(الحلقة الثالثة/ الجزء الثاني)
سنواصل في الجزء الثاني تفنيد أطروحات المهندس عمر شوتر، من خلال ضرب الأمثلة الرئيسة لتشكيل وعي حقيقي يتصدى للسرديات المتخيلة، وذلك من خلال الحديث عن: أور – الطوفان – الفرات – غزة – نخل مصر – حران.
أور
لا غرابة في أن تذكر التوراة «أور كسدم» وتترجم إلى «أور الكلدانيين»؛ فالكلدانيون هم الحكام، وأور هي ميناء الدولة. وهذا هو الخطأ الجسيم الذي هدم فكرة عمر شوتر من الأساس. وهذا الخطأ وحده يكفي لعدم مناقشة ما بقي من أطروحاته التي قدمها في الحلقة الثالثة من المقابلة التي أجرتها معه منصة «مجتمع» وبثتها بتاريخ (29/8/2026م)، ومن ثم لا داعي للبحث عنها في الجبال والشعاب!
وعلى الرغم من ذلك، سأواصل تقديم الأدلة والقرائن حتى أضع القارئ في صورة مكتملة الأركان، ومن ذلك التعرف على «أور» العراقية التي ارتبطت بطوفان نوح وبالنبي إبراهيم عليهما السلام.
توجد مدينة اسمها «أور» شمال غرب سوريا، ومدينة اسمها «أور» في العراق، وهي التي تهمنا هنا؛ لأنها ترتبط بأطروحات عمر شوتر، الذي يبحث عن الجغرافيا ولا يستند إلى وقائع التاريخ، وهو المحك الذي إن دخل فيه أدان نفسه. وهذا أمر طبيعي لكونه متخصصًا في الاتصالات -ولا نعيب عليه ذلك- وليس في التاريخ ولا في الآثار، حيث أقحم نفسه وضيّع عمره طوال أربعين عامًا يبحث عن أرض التوراة في اليمن، بدلًا من استغلال تخصصه الأصلي لإفادة الأمة.
فما الداعي للبحث عن أور في اليمن من خلال تحوير قراءة الكلمات، ما دامت «أور» العراقية تقدم نفسها بأدلتها الأثرية والنصية؟
فمدينة أور تعد من أشهر المدن الحضارية في جنوب العراق، ومن أهم المواقع الأثرية التاريخية فيه بسبب ارتباطها بأحداث مهمة. فهي مدينة سومرية قديمة، ومن أهم الموانئ القديمة التي كانت تربط العراق القديم بالخليج العربي، ومنه إلى مجان (عُمان) وبلاد السند، بحسب النصوص الأكدية وغيرها. وتقع مدينة أور الأثرية اليوم على مسافة نحو 17 كم جنوب غرب مدينة الناصرية. وتبلغ مساحة المكوّن الأثري المسجل لمدينة أور 71 هكتارًا، فيما تبلغ مساحة المنطقة العازلة المحيطة به 317 هكتارًا، وفق ملف مدينة أور الأثرية لدى مركز التراث العالمي في اليونسكو. ويضم الموقع زقورة أور، وعددًا من المعابد والقصور والمباني العامة والأحياء السكنية والمقابر، إلى جانب موانئ قديمة مرتبطة بالمدينة.
وشهدت أور توسعًا في العصر البابلي الحديث المعروف بالكلداني أو الكلدي، ولا سيما في عهد الملك البابلي «نبوخذ نصر الثاني» (604–562 ق.م)، الذي أنهى وجود دويلة «يهودا» سنة 587 ق.م، والتي فخمتها الرواية التوراتية، ثم فخمها التوراتيون العرب فجعلوها مملكة أسطورية. بل ذهب فاضل الربيعي إلى ما هو أبعد، حين جعلها مكان مملكة سبأ وذي ريدان في اليمن، التي أقامها الحِمْيَرِيّون سنة 115/110 ق.م. ولذلك من الطبيعي أن تربط التوراة «أور» بالكلدانيين كما سبق، وليس بـ«عُر كسدم» كما ذهب شوتر.
شهدت مدينة أور عودة السومريين بعد العصر الأكدي، واستمرت السلالة الحاكمة فيها بين (2113–2006 ق.م)، ويعد الملك «أور نمو» (2113–2096 ق.م) أشهر ملوكها، وهو صاحب أحد أقدم التشريعات المعروفة في التاريخ، المعروف بـ«قانون أور نمو» أو «شريعة أور نمو».
