أليست الوثيقة «البصيرة»؟ فإذا لم تكن لديك هذه الوثيقة فليس لك الحق فيها.
وكذلك الجبل المطل على قريتك، هو جبل ربما يمتلكه أحد وانتهى الأمر. لكن إذا بنيت عليه بيتًا، وأولادك فعلوا ذلك أيضًا، فسيتحول المكان من جغرافيا صامتة مندمجة مع تضاريس الأرض الطبيعية -وإن كان لها أسماء- إلى فعل تاريخي أحدثتموه أنتم، وصار لكم أثر فيه: مساكن، ممتلكات، منقولات، وغير ذلك. وهذه هي الأدلة المستقبلية على أن الإنسان عاش فيه وترك أثرًا وصنع فعلًا تاريخيًا يُستدل به عليه، وهذا هو التاريخ. فلا قيمة لصناعة التاريخ من خلال الجغرافيا ما لم تمتلك الوثيقة التي عرّفتُها في كتابي «نقد التاريخ القديم: من أجل فهم أعمق وكتابة أدق لتاريخنا القديم»، بأنها: «ما دل على فعل الإنسان ونشاطه»، وبذلك خرج مفهوم الوثيقة من حيزه الضيق المتمثل في المكتوب فقط، إلى فضاء أوسع يتمثل في كل شيء يخلفه الإنسان: نص، مبنى، سور، لباس، سلاح، أدوات، فنون، أدب، فكر، شعر، أسطورة، روايات شفهية... وأمام ذلك لا يستطيع أيٌ كان أن يدعي كتابة التاريخ وسرده بالاعتماد على الجبال والوديان فقط كما يفعل التوراتيون العرب.
ولكي نفهم ما تقدم سوف نضرب أمثلة مختلفة:
كمال الصليبي
حين نقل كمال الصليبي جغرافية التوراة إلى عسير، وأصدر في ذلك كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» سنة 1985م، وقع في أخطاء قاتلة كما فندها الشيخ «حمد الجاسر»، كقيامه بالربط بين مواضع ورد ذكرها في التوراة ترتبط بتاريخ يعود إلى ثلاثة أو أربعة آلاف سنة من يومنا هذا، ومواضع حديثة بعضها أفخاذ قبائل لا يتجاوز عمرها المئة عام. أو قابل بين أسماء لا يربطها شيء سوى قلب الأحرف. ومن ذلك الربط بين «حبرون» مدينة النبي إبراهيم في التوراة وقرية «خربان». والربط بين «صهيون» و«قرية الصيان» التي اسمها الحقيقي «قعوة الصيان» التي هي فخذ حديث من قبيلة «ألمع». والربط بين «أورشليم» و«آل شريم» التي جعلها الصليبي قرية، بينما هي فخذ حديث وصغير من قبيلة الحجر. وربط بين «الوادي المقدس طُوى» وقرية «طوى»، وهو نطق خطأ منه، فالقرية اسمها «الطَوا». وربطه بين فخذ حديث من قبيلة بني شهر يُدعى «بقْرة»، وسورة البقرة. كما ربط بين «يرحو»، الاسم الوارد في التوراة لمدينة «أريحا»، بقرية «وراخ» في زهران التي لا وجود لها، بل هناك «وادي وراخ» في بلاد غامد. واعتبر أن «يردن» الذي يرتبط بنهر الأردن، هو مجمع مياه في «وادي نعص» الذي لم يسمع عنه أحد. وربط بين «جنة عدن» و«الجنينة» في بيشة، ولم يدرك أن الجنينة تعني الحديقة وليس الجنة. وربط بين «السامرة» و«شمران»، و«عمورة» و«غمرة»، و«مصر» هي «المصرما» بخميس مشيط، والتي لا وجود لها هناك. وهذه بعض الأمثلة التي فندها الشيخ حمد الجاسر، صاحب كتاب «المعجم الجغرافي للمملكة العربية السعودية»، الذي قال: «إن الصليبي ظن أن كل الأسماء في عسير قديمة، ومن هنا وقع في الخطأ الفادح».