وتضع بعض التقديرات التقليدية زمن النبي إبراهيم عليه السلام في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، قريبًا من نهاية سلالة أور الثالثة أو بعدها بقليل، غير أن تأريخ حياته على نحو دقيق لا يستند إلى دليل أثري مستقل يتيح الجزم بزمن محدد.
أما المقبرة الملكية في أور، التي اشتهرت بظاهرة الدفن الجماعي، فتعود في معظم أشهر مدافنها الملكية إلى عصر فجر السلالات ، العصر السومري القديم نحو 2800–2334 ق.م، أي قبل سلالة أور الثالثة بنحو خمسة قرون. وقد عُثر فيها على دفنات ضمت مع بعض الملوك والأثرياء عددًا من أفراد الحاشية، بينهم الجند والخدم والوصيفات والموسيقيات وسائقو العربات، إلى جانب حيوانات وعربات. وتراوحت أعداد الضحايا في تلك الدفنات، وكشفت الدراسات الحديثة أن هذه الظاهرة تعود إلى مرحلة أقدم من الزمن الذي تضع فيه بعض التقديرات التقليدية إبراهيم عليه السلام.
وتمثل هذه الظاهرة حالة رهيبة من الظلم والتسلط والجبروت وتأليه الأشخاص؛ عاشتها أور في مرحلة من تاريخها بفعل أشخاص رأوا أن حياتهم هي الحياة بعينها، وأنه بمماتهم ينبغي أن تتوقف أعمار آخرين وحياتهم، كي يعيشوا معهم كما كانوا عندما يبعثون بعد الموت، وفق المعتقدات التي سادت حضارات قديمة عديدة.
والسؤال هنا موجه للمهندس عمر شوتر: هل يُبعث الأنبياء إلى المراكز والمجتمعات التي تتراكم فيها مظاهر الظلم والانحراف، أم نبحث عنهم في قرى صغيرة معزولة في يافع لمجرد تشابه أسماء المواضع؟ وخاصة إذا ارتبط الأمر بنبي عظيم من أولي العزم من الرسل، تحمّل مشاق كبرى لتغيير أمم بأكملها. وخاصة أن اليمن طوال تاريخها لم تعرف أن حاكمًا أو ثريًا دفن أتباعه الأحياء كأي أثاث يمتلكه، وكان التعايش سمة فرضتها المصالح المشتركة زراعيًا وتجاريًا ومجتمعيًا، وعَبّروا عنه بتلك الوحدة الثقافية اللافتة المتمثلة بالكتابة والعبادة والعمارة والفن والمظهر.
بالتأكيد شرف لليمن أن يكون أنبياء الله منها وفيها، ولكن أهلها لم يكونوا بحاجة إلى ذلك دائمًا، لكونهم موحدين بالفطرة، حتى معبوداتهم ارتبطت بالإله الغائب الذي عبروا عنه بالكواكب والرموز، ولم يعبدوا صنمًا في تاريخهم. أما عندما ظهر الطغاة من قوم عاد واغتروا بالحضارة العظيمة التي بنوها في الأحقاف بحضرموت، فقد أرسل الله إليهم هودًا عليه السلام، ثم أنزل عليهم العقاب بسبب تكذيبهم له، كما يذكر القرآن الكريم:
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: 21–25].
واللافت أن التوراتيين العرب يرفضون الأدلة الأثرية التي توجد في المواقع المشهورة والواضحة في الشرق القديم، لأنها تدمغ أطروحاتهم. كما ينكرون أي وجود للأنبياء في مناطق محددة من الشرق القديم لأنهم لم يجدوا حتى الآن أدلة أثرية على وجودهم التاريخي، في حين يتغير الأمر وينقلب 100% عندما يصلون إلى اليمن. فالنص التوراتي والمتشابهات الجغرافية فيها هي الأصل، وما دون ذلك سرديات زائفة في نظرهم. حتى لو وجدنا سيناء، وأور، ونخل مصر، وحران، ونهر النيل، ونهري دجلة والفرات... قائمة أمامنا، وحية بناسها ومائها.
وهذا، في تقديري، يفضي إلى تشويش الذاكرة الجمعية للأمة وتغييرها، ومن ثم تتلاشى الهوية والجغرافيا والتاريخ، وهي الظاهرة والتأثير الذي ناقشته مطولًا في كتاب «التاريخ المُقَنّع». كما يفتح ذلك سؤالًا حول احتمال وجود جهات أو مؤسسات تدعم بعض هذه التوجهات، وهو احتمال يحتاج إلى توثيق مستقل قبل الجزم به.
والمؤسف حقًا أن نجد من أبناء الوطن من يتحمس لأطروحات التوراتيين العرب. ولعل من أهم أسباب ذلك طغيان ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي على قراءة الكتب وتغذية العقل من المصادر المباشرة والمتنوعة، كي يتدرب على الفهم والحكم من خلال المعلومة العلمية، لا بناءً على السماع والتأثر.
وعلى طريقة المهندس عمر شوتر سوف نسير في سياق «تراكم الأدلة» وتفنيدها وإظهار ضعفها وتلاشيها التلقائي بمجرد اختبارها في مسرح التاريخ، حيث كان الفعل الحقيقي للإنسان في صنع الحضارة، وليس للصخور والجبال والوديان.
طوفان نوح
يذكر عمر شوتر أن في سقطرى مكانًا يسمى «أرارات»، وتحديدًا في «حديبو». وفي لحج توجد منطقة «أرارة»، وأن قوم نوح وجدوا مكانًا سهلًا لنصب خيامهم في «شنعار» التي اعتبرها تطابق «شتهور» و«شنخر» بحضرموت، وأن الاختلاف سببه تحولات بسيطة بين الحروف. كما قرر أن سفينة نوح ربما تكون قد رست في سقطرى، حيث توجد في «حديبو» «أرارات» إلى اليوم، واختفت السفينة هناك، وليس في منطقة أرارات في تركيا كما هو مشهور.
في الواقع، في حديبو قريتان حديثتان صغيرتان وسكانهما بالعشرات، تسمى إحداهما «أرارة السفلى»، والأخرى «أرارة العليا». أما في لحج فتوجد قرية جبلية وعرة صغيرة اسمها «أرارة»، وأحيانًا تكتب «أرئرة». ولكنها صارت كنزًا وجوهرةً بالنسبة لعمر شوتر! وهو الخطأ نفسه الذي وقع فيه كمال الصليبي في عسير، حين اعتمد على أسماء قرى وأفخاذ حديثة وربطها ببني إسرائيل.
تواصلت مع الأستاذ الدكتور عوض عبد الرب الشعبي، أستاذ الآثار بجامعة عدن، وهو من أبناء يافع الكرام، للاستفسار عن «أرارة» في لحج، فتواصل بدوره مع الدكتور صبري عفيف العلوي، أستاذ اللغة العربية، وهو من أبناء المنطقة كذلك، فأفاد بأن الجذر المعجمي (أرَر/عرَر): في المعاجم القديمة، «الأَرّةُ» و«العَرّةُ» تُطلقان على الصخرة الصلبة الشاهقة التي لا تنبت، أو المكان الشديد الضيق في الجبل. ويقال في الإحاطة الجغرافية القديمة: «أرضٌ أَرَّاء»، أي صلبة حجارتها متراكسة. وأضاف أن أهل ردفان ويافع يسمون أعلى نقطة في سنام الجبل أو الشاهق المطل على وادٍ بـ«العرعرة» أو «العرارة». وبما أن القرية تقع على حافة جبلية مطلة، فالتسمية المحلية والمعجمية وصفية دقيقة للمعنى المرتبط بطبيعة موقعها.
وعلى ذلك يكون المعنى مقاربًا لكلمة «كور» التي تعني بلغة المسند -كما عرفنا سابقًا- الجبل المرتفع. وبناءً على ذلك، فإن كلمتي «كور» و«أرارة»، حيثما وجدتا في اليمن، تحملان تلك المعاني ولا تحتملان سواها. وهو ما يؤكد عدم صلة «أور» العراقية ولا «أور» التوراتية، ولا أرارات التركية، بمناطق لحج وسقطرى، ولا بما ذهبت إليه مخيلة عمر شوتر. والسبب ببساطة أن «أور» منطقة ساحلية وليست جبلية، وارتبط اسمها بالكلدانيين في التوراة بسبب تبعيتها لهم عندما كانوا إمبراطورية منذ أواخر القرن السابع قبل الميلاد وحتى منتصف القرن السادس ق.م.
أما جبل أرارات في تركيا، فترجح بعض الآراء أن سفينة نوح عليه السلام استقرت عليه بسبب أن سنامه على شكل سفينة. والمعروف أن الجبل الذي استوت عليه السفينة ذُكر في القرآن باسم «الجودي»، وذُكر في قصة الطوفان السومرية والبابلية باسم «جبل نيزير/نصير». مع العلم أن قصة الطوفان وسفينة نوح يربطها الناس بأي جبل أو صخرة تشبه السفينة في بلدان عربية مختلفة. أما في حضرموت وسقطرى فليس لدينا ما يشبه السفينة، وتوجد تشكيلات صخرية تشبه السفينة في مناطق مختلفة من اليمن.