أما الدكتور عبد الله الفيفي، وهو من أبناء «فيفا» في المملكة العربية السعودية، فأشار إلى ما يُتعجب منه في تصورات كمال الصليبي. فقد ربط بين «جبل جلعاد» و«جبل فيفا» حيث توجد «قرية الجعدة» التي لا وجود لها بالمنطقة، ولعله قصد «قرية الجعيدة» التي هي ليست قرية، وإنما هي مجرد بيت مأهول، والتسمية من عادات أهل فيفا، حيث يصفون البيت العائلي الكبير بـ«قرية» تعظيمًا. لكن الصليبي جعل البيت قرية، وجعله اسمًا لكل جبال فيفا، بل أعطاه تاريخًا هو ثلاثة آلاف عام، رغم أنه منزل بُني حديثًا. وأورد الفيفي ثمانية وعشرين مثالًا على تسمية البيوت العائلية الكبيرة بـ«قرية» في بلاد فيفا. كما يقول الصليبي إن «صَبُويِيم» تثنية «صبي» بالعبرية، أي ظبي، هي: «صبيا» و«الظبية» معًا، في منطقة جازان. وربط بين «عسير» و«جبل سعير». فهو، كما يقول الفيفي، إذا لم يوفَّق لَفَّق. وبالطبع هناك مئات المواقع والقبائل والأفخاذ التي أسقط الصليبي جغرافية التوراة عليها. أما لبنان عنده فهو «لبينان» اليمن وليس لبنان الشام. أما فلسطين، فيرى أنها فلستين في رجال ألمع بعسير، ووادي أضم، وقرية «الفلسة» في بيشة. و«يبوس» هي «يَبَاسة»، أي يبس في وادي أضم. وصيداء ليست «صيدون» التوراتية وإنما هي إحدى أربع «صيدونات» في أجزاء مختلفة من عسير، زيدان، أو آل زيدان، أو قرية آل زيدان. وغزة هي عزة في وادي أضم. ويقول إن هناك غزّات في عسير الساحلية.
واللافت أن الصليبي حين أراد أن يُسقط الأحداث التاريخية المواكبة للمشهد التوراتي على عسير، اضطر أن ينقل كل حملات الملك المصري الشهير تحتمس الثالث، الذي حكم في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، إلى عسير. وهنا فشل فشلًا ذريعًا. فالملك تحتمس الثالث لديه عشرات النصوص المسجلة على معبد الكرنك وأوراق البردي وغيرها، يتحدث فيها عن معاركه في بلاد الشام مع مدينة «مجدو» في فلسطين، والأمراء الأموريين في سوريا، ومع مملكة «حوري ميتاني» في أعالي الفرات، ومع الحثيين الذين أقاموا إمبراطوريتهم في تركيا الحالية، وأقام إمبراطورية حكم فيها مصر وفلسطين ولبنان وسوريا، وحافظ على نفوذ وسيطرة على السودان، وأقام في تلك البلدان قلاعًا وحاميات عسكرية، وأسس نظامًا للمواصلات والمخابرات تهتم بتلك الأنحاء، ولم يتطرق للجزيرة العربية لا من قريب ولا من بعيد، لأن مصالحه الاقتصادية وعمقه الأمني المباشر مع بلاد الشام والسودان، اللتين تحادّان بلاده. فما هي مصلحته في خوض معارك في جبال عسير ووديانها؟ وهنا يصطدم التاريخ مع الجغرافية المتخيلة فيقع الفشل.
أحمد داود
وفي السياق نفسه نجد أحمد داود في كتابه «العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود» الذي صدر سنة 1991م، ينقل جغرافية التوراة إلى بلاد زهران وغامد، فيرى أن مصر التوراتية هي قرية «مصريم»، ويرى أنها عشيرة المصريين الذين كانت بلدتهم أو منازلهم غرب جبل غامد على وادي شيحور أو وادي «مصري» بالكلدانية الذي يجف صيفًا، وليست بلاد وادي النيل، وأن زعيم العشيرة يلقب «فرعون»، أي وكيل الملك، ويقول إن ملوك وادي النيل لم يعرفوا هذا اللقب في التاريخ كله. وكل ما تقدم لا أساس وثائقي له. أما ذكر لقب فرعون فقد ورد في الكتابات المصرية القديمة وغيرها، كما أوضحت في مقالي «فرعون في النصوص المصرية القديمة: حقائق تهدم عرش التوراتيين العرب» المنشور بتاريخ 10/8/2026م.
كما يرى أن «طور سيناء» هو في العربية «طور سني»، ويعني «جبل العليّق» حيث تجلى الرب لموسى، وليس المقصود به جبلًا في صحراء سيناء. ويحدد أن هذا الجبل على الخريطة قرب العقيق، وقرب «وادي طُوى» الذي يعني «وادي الصائمين» في بلاد غامد، ولم يحدد اسمه. كما يجعل «العمونيين والكوشيين والمصريين» عشائر متجاورة في بلاد غامد. ويقرر أن بابلون الكلدان تقع على نهر «كفار» الذي يرفد الفرات شرق غامد الذي يعتبره «نهر الثرات». أما «لبنون» التوراتية فيرى أنها اسم «لبنان» الذي انتشر في بلاد العرب من اليمن جنوبًا إلى غامد وزهران إلى ضواحي مكة. أما مدينة «صور» فهي ليست صور اللبنانية وأنها مضارب عشيرة مديانية في شبه جزيرة العرب. أما الفلسطينيون فهم عشيرة فلستيم/الفلستيين بزهران، وكذلك عشيرة بني إسرائيل. ويرى أن «يبوس» مرادفة لصهيون بمعنى ساكن المغارة التي يبست وجف ماؤها، وأنها مغارة في بلاد غامد.