الطوفان في المصادر الأثرية
دعونا الآن نتحدث عن الطوفان من المصادر الأثرية مباشرة، وليس من معاني ودلالات قرى حديثة سكانها اليوم بالعشرات. وسوف نربط بين الدليل والرواية الأثرية والقرآنية وعلاقة «أور» بكل ذلك.
انتشرت قصة الطوفان في أدب العراق القديم المكتوب على ألواح الطين بالكتابة المسمارية. وقد عُرفت القصة منذ أيام السومريين في الألف الثالث قبل الميلاد، ووصلتنا نصوص مدونة عنها من العصر البابلي القديم، الذي يؤرخ بنحو 1894–1595 ق.م. ومن بينها نص سومري عُثر عليه في مدينة «نفر» جنوب العراق، ويؤرخ إلى العصر البابلي القديم.
والقصة في صورتها التي وصلتنا ناقصة بسبب تهشم أجزاء واسعة من اللوح، لكنها تقدم رواية عن الطوفان تشترك في عدد من عناصرها مع القصة القرآنية. وأشارت القصة السومرية إلى نوح عليه السلام بشخص اسمه «زيوسدرا»، ووصفته بأنه تقي، وأنه ملك يخاف الإله، وينكب على خدمته في تواضع وخشوع، ويطيل النظر في المكان المقدس، وهو يقيم إلى جوار حائط يستمع منه إلى صوت معبوده «إنكي» الذي أخبره بالقرار الذي اتخذه مع مجمع المعبودات بإرسال الطوفان لإهلاك بذرة الجنس البشري... ثم تستمر الرواية -بعد كسر في النص- بوصف العاصفة والأمطار.
وتتعدد روايات الطوفان في تراث بلاد الرافدين ومصادره اللاحقة؛ فمن العصر البابلي القديم وصلتنا قصة أتراخاسيس، كما دخلت قصة الطوفان في ملحمة جلجامش بصيغها المتعددة، ثم نقل بيروسوس، الكاهن والمؤرخ البابلي الذي كتب باليونانية في العصر الهلنستي، رواية أخرى للطوفان في زمن متأخر كثيرًا عن العصر البابلي القديم.
وسنكتفي هنا بإيراد ملخص لما جاء في ملحمة جلجامش للمقارنة.
يروي جلجامش أن «أوتنابيشتم» روى له قصة الطوفان كما يأتي:
«اهدم هذا البيت وابن فُلكًا، دع الأملاك وأنقذ حياتك، اهجر المتاع ودع الروح حية، واحمل على ظهر الفُلك بذرة كل شيء حي...».
وفي اليوم الخامس أقيم هيكل السفينة، الذي وصف طوله وعرضه، ثم ربط جوانبها بعضها ببعض، وجعل فيها ستة أسطح، وقسمها إلى سبعة طوابق، وقسم أرضيتها تسعة أجزاء، ودق سدادات المياه بها، وجهزها بما تحتاج إليه من المؤن التي عددها.
واكتمل الفُلك في اليوم السابع، وكان إنزاله إلى الماء بالغ المشقة، حتى إنهم اضطروا إلى دفع الألواح الأرضية من أعلى ومن أسفل، فتمكنوا من إنزال ثلثي هيكله إلى الماء. وحمّله بكل ما عنده من فضة وذهب وكائنات حية، وحيوان الحقل ووحوشه، وكل الصنّاع. وكل عائلته وأقاربه أركبهم الفُلك.
ثم صعد إلى الفُلك وأوصد بابه، وجاء اليوم الموعود فأنزل الموكل بالزوابع ليلًا مطرًا مهلكًا. فأخذ يرقب وجه السماء، وكان منظر العاصفة مخيفًا يثير الرعب.
ومع انبثاق الفجر ظهرت في السماء غمامة سوداء، وأرعد «أداد» من داخلها... ووصل الذعر من «أداد» إلى عنان السماء، فأحال النور إلى ظلمة، وانصدعت الأرض الواسعة وكأنها جرة. وهبت عاصفة الجنوب يومًا كاملًا بسرعة عنيفة حتى أخفت الجبال وحلت بالناس وكأنها حرب. فلا يرى الأخ أخاه، ولم يعد الناس يعرفون من في السماء...