وفي ضوء هذه السردية يرى أنه ليس ثمة وجود آثاري لأي شعب آخر غير الشعب العربي السوري الأصيل، بتسمياته الأكدية، والبابلية، والعمورية، والفينيقية. كما يُنكر حدوث أي حملات عسكرية مصرية قديمة إلى بلاد الشام، وأن كل ما قيل في ذلك تزوير. وهذا القرار يقدمه رغم وجود مئات النصوص الهيروغليفية التي تتحدث عن المعارك والصراعات والتحالفات والمصاهرات والعلاقات الطبيعية التي قام بها ملوك مصر القديمة في بلاد الشام، ومع الحثيين في بلاد الأناضول، والآشوريين والكاشيين في العراق القديم، والميتانيين في أعالي الفرات الذين شملت دولتهم أجزاء من شمال العراق وسوريا. وكل ذلك تم خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد.
فرج الله ديب
أما فرج الله ديب في كتابيه «التوراة العربية وأورشليم اليمنية» الذي صدر سنة 1994م، و«اليمن هي الأصل» الذي صدر سنة 1988م، و«اليمن وأنبياء التوراة» الذي صدر سنة 2013م، فيرى أن وادي مصر يقع في محافظة إب، وأن نهر النيل هو مسيل وادي السحول، وأن «مصرايم» التوراتية هي مدينة «يريم» في إب، التي هي مركز الفرعون، وبرر ذلك بأن كلًا من مصر ويريم تعني الحاجز أو القلعة. أما نهر الفرات عنده فهو «الفروات» شمالي شرق صنعاء. ونقل كل أنهار لبنان المعروفة إلى اليمن كأسماء لقرى وعزل وأُسَر: فنهر الحاصباني هو حصبان، وهي عزلة من ناحية المسراخ جنوب جبل صبر بمحافظة تعز، وقرية جنوبي العدين، وعزلة في بلاد حراز. ونهر الأولي هو عزلة والية من بلاد خولان بن عامر. ونهر الدامور «الضامور»! الضامر، فهور جبل في تهامة من أعمال باجل. ونهر الموت، بنو الموت، وهي بُليدة من عزلة بني النمار، ناحية وصاب العالي. ونهر الكلب، بنو كليب باليمن. ونهر البارد، أبراد وادٍ معروف في مأرب. ونهر قاديشا، المقاديش والمقادشة من قبائل ذمار. ونهر البردَون، البردون بلدة في ناحية الحدا بذمار. والنهر الكبير، كَبَران، وهو وادٍ في البيضاء، وكبيرة من بلاد عتمة بذمار. وطابق بين «صور» اللبنانية و«صور» العمانية. أما حرّان، فهي جربة حرّن في جنوب ذمار، وفي إب يوجد حصن «بحران». و«حيفا» هي «حيفان» بتعز، و«أريحا» هي «حصن يراخ» في وصاب. ووزع قبائل بني إسرائيل بين ذمار والحديدة وخبان وريمة والأهجر ووصابين ويريم وصنعاء وصعدة وسنحان. وفي الوقت نفسه وجد مدن الكنعانيين في سمارة وخولان وحجة.
زياد منى
وعندما ننتقل إلى زياد منى في كتابه «جغرافية التوراة: مصر وبنو إسرائيل في عسير» الذي صدر سنة 1994م، وكتابه الآخر «مقدمة في تاريخ فلسطين القديم» الذي صدر سنة 2000م، نجده يرى أن «معين مصرن» هي مصر رغم أنها مستوطنة تجارية أقامها المعينيون بدادان، وهي العلا حاليًا في السعودية، وأن «كوشيّ» التوراة كانوا من شعوب جزيرة العرب الذين هاجروا في وقت ما إلى السواحل الغربية للبحر الأحمر عبر باب المندب وأقاموا دولتهم فيما عُرف تاليًا بالحبشة. كما يورد قائمة طويلة لا تختلف كثيرًا عن قائمة كمال الصليبي في عسير.
واللافت أن زياد منى، الذي تطرق بشكل عام لذكر المدن الفلسطينية في المصادر المصرية، حيث ذَكرت نصوص تؤرخ بعهد ملك مصر «رمسيس التاسع» (1134-1117 ق.م) مدن «عسقلان»، و«أشدود»، و«غزة»، وكذلك المصادر الآشورية التي ذكرت العديد من المدن الفلسطينية، مثل «غزة»، و«عسقلان»، و«أشدود»، و«عقرون»، ورفح، وغيرها، وكذلك ما ذكر عن المدن الفلسطينية في التوراة «العهد القديم»، مثل «غزة» و«عسقلان» و«أشدود» و«عقرون»؛ على الرغم من كل ذلك التطابق في الأسماء التي لا تزال حية حتى يومنا هذا، وفي أماكنها بفلسطين؛ إلا أنه يُفاجئنا في نهاية العرض بقوله: إن تلك المدن «تعبر في العلوم الكتابية عن فلسطينيي التوراة..، ولن نحاول التعرف إلى الأقوام المذكورة هنا لأنها لا تهمنا». ومع ذلك، ورغم عدم وجود أي شواهد أثرية للفلسطينيين في عسير، إلا أنه يتفق مع كمال الصليبي على أن «بلست» «الفلسطينيين» يجب مطابقته برديفه في العربية، وهو «الفلسة/فلسة/فلسط»، ومن ثم «الفلستي/والفلسطي»، لأنه على قناعة -كما يقول- بأن العهد القديم هو تسجيل لتجربة بني «إسرءيل» -هكذا يكتبها- في غربي جزيرة العرب، وليس في فلسطين. ومن ثم يذهب إلى أن معارك المصريين في بلاد الشام كانت في عسير؟!
وفي كتابه «لبنان التوراتي» الذي صدر سنة 2000م يذهب لطيف إلياس إلى أن لبنان التوراتي هو «لبينان» في شمال اليمن بمخلاف خولان العالية، وفرّق بين ما أسماه لبنان التوراتي ولبنان المتوسطي، وهو حال التوراتيين العرب عندما يصلون إلى حالة عجز وعدم قدرة على التوفيق بين الجغرافيا البديلة والتاريخ المتخيل، فإنهم يهربون إلى مثل هذه التوصيفات.
وبناء على ذلك جعل «صور» على ساحل البحر الأحمر، وأنها كانت حصنًا منيعًا، أو كانت عند شاطئ صخري تحميها أبراج وأسوار عالية منيعة. وعليه يرى أنها في اليمن، وتحديدًا عند «جزيرة كمران» والرأس المقابل لها، حيث يظهر إلى الجهة الشمالية خليج بحري رجح أنه كان ميناء صور التوراتية.
والغريب قوله بعد ذلك إنه تم تدميرها على يد الملك البابلي «نبوخذ نصر» الذي حكم في القرن السادس قبل الميلاد، وأنها زالت نهائيًا من الوجود عند رأس كمران، واستمرت مدينة برية مقابل الموقع القديم باسمها التوراتي «صور»، وهي بلدة من أعمال «شهارة» غربي «حجة». ولا أدري كيف توصل لكل هذه الاكتشافات وقد زالت من الوجود أصلًا كما يقول. وهنا يقع في فخ التاريخ عندما يقرر أن الملك البابلي قام بتلك الحملة ليس إلى صور اللبنانية كما هو معروف من النقوش البابلية، وإنما إلى صور اليمنية. ولا نعرف من النصوص أي إشارة إلى حملة بابلية على بلاد اليمن في ذلك الوقت. كما طابق بين «صيدون» و«صعدة». وقال إن مدينة «جبل» التوراتية ليست «جبيل» اللبنانية المعروفة، وإنما هي مدينة «جبلة»، رغم أن جبيل على البحر المتوسط، وجبلة لا بحر لها؟!
فاضل الربيعي
أما فاضل الربيعي ففي كتبه «مصر الأخرى» الذي صدر سنة 2017م، و«بنو إسرائيل وموسى» الذي صدر سنة 2016م، و«فلسطين المتخيلة» الذي صدر سنة 2008م، و«يهوذا والسامرة» الذي صدر سنة 2018م، وغير ذلك من كتب الربيعي المختلفة، شدد على أن «مصر» هي «معين مصرن» وجعلها في الجوف، بينما هي مستوطنة معينية تجارية بدادان «العُلا الحالية بالسعودية»، كما ذكرنا سابقًا، وبنى عليها إحدى أهم قصص «تاريخه المُقَنّع».
كما يُنكر، ككل التوراتيين العرب، وجود أي ذكر للقب فرعون في الحضارة المصرية القديمة، وقد أثبتنا بالصور وجود هذا اللقب في كتاب «التاريخ المُقَنّع»، وفي مقال بعنوان «فرعون في النصوص المصرية القديمة: حقائق تهدم عرش التوراتيين العرب» الذي نُشر بتاريخ 10/8/2026م. وقد ثبت أن هناك العديد من النصوص الهيروغليفية التي تذكر لقب «برعا» الذي ذكرته النصوص الآشورية بـ«برعو» ويُعرَّب إلى فرعون المذكور في التوراة والقرآن الكريم.