وفي اليوم السابع سكنت عاصفة الجنوب عن الحرب التي شنتها، وهدأ البحر وسكنت العاصفة وتوقف الطوفان. وتطلعت إلى الجو، فإذا السكون شامل، وتحول الناس إلى طين، وتشققت الأرض وكأنها جرة. ففتحت كوة وسقط الضوء على وجهي، فجلست وبكيت وسالت دموعي على وجهي، وتطلعت إلى الدنيا في عرض البحر... واستوت الفُلك على جبل نيزير (نصير)، الذي أمسك بها خمسة أيام لا تستطيع حراكًا.
والجدير بالذكر أن النصوص البابلية تصف «جبل نصير» (نيزير) بأنه في المنطقة الواقعة بين نهر دجلة والزاب الأسفل، باتجاه سلسلة جبال كردستان شرق دجلة.
ولكن أين المكان الذي حدث فيه الطوفان داخل العراق؟
على الرغم من تعدد روايات الطوفان وعدم استقرار الآراء على مكانه والجبل الذي رست عليه السفينة، فإن أكثر بقاع الأرض التي حفظت نصوصها القديمة قصة الطوفان هي بلاد الرافدين. كما كشفت التنقيبات الأثرية في أور عن آثار فيضانات قديمة حقيقية، وإن كان تفسيرها وعلاقتها بقصة الطوفان موضع نقاش علمي.
ففي سنة 1929م أجرى السير «ليونارد وولي» حفائر أثرية في خرائب مدينة أور في جنوب العراق. وبعد اختراق طبقات الاستيطان، عثر في أحد الحفر على نحو ثمانية أقدام، أي قرابة 2.4 متر، من طمي نظيف ترسب بفعل المياه، وتحت هذه الطبقة ظهرت آثار وفخار من عصر العبيد. وفي موسم لاحق حفر مساحة أوسع، فعثر على ترسب مائي بلغ نحو أحد عشر قدمًا، أي قرابة 3.35 أمتار، فوق بقايا أقدم. وقد كرر وولي اختباراته في عدد من المواضع، ووجد في معظمها ترسبات مائية فوق مستويات الاستيطان القديمة.
فسّر وولي هذه الطبقات آنذاك بوصفها دليلًا أثريًا على «الطوفان». غير أن الدراسات اللاحقة نبّهت إلى أن المسألة أكثر تعقيدًا، وأن هذه الترسبات تثبت وقوع فيضانات كبيرة في المنطقة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات طوفان واحد شامل، كما أن بعض طبقات أور التي ربطها وولي بالطوفان تعود إلى نحو 3500 ق.م أو أقدم. ومع ذلك، تبقى هذه الشواهد دليلًا أثريًا مباشرًا على حضور الفيضانات الكبرى في تاريخ جنوب العراق القديم، بدل الاعتماد على مجرد تشابه أسماء قرى ومواضع حديثة.
ولعل هذا التسلسل التاريخي المتمثل في اختفاء مراكز وظهور أخرى يظهر كذلك في «قائمة الملوك السومرية»، التي دُوّنت بالخط المسماري اعتمادًا على تقاليد أقدم.
وتذكر القائمة أن الملكية نزلت من السماء قبل الطوفان في أريدو، ثم باد-تيبيرا، ثم لاراك، ثم سيبار، ثم شروباك. وبعد ذلك «اجتاح الطوفان»، ثم نزلت الملكية من السماء ثانية في كيش، وتوالت بعد ذلك السلالات والمراكز السياسية في مدن أخرى، من بينها الوركاء وأور.
وقد أظهرت الدراسات التاريخية والأثرية تعاقب عدد من هذه المدن بوصفها مراكز سياسية رئيسة في جنوب العراق القديم، وهو ما يتيح مقارنة النصوص بالمادة الأثرية بدل عزل الجغرافيا عن التاريخ.
هذا هو العلم، وهذه هي الأدلة الأثرية والقرائن التي يُصاغ في ضوئها الحدث التاريخي. فالجغرافيا لا يمكن أن تكون مؤشرًا على الفعل التاريخي ما دمنا لا نجد دليلًا من الآثار والكتابات المتزامنة مع الحدث نفسه. فالجغرافيا تبقى خرساء حتى يعمرها الإنسان.
الطوفان في القرآن وتشابهه مع النص المسماري
والمثير حقًا أن القصة القرآنية تتشابه في بعض مواضعها مع قصة الطوفان السومرية والبابلية، مثل النبي الكريم وتعبده، وتلقي الوحي من ربه، والبدء ببناء السفينة، وتحميلها من كل زوجين اثنين مما يتكاثر، والطوفان، وانتهاء الطوفان، واستقرار السفينة على الجبل، ثم نزول النبي مع الناجين والبدء بحياة جديدة.
﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ (36) وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ (37) وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ (38) فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ (39) حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ (40) ۞وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ (41) وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (42) قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ (44) وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ (45) قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ (47) قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ (48)﴾
نهر الفرات
نهر الفرات ليس نهرًا مجهولًا حتى يحوله المهندس عمر شوتر إلى وادٍ جاف في يافع، وينقله إلى مديرية الحشا حيث يوجد «وادي فراتا» و«وادي فراثا» و«فرثة» الموجودة إلى الآن، كما ذكر. بل يقول إن الوادي الكبير المرتبط في التوراة بالفرات هو الوادي الكبير نفسه الموجود في لحج.
فإذا كان هذا هو القياس، ففي العراق يوجد أكثر من وادٍ يسمى «الوادي الكبير»، وكذلك في معظم البلاد العربية وغير العربية. وهذا الأمر ليس غريبًا؛ فجميع التوراتيين العرب قد اخترعوا للفرات وديانًا، أو مسايل وديان، أو شعابًا، أو أسماء مناطق مشابهة: فالدكتور كمال الصليبي عده «قرية الفرت» في وادي أضم بعسير، ود. أحمد داود جعله وادي الثرات بزهران، ونقله فرج الله ديب إلى وادي الفروات شمالي صنعاء، بينما عده فاضل الربيعي «شعب الفرث» في حزم العدين!
وهذا يدل على خطأ أطروحات جماعة التاريخ المُقَنّع (التوراتيين العرب)، فهي لا تستقر في بلاد ولا في وادٍ ولا في جبل، وغايتها تشتيت الذاكرة الجمعية للأمة. ولو كانت فروضًا منهجية وبحثًا دقيقًا لتوافقت وأجمعت على نتيجة واحدة. لكن كلٌّ يبحث في منطقة عن المتشابهات، ثم يصيغ سردية متخيلة لفكرة عدمية، فحولوا البحث العلمي إلى «كانتونات جغرافية متخيلة».
ولعل «الوادي الكبير» إشارة إلى «الجزيرة الفراتية» التي تكونت من المسافة الفاصلة بين دجلة والفرات، وليس في لحج.
أما نهر الفرات كما نعرفه، فقد ذكرته الكتابات المسمارية باسمه. وورد اسم الفرات في النصوص السومرية بلفظ Buranun «بورانن» أو Burununa «بوروننا»، ويرادف ذلك في اللغة الأكدية Purati «بوراتي» أو Buratum «بوراتوم»، ومنها الصيغة العربية «فرات» التي تعني الماء العذب. ونهر الفرات يزيد كثيرًا في الطول على نهر دجلة، حيث يبلغ نحو 2848 كم، كما تزيد مساحة حوضه مع روافده، بحيث تبلغ نحو 444,000 كيلومتر مربع.
والغريب أن عمر شوتر يتحجج بعدم ذكر التوراة لنهر دجلة، ولعله لا يعلم أن نهر الفرات يتصل جغرافيًا بالشمال والجنوب والشرق وما يرتبط بذلك من حضارات في بلاد الشام والجزيرة العربية. وكان من طرق التجارة النهرية الشهيرة، وخاصة أن تياره وجريانه أقل سرعة من نهر دجلة الذي يتميز بانحدار أكبر ومجرى أضيق. كما أقيمت على نهر الفرات موانئ مهمة، ومنها «أور» المدينة والميناء. ومن ثم لا يمكن أن يتحول نهر بهذه الأهمية إلى مجرد مسيل وادٍ، أو وادٍ جاف، أو شعب في جبل!
غزة
أيد عمر شوتر فكرة أن تكون «غزة» هي «القُزّة» في حضرموت، على الرغم من أن غزة ذُكرت في نقوش المسند أكثر من 30 مرة في سياق تجارة المعينيين معها، أو زواجهم من نسائها، كما ذكرتها النصوص المسمارية الآشورية مرارًا، وذكرت ملوكها. وكلها تشير إلى غزة فلسطين.
فهل يريد التوراتيون العرب تفريغ فلسطين من جغرافيتها وديارها بحجة الدفاع عنها؟
نخل مصر
يذكر عمر شوتر أن ما شاع أنه «نخل مصر» في التوراة هو «نحل مصر»، ومبرره في ذلك أن التوراة العبرية غير منقطة، ومن ثم أعطى لنفسه الحق في أن يقرأ الاسم بما يتفق مع سرديته، وبالطريقة نفسها التي قرأ بها التوراتيون العرب «غزة» على أنها «عزة»، ثم أوجدوا عدة «غزات» في بقاع مختلفة، كل حسب مخيلته.