ويعتبر الربيعي أن فرعون هو «ملك جبل بُرع» بتعز، وأنه شارك في التصدي للآشوريين. وهنا يصطدم الوهم بالتاريخ حين نجده يحدد حملات آشورية على اليمن، في حين أنه لا يوجد نص آشوري واحد يذكر تلك الحملات المزعومة. بل على العكس، ذكرت الكتابات الآشورية علاقات طيبة مع ملوك مملكة سبأ «يثع أمر» و«كرب إيل» في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد.
أما القُدس فهي «قَدَس» بتعز، وسيناء ما هي إلا «جبل صينة»، ثم نجده يحدد الموقع بالعدين في محلة «صن»، وفي مكان آخر يقول إن «برية سينة» هي «صن» العزلة الصغيرة بمديرية صبر الموادم. ويذكر أن شخصية موسى من اختراع بني إسرائيل لإيجاد قصة شيقة عن الخروج!
وعدَّ الربيعي نهر الفرات بـ«فرث» وقرنه بـ«شعب الفرث» بمديرية حزم العدين بمحافظة إب، وأنه ليس نهرًا كما تصوره التوراة، بل هو مسيل وادٍ في شعب الفرث، ثم يعرف الشِّعب بأنه أكثر الأماكن وعورة في الجبال. وقرر أن يوسف عليه السلام كان في وادي السحول، كما ربط بين موطن الكنعانيين ضمن جغرافية مملكتي قتبان وأوسان.
وتعد كتابات فاضل الربيعي من أهم الأمثلة على اصطدام التاريخ بمنهجية الجبال والوديان التي يتبعها التوراتيون العرب، فهو أكثر من حاول إسقاط بعض وقائع التاريخ على جغرافيته المتخيلة. ومن ذلك إحلال «مملكة إسرائيل» التوراتية المفخمة والمتخيلة، محل مملكة سبأ العظيمة، و«مملكة يهودا» التوراتية المفخمة والمتخيلة كذلك، محل مملكة سبأ وذي ريدان «حِمْيَر»، رغم الفارق الزمني بينهما الذي يقدر بنحو سبعة قرون. كما وقع في خطأ فادح حين خلط بين الملك السبئي الشهير «كرب إيل وتر» مكرب سبأ الذي حكم في القرن السابع ق.م، والملكين الحميريين «كرب إيل وتر يهنعم» ملك سبأ وذي ريدان الذي حكم في القرن الأول الميلادي، و«كرب إيل وتر يهنعم» أيضًا ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت الذي حكم في القرن الرابع الميلادي. ونظرًا لعدم تخصصه بالتاريخ القديم ولا بالآثار، بل هو روائي، التبس عليه الأمر فجمع الشخصيات الثلاث بشخصية واحدة هي «كرب إيل وتر» ملك سبأ، وأضاف له ألقابهم فلقبه «ملك سبأ وذي ريدان»، هذا اللقب الذي كان أول ظهور له في العصر الحميري وتحديدًا في القرن الأول الميلادي، أي بعد زمن كرب إيل وتر بثمانية قرون، ولم تعرفه مملكة سبأ لا في القرن السابع قبل الميلاد ولا قبله ولا بعده. كما جعل سيطرة مملكة معين تمتد إلى تعز، وهو ما لم يحدث طوال تاريخها المدون تفصيلًا في نقوشها.
ومن الأخطاء الصادمة الأخرى أنه نقل المعارك الآشورية ببلاد الشام الموثقة بالنصوص والآثار إلى بلاد اليمن، كما أنكر وجود ملكين مهمين من ملوك مصر، وهما «شيشنق الأول/ششانق الأول» و«نخاو الثاني/نخو»، رغم وجود نصوصهما وآثارهما في الداخل والخارج حتى اليوم.
محمد منصور
وإذا انتقلنا للطبيب محمد منصور في كتابه «التوراة الحجازية» الذي صدر سنة 2020م، فقد سار على خطى من سبقوه وقرر أن «حبرون» هي «ربوع العين» في أضم جنوب مكة، عاصمة داود التي انتقل منها إلى مصدّة/قلعة «صيون» التي كانت بمكة بالمعلاة عند وادي طُوى، وسمي الوادي بغور داود، وصارت عرى/عُرُوش السلام، وهي عنده من أسماء مكة «أورشليم»، وموطن «الباسيين» «اليبوسيين» بجبل قُبيس «جبل أبي قبيس» حيث عاصمته، لكنه مكث مع رجاله بالمعلاة بمكة حتى وفاته، فصارت عاصمة لابنه سليمان عليهما السلام الذي بنى هيكلًا تنطبق مواصفاته على المسجد الحرام والكعبة المُشَرّفة. ومن ثم استنتج أن الهيكل هو المسجد الحرام، وأن الكعبة قدس الأقداس داخل الهيكل، وكان تابوت العهد بداخلها. وهذا برأيه هو الهيكل الأول.