وها هو عمر شوتر يتبع المنهجية نفسها، فيقرأ «نخل» على أنها «نحل»، ومن ثم بدأ يبحث لها عن تفسير في المعاجم العبرية، فوجد أنها تعني «جدولًا أو ساقية»، وأن المقصود بها الوادي الذي يسيل وقت المطر وينقطع وقت الصيف. وعليه بدأ يفتش عما يتفق مع ذلك في جغرافية اليمن. وغايته من كل ذلك جعل نهر النيل مسيل وادٍ، على غرار ما فعله الربيعي ومن سبقه.
مع العلم أن في سيناء موضعًا يسمى «قرية نخل»، لا تزال عامرة حتى يومنا هذا، وتبعد عن العريش بمسافة 156 كم، وعن السويس بـ127 كم. وقد اشتهرت محطةً على طريق الحج المصري القديم، كما ذكرتها النصوص الآشورية منذ القرن الثامن قبل الميلاد باسمها الحالي naḫal-muṣur. والاسم الآشوري يتفق مع الاسم الوارد في التوراة (نخل) وليس مع نحل كما تصور عمر شوتر.
حران
يقول المهندس عمر شوتر بالنص: «حرّان في شبوة، قريبة جدًا من أور كشدم إلى اليوم. هذه أول مرة يقول أحد إن النبي إبراهيم خرج من شبوة، وإن نوحًا كان في حضرموت، وإن حران في شبوة».
في الجزء الأول من الرد على عمر شوتر، أثبتنا خطأ وجود «أور كشدم» في يافع، وأثبتنا أن ذلك تصور عدمي لانتفاء ثبوت الدليل الذي ارتكز على قراءة خاطئة للكلمة الواردة في النص المسندي، حين استبدل كلمة «كور» في «كور كسدم» بكلمة «عُر» وقرأها «عُر كسدم».
كما أثبتنا صحة ودقة التعبير المسندي «كشدم» للدلالة على الكلدانيين في العراق، وهم حكام الدولة البابلية الحديثة (626–539 ق.م). كذلك بيّنا أعلاه صلة أور العراقية بروايات الطوفان في نصوص بلاد الرافدين، وما كشفته التنقيبات فيها من طبقات فيضانية قديمة، إلى جانب قرب منطقة أرارات من شمال العراق.
وعلى الرغم من أن الحديث عن «حران» لم يعد ذا جدوى ما دامت المرتكزات الرئيسة لفكرة عمر شوتر قد ثبت بطلانها، فإننا سنكتفي بالتعريف بمدينة «حران» التاريخية.
فهي منطقة أثرية معروفة، وتقع اليوم في محافظة «أورفة» التركية، على مقربة من الحدود السورية، وعلى مقربة من منابع نهر البليخ بين الرها ورأس العين. وتبعد عن زاخو في شمال العراق، التي تعرف بإبراهيم الخليل، نحو 325 كم. فهي بذلك في مربع جغرافي متصل بالأحداث التي تتناولها نصوص بلاد الرافدين وبلاد الشام.
وكانت حران المكان الذي لجأ إليه القائد الآشوري آشور أبلط الثاني بعد سقوط نينوى سنة 612 ق.م بيد التحالف البابلي الميدي، وجعل منها مركزًا للحكم الآشوري المتبقي، قبل أن تسقط نهائيًا أمام البابليين وحلفائهم سنة 609 ق.م.
وكل هذه المتغيرات التاريخية مسجلة في النصوص المسمارية المعروفة التي نشرها «لوكمبل» و«أوبنهايم» و«جريسون» وغيرهم من العلماء العراقيين والأجانب.
وهي المدينة التي وُجدت فيها أيضًا نصوص مرتبطة بالملك البابلي نبونئيد/نبو نائيد، الذي حكم نحو 556–539 ق.م، وغير ذلك من الوقائع والحوادث التاريخية.
وفي ضوء ذلك يصبح من تحصيل الحاصل، في سياق الرواية التوراتية، أن تكون حران التي ذكرتها النصوص باسمها المعروف دون تغيير ولا تبديل هي المدينة التي انتقل إليها إبراهيم عليه السلام من «أور» العراق، ومنها إلى بلاد الشام.
أما ربط رحلة إبراهيم إلى مصر بزمن تاريخي محدد، فتوجد بشأنه تقديرات متعددة، ولا يتوافر دليل أثري مستقل يسمح بالجزم به. وقد ربطت بعض التقديرات التقليدية زمنه بأوائل الألف الثاني قبل الميلاد، وربط بعض الباحثين زيارته المفترضة لمصر بعصر الدولة الوسطى، وربما بعهد الملك «سنوسرت الثالث»، إلا أن هذا الربط يظل ترجيحيًا ولا يمكن تقديمه بوصفه حقيقة تاريخية محسومة.