كما فرّق محمد منصور بين مصر الحالية التي يسميها «بلاد القبط» ومصر التوراة التي يجعلها في الحبشة، وتحديدًا «مطرة» التي تتبع إريتريا اليوم، والتي كانت كما يقول مركز الحكم بالحبشة وقت توجه إبراهيم عليه السلام إليها من تهامة في زمن القحط. كما أسكن يوسف عليه السلام أبويه بأكسوم، ومنها كان خروج بني إسرائيل على يد موسى عليه السلام، وتحديدًا من مطرة عبر باب المندب.
وهنا نجد مثالًا لاصطدام الوهم بالحقائق التاريخية بحكم عدم درايته لا بالتاريخ المصري القديم، ولا الحبشي ولا اليمني القديم. فنجده يجعل مملكة «دعمت» التي ظهرت في الحبشة في القرن الرابع ق.م حين استغل السكان الأصليون في «يحا» ضعف مملكة سبأ باليمن بعد انهيار الوحدة فيها في أواخر القرن الخامس ق.م، ومن بعدها تأسست مملكة أكسوم على أيدي المهاجرين اليمنيين؛ يجعلهما معاصرتين للأنبياء يعقوب ويوسف عليهما السلام، الذين كانا في الألف الثاني ق.م. وهنا يتضح لنا كيف يبدد التاريخ الجغرافيا المتخيلة.
عمر شوتر
وعلى نفس المنوال يسير عمر شوتر في مقابلاته المتتالية منذ 31 يناير 2026، وهو مهندس اتصالات لا علاقة له بالتاريخ، معتمدًا على «تراكم المتشابهات» التي يسميها «تراكم الأدلة». وقد بدأت مناقشة أطروحته منذ الرد الأول: «مهندس الاتصالات عمر شوتر: أربعون عامًا في دائرة الفراغ المُحَرّف؟!»، ثم واصلت ذلك في «مهندس الاتصالات عمر شوتر: مزاعم أرض الميعاد في اليمن – الحلقة الثانية».
فقد وقع عمر شوتر في خطأ جسيم بدأ ببناء سردية في ضوء قراءة خاطئة لاسم المعبد في «جبل الكساد» بيافع، وهو ما يهدم كل ما ذكره وما سيذكره في حلقاته مجتمعة.
يقول: تذكر التوراة أن النبي إبراهيم خرج من «أور كسدم»، والميم زائدة للتنكير في المسند، وللتفخيم في العبري، ويرى أن المسند هو الصواب.
فقد تحرك إبراهيم من «أور كسدم» وخرج إلى حران، وتكتب بالعبري المترجم «حاران»، وفي العبري «حرن»، وفي القراءة الماسورية «حران» بألف واحدة. وتوجد «حاران» في حضرموت غرب «أور كسديم». ولا توجد كلمة «كسدم» أو «كشدم»، لأن السين تُقلب «ش» بين العربي والعبري، وبين القبائل العربية، إلا في نقشين معروفين لكل علماء الآثار العرب والأجانب، وهما موجودان في موقع داسي يذكران كسدم بالحرف كما يقول.
كما يذكر أن الطوفان حدث في وادي حضرموت الكبير، وأن السفينة رست في سقطرى واختفت هناك. ويذكر أن أم موسى لم تضعه في نهر النيل، وإنما في مياه ضحلة تسير في وادي «يغور» في شبوة، حيث كان يعيش فرعون وفق أطروحته. كما ربط مصر وفرعون وموسى ودمشق والآراميين بالجغرافيا اليمنية، وهي القضايا التي عدت إليها في «من أرض الميعاد إلى فرعون وموسى.. عمر شوتر يعيد رسم جغرافية التوراة في «شبوة» اليمنية».
وقد قمت بتفنيد هذه السردية في مقالة من جزأين: الجزء الأول من الرد على الحلقة الثالثة، والجزء الثاني من الرد على الحلقة الثالثة، على النحو الآتي:
1- إذا كان إبراهيم عليه السلام من قبيلة «كساد»، فما الداعي لأن يمنحه الرب وعدًا بأرض له ولنسله؟ فهم من أبناء المنطقة، وهو بذلك في أرض يمتلكها، ولقبيلته فيها دور ومكانة، ومن ثم فلا يحتاج لأرض يسكن فيها هو ونسله، لأن ذلك يستقيم مع الغريب وليس مع المواطن.
2- معبد «ك و ر/ك س د م» الذي أقيم للمعبود «عثتر» «ع ث ت ر/ب ع ل/ك و ر/ك س د م» ووجد في قمة الجبل، لا يعود تاريخه إلى ما قبل الميلاد كما زعم «شوتر»، وإنما يؤرخ بمنتصف القرن الثاني الميلادي. وهذا يعني أن بينه وبين زمن النبي إبراهيم عليه السلام، الذي لا علاقة له بهذا المعبد، ما يزيد عن 1700 عام. حتى إنه عندما سأله مقدم البرنامج: «ولكن إبراهيم رفع القواعد في مكة»، رد عليه: أنا لا علاقة لي بالقرآن، وإنما أُثبت صحة جغرافيا التوراة، وهي العبارة التي كررها في الحلقات الثلاث.
3- وقع عمر شوتر في خطأ مميت عندما استدل بنقش زُبِرَ على ذلك المعبد، وفُقد منه السطران الأول والثاني، ودرسه بافقيه وروبان، وأورده خليل الزبيري في كتابه عن عثتر، وغيرهم، فكان موضع الاستدلال بلا أثر منهجي كما سنرى.
أما الخطأ المميت الذي أوقع عمر شوتر نفسه فيه، فهو عندما قُرِئ له النص خطأ! فقال إن اسم المعبد «عُر كسدم»، بينما الكلمة المسندية «كور كسدم»، كما مر بنا. و«كور» تعني في لغة المسند الجبل المرتفع، أو المعبد المبني في مكان عال. ويظهر أنه التبس عليه الأمر فخلط بين هذا الاسم واسم «جبل العُر» في يافع أيضًا. فبنى على خطأ قراءة «عُر» بدلًا من «كور كسدم» كما هي في النص، ومن ثم اعتبر أن العين تقلب في تهامة همزة، فبدلًا من نطقها «عُر كسدم» تنطق «أور كسدم»، وهي الكلمة نفسها في التوراة. واستمر يبني قصته التي تقوم على هذا الخطأ طوال حلقاته المذاعة.
4- وبخصوص المعنى الدقيق لـ«كشدم» وعلاقتها بالكلدانيين/الكلديين، وكلمة «كور» التي هي جزء من اسم معبد جبل كساد بيافع، فقد ناقشت ذلك تفصيلًا في الجزء الأول من الرد على الحلقة الثالثة. ويؤكد علماء المسماريات أن مسألة الإقلاب من سمات اللغات القديمة، سواء الأوجاريتية، أو العربية، أو العبرية، أو الآرامية، أو السريانية وغيرها، مثل «كشدو» و«كسدو»، حتى إن بعض اللهجات الآرامية يبادلون بين الشين والكاف، مثل «الكلد» يكتبونها «الشلد». ومن ثم فالأمر لا يقتصر على العبرية واليمنية القديمة.
وبالإضافة إلى ذلك، كما يؤكد علماء المسماريات أيضًا، أن هناك قاعدة في علم الأصوات في الأكدية بتحويل الصوتين «ld» إلى «shd»، أي «لد» إلى «شد»، كما هو الحال في العديد من الأسماء والكلمات الأكدية والآشورية خصوصًا. وهذا في تقديري يدل بشكل قاطع على صحة ودقة الاسم «كشدم» في نصوص المسند للدلالة على الكلدانيين، وهو ما يتفق مع تحول «كلد» إلى «كشد»، بحسب القاعدة أعلاه.
5- هناك مدينة سومرية اسمها «كش/كيش» في جنوب العراق القريبة من بابل مقر الكلدانيين، وهي المدينة التي ذكرتها ملحمة جلجامش أنها من المدن التي عادت إليها الحياة بعد الطوفان، كما كان سرجون الأكدي أميرًا عليها قبل أن يؤسس الإمبراطورية الأكدية في الألف الثالث قبل الميلاد. وقد اتخذت فيما بعد ألفاظ «كشو» أو «كشاتو» لتعني العالم، بمعنى أنه من يسيطر على «كيش» يسيطر على العالم. كذلك كان من ألقاب ملوك آشور «شار كيشاتي». ومن ثم فإن لفظ «كشدم» في المسند، أو «أور كشدم» في التوراة، أوثق صلة بلغة العراق القديم منه إلى «جبل كساد» في يافع.