وبحسب الرواية الدينية، عاد إبراهيم بعد ذلك إلى فلسطين، ومنها ذهب مع هاجر وإسماعيل إلى مكة، حيث رفع قواعد بيت الله المحرم.
وفي الختام: أهم النقاط ذات الحسم العلمي
تناولنا في الجزء الأول موضوع «أور كسدم»، وناقشنا مرتكز المهندس عمر شوتر الذي اعتمد عليه لإثبات أطروحته المتعلقة بخليل الله عليه السلام. وبينا كيف وقع شوتر في خطأ جسيم عندما بنى سردية على قراءة خاطئة لاسم المعبد في «جبل الكساد» بيافع؛ فقرأ اسمه «عُر كسدم»، بينما المكتوب «كور كسدم». ثم ربط بين لهجة أبناء تهامة الذين ينطقون العين ألفًا، وقال إن هذا هو «أور كسدم» التي ذكرت التوراة خروج النبي إبراهيم منها إلى حران، وليست «أور الكلدانيين» المذكورة في الترجمة العربية.
وعزز وجهة نظره بذكر «كسدم» في أحد النقوش المسندية، مؤكدًا وجود ظاهرة الإقلاب في العبرية، فتقلب السين إلى شين مثلًا. ولم يتوقف عمر شوتر عند ذلك، بل طالب المتخصصين في الترجمة والآثار والتاريخ بأن يصححوا قراءاتهم بناءً على ما توصل إليه، والذي أعلن أنه لا يستطيع أحد دحضه.
وأقمنا الحجة على بطلان هذا الاستدلال من خلال بيان أن التعبير المسندي «كسدم» يمكن فهمه في سياقه للدلالة على الكلدانيين، وأن هناك قاعدة في علم الأصوات في الأكدية بتحويل الصوتين (ld) إلى (shd)، أي (لد) إلى (شد)، كما هو الحال في عدد من الأسماء والكلمات الأكدية والآشورية، وهو ما يتفق مع تحول «كلد» إلى «كشد»، في إشارة إلى الكلدانيين (الكلديين) الذين أداروا الإمبراطورية البابلية الحديثة (626–539 ق.م) من بابل في جنوب العراق، حيث كانت «أور» من المراكز والموانئ المهمة المتصلة بنهر الفرات.
كما بيّنا أن المقبرة الملكية في أور وما ارتبط بها من دفن جماعي تعود إلى مرحلة أقدم، نحو 2600–2500 ق.م، ولا ينبغي ربطها زمنيًا مباشرة بالفترة التي تضع فيها بعض التقديرات التقليدية إبراهيم عليه السلام. لكنها تكشف عن تاريخ حضري وديني واجتماعي شديد التعقيد في أور، يختلف جذريًا عن صورة القرى الصغيرة التي يجري استدعاؤها من خلال تشابه الأسماء وحده.
وأثبتنا أن «أرارة» في لحج لا علاقة لها بالطوفان، بحسب الدلالة المعجمية والمحلية التي تربط الاسم بالصخرة الصلبة الشاهقة أو أعلى الجبل. وهي بذلك مقاربة لـ«كور» التي تعني بلغة المسند الجبل المرتفع. وبناءً على ذلك، فإن كلمات «كور» و«أرارة» و«أرارات»، حيثما وجدت في اليمن، ينبغي فهمها أولًا في سياقاتها اللغوية والجغرافية المحلية، قبل إسقاط أحداث توراتية عليها.
كما استعرضنا روايات الطوفان في نصوص بلاد الرافدين، والطبقات الفيضانية التي كشفتها تنقيبات أور، مع التأكيد أن الأدلة الأثرية تثبت وقوع فيضانات كبيرة في جنوب العراق، ولا تسمح وحدها بالجزم بأنها تمثل طوفانًا واحدًا شاملًا. واستعرضنا كذلك التسلسل الصحيح للمدن في قائمة الملوك السومرية قبل الطوفان وبعده.
ثم ناقشنا الفرات وغزة ونخل مصر وحران، وهي أسماء وأماكن تحمل وراءها تاريخًا موثقًا في النصوص والنقوش والآثار، ولا يكفي وجود أسماء مشابهة في اليمن لنقل هذا التاريخ إليها.
ومع العلم أن جميع هذه الردود يتم جمعها، وسوف تصدر في كتاب موثق حين اكتمالها، بعون الله.