6- هناك «أور» شمال غرب سوريا، و«أور» بالعراق، فما الداعي للبحث عن أور باليمن من خلال تحوير قراءة الكلمات؟ فـ«أرارة» في لحج التي ربطها عمر شوتر بحادثة طوفان نوح عليه السلام، لا علاقة لها بالطوفان، بل هي في المعجم وفي الموروث المحلي تطلق على الصخرة الصلبة الشاهقة التي لا تنبت، حتى إنهم يسمون أعلى نقطة في الجبل الشاهق «العرعرة» أو «العرارة»، كما أكد لي ذلك عالم من أبناء المنطقة، وهي بذلك مثلها مثل «كور» التي تعني بلغة المسند الجبل المرتفع. وبناء على ذلك، أرى أن كلمات «كور» و«أرارة» و«أرارات»، حيث وجدت باليمن، فإنها تحمل تلك المعاني ولا تحتمل سواها. وهو ما يؤكد عدم صلة «أور» العراقية، ولا «أور» التوراتية، ولا أرارات التركية بمناطق لحج وسقطرى.
7- كلمة «كور» في السومرية تعني «الجبل»، واللقب السومري «لوجال كورا» يعني «ملك الجبال». وكذلك علامة المرأة مع علامة «كور» تعني الأَمَة أو العبدة. وفي الموصل يقولون «زكور» بمعنى مرتفع القمة، ومنها جاءت «الزقورات»، وهي المعابد العراقية القديمة المرتفعة والمتعددة الطوابق، وتعني «العالية والمرتفعة». وفي السومرية ثم الأكدية، علامة «كور» هي البلاد الجبلية المحيطة بالعراق. وفي السومرية كذلك «نينو» أو «نيوواكي»، وكذلك «أورو ناكي» هي للدلالة على البلد. كما أن «كي» هي عنصر جغرافي يضاف للموطن «كُر»، ويطلقه السومريون على البلاد الأجنبية.
8- ولو كانت مصر وفرعون ويوسف وموسى ودمشق والآراميون قد ارتبطوا فعلًا بالجغرافيا اليمنية على النحو الذي يقترحه شوتر، فإن السؤال الطبيعي يصبح: أين آثار هذا الحضور؟ وأين النصوص اليمنية المتزامنة التي تسجل هذه الوقائع؟ وأين الثقافة المادية والكيانات السياسية والشواهد الخارجية التي تؤكدها؟ لا يمكن نقل تاريخ يمتد قرونًا، ويشمل شعوبًا وأحداثًا كاملة، ثم تكون أدلته الرئيسة أسماء قرى وأودية وجبال متشابهة.
9- وينطبق الأمر نفسه على دمشق والآراميين. فالاعتراض على موقع جغرافي معروف أو على تفسير نص توراتي لا يكفي لإثبات جغرافيا بديلة. ومن يريد نقل دمشق أو الآراميين إلى جنوب الجزيرة عليه أن يقدم نصوصًا متزامنة، وآثارًا، وثقافة مادية، وتسلسلًا سياسيًا وزمنيًا يثبت وجودهم هناك، فدمشق ليست مكانًا مجهولًا، كما أن النصوص الآشورية ذكرتها باسمها «Di-ma-áš-qi» «ديماشقي» في سياق متتابع مع مدن لبنانية وفلسطينية أخرى.
والخلاصة إن اختلاف خرائط «التوراتيين العرب» أنفسهم يقود إلى استنتاج خطأ المنطلقات النظرية التي قادتهم إلى صياغة جغرافيا متخيلة تُسْقَطُ قسريًا هنا وهناك، وإلى صناعة تاريخ مُقَنّع لا يستند إلى وثائق نصية أو أثرية. وحين استخدموا بعض النصوص اضطروا إلى نقلها من بيئتها الأصلية إلى بيئة بديلة لا تتطابق معها ولا تتفق مع بيئتها. فالمواضع التي وضعها كمال الصليبي في عسير، أو نقلها آخرون إلى مناطق أخرى من الجزيرة العربية كما مر بنا، لا تتطابق بالضرورة مع خريطة شوتر في اليمن والعكس. فلو كان التشابه اللفظي قادرًا بمفرده على تحديد الجغرافيا التاريخية لانتهت هذه الأطروحات إلى خريطة واحدة، لا إلى خرائط متنافسة.
وسأكتفي بمن أوردتهم في المقال، وبالأمثلة التي ضربتها لسردية كل منهم، ومن يرغب في الاستزادة يمكنه العودة، إلى جانب المقالات المشار إليها في المتن، إلى كتابي:
المخلافي: «التاريخ المُقَنّع: هل التاريخ حدث أم فكرة؟ نقد أطروحات التوراتيين العرب».
المخلافي: «فوضى السرد في كتب التاريخ المُقَنّع: من هوية اليمن وعروبة أهلها إلى إسكات التاريخ الفلسطيني وإبراز الآخر